إنهم ينفذون الوصية الأمريكية
يلاحظ القارئ
منا أن الدراسات التي تهتم بالحركات الإسلامية في العالم تستحوذ هذه الأيام على
حيز واسع من صفحات بعض الصحف العربية والأجنبية وعلى الأخص الأمريكية منها،
والملاحظ أيضًا أن الدراسات الأمريكية بشكل خاص -والتي ينعكس صداها في بعض
الدراسات المنشورة في بعض الصحف العربية- تركز على ثلاث مسائل وتروج أن هذه
المسائل هي الأحق في الدراسة، ولها الأولوية في المتابعة، أما المسائل فهي:
1- مسألة العنف
والترويج على أنه هو أسلوب الحركات الإسلامية في تحقيق مطالبها.
2- إنشاء
الحكومة الدينية التي تشبهها تلك الدراسات بالحكومات الكنسية الإكليروسية
النصرانية التي انتشرت عبر العصور الوسطى في أوروبا.
3- خطر الحركات الإسلامية على الأنظمة الصديقة للغرب وعلى الأخص الولايات المتحدة الأمريكية.
وإذا كانت
«المجتمع» فضحت مرارًا مقاصد الولايات المتحدة وحلفائها كما كشفت مقاصد تلك
الدراسات فإنها تضع بين يدي القارئ المسلم وثيقة أخرى من وثائق الترتيبات
الأمريكية التي كشفت عنها إحدى الدراسات الخاصة بالحركة الإسلامية.
وصاحب الدراسة
هذه المرة «دانييل بايبس» واحد من أبرز المسؤولين السابقين في الخارجية الأمريكية،
وقد نشرت الدراسة قبل شهور قليلة لدى «مؤسسة التراث الخاصة» في الولايات المتحدة
الأمريكية.
أما موضوع
الدراسة فهو التخطيط لضرب الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي.
ومن أجل وصول
الدراسة إلى خطة مضمونة لضرب الحركة الإسلامية وشبابها وضعت بين يدي أصحاب القرار
الأمريكي قاعدة ذات أولوية من شعبتين تسهلان ضرب الحركة الإسلامية:
1- مراقبة
الحركات الإسلامية مراقبة دقيقة ومتابعة فكرها لفهم حقيقة الآراء التي يعتنقها
أتباعها.
2- مراقبة تأثير
الحركات الإسلامية بفكرها وآرائها على الناس الذين يعيشون في المجتمعات التي تعيش
ضمنها تلك الحركات.
وإذا كان الهدف
النهائي هو ضرب الإسلاميين ليخلو الجو لأصدقاء أمريكا يفعلون ما يردهم من أوامر
البيت الأبيض فإن الدراسة تعطي الأولوية لضرب الإسلاميين في البلدان الإسلامية
التي ترتبط أنظمتها بعلاقة وصداقة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ولا يكتفي واضع
الدراسة بوضع مقترحاته على طاولة جهاز الأمن القومي الأمريكي فحسب، وإنما يرفع
مقترحاته عبر البيت الأبيض من أجل أن ينفذها أصدقاء أمريكا في العالم الإسلامي،
حيث يطالب الإدارة الأمريكية بأن تعمل على ضرورة إقناع الحكومات الإسلامية بعدم
إعطاء الأولوية في التوظيف والتعيين في السلك الحكومي لأتباع الحركة الإسلامية.
كما ينصح حكومة
الولايات المتحدة نفسها بإخفاء علاقاتها الخاصة بحكومات العالم الإسلامي ويجد
الكاتب أن هناك ضرورة في إخفاء العلاقة الأمريكية مع حكومات البلدات التي توجد بها
حركات إسلامية نشطة وقوية، حيث يرى أن أسلم طريقة في التعاون مع تلك الحكومات هي
طريقة التعاون السري.
وعلى المستوى
الفكري للحركة الإسلامية والذي تعتبره الدراسة مستوى عدائيًّا من الطراز الأول
يوازن صاحب الدراسة بين الموقف الفكري للإسلاميين والأيديولوجية الشيوعية ثم يقرر
أن الثقافة العربية الإسلامية أشد خطورة من الفكر الشيوعي حيث يعتبر الأخير أقل
شرًّا.
المطلوب إذًا
-أمريكيًّا- خنق الحركة الإسلامية وإجهاض فكرها من أذهان الناس ووأد أبنائها وقطع
سبل الحياة بهم.
ترى ألا يرى
المسلمون معنا ما جرى وما يجري في بعض الأقطار المسلمة من ظلم وقهر ألحق
بالإسلاميين؟
وإذا كان الأمر
كذلك فهل يبقى شك في أن ما تقوم به أنظمة الظلم والعنت في بعض أنحاء العالم
الإسلامي ما هو إلا تحقيق للوصايا الأمريكية الكثيرة؟
وإذا كانت مقاصد
الأمريكان تستهدف ضرب العمل الإسلامي في بلدان هذا العالم المسلم فهل تعبر هذه
المقاصد الأمريكية عن شيء سوى الخوف من الإسلاميين وحركاتهم على مصالح البيت
الأبيض وأصدقاء البيت الأبيض؟
لقد أجاب عن هذا
السؤال كل من هيج، وبريجنسكي، أيام حكم كارتر للولايات المتحدة قبل سنوات قليلة
ولم يقفا عند الاعتراف بالخوف على المصالح الأمريكية والخشية على زوال أصدقاء
أمريكا بسبب تعاظم الصحوة الإسلامية وإنما وضعا خطة قررت أن انتهاج العنف ضد
الإسلاميين هو خير وسيلة لإيقاف المد الإسلامي.
ولقد عرف العالم
أجمع بما أحدثه بعض حكام عالمنا المسلم بالحركة الإسلامية وشبابها وأتباعها وذلك
بدءًا من عزل الإسلاميين عن وظائف الدولة وانتهاء بهدم البيوت وقصف القرى والمدن
على رؤوس الآمنين لأن بينهم بعض الشباب النشط من أتباع الحركة الإسلامية.. وقد لا
يتعلق الأمر فقط بالولايات المتحدة زعيمة الاتجاه العدائي للمسلمين، فالقوى
الاستعمارية جميعها.. غربية كانت أم شرقية تخاف على مصالحها في العالم الإسلامي من
نمو الحركة الإسلامية وانبعاثها.
والعجيب أن بعض
الجهات والدراسات في العالم العربي والإسلامي وضعت المقولات الأمريكية
والاستعمارية على اختلاف أنواعها ضمن وسائلها وأهدافها وبدأت تصطنع مقولات مشابهة
ودراسات مماثلة حول الإسلاميين وحركاتهم الأمر الذي يضع في أذهان الشعوب الإسلامية
سؤالًا هو:
هل يتواطأ العرب مع أولئك الأمريكان؟
وهل يقدم هؤلاء
المبررات الأمريكية بجمل عربية للتحريض على الإسلاميين وحركاتهم؟
ويستمر مسلسل
التحريض وما زال السؤال قائمًا في أذهان الشعوب، ولكن الله بالمرصاد لكل أعداء هذا
الدين على اختلاف أحوالهم ومواطنهم؛ (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)
(الأنفال: 30)(1).
للمزيد:
- العنف الأسري.. هل ترضاه المرأة أم تضطر للصبر عليه؟
- العنف الأسري في الكويت - بين واقع الظاهرة ورادع القانون
- مساعي تفكيك الأسرة المصرية تتزايد وسط تحذيرات من مختصين
- مقاربة النموذج الكويتي والأردني لحماية المرأة من العنف الإلكتروني
- قراءة في الإنجازات التشريعية لحماية المرأة في الكويت
_________________
(1) نُشر بالعدد(702)، 8 جمادى الأولى 1405هـ/ 29 يناير 1985م، ص4.