«وثيقة المدينة» أول دستور مدني أذهل التاريخ!
كانت الفوضى تعم
أصقاع الأرض، وكان الظلم والاستبداد والطبقية أساس الحكم، ولم تكن يثرب (المدينة
المنورة) بدعًا من هذا الواقع، بل كانت تعيش حالة مستمرة من الاحتراب الأهلي
المزمن، وتحديدًا بين قبيلتي الأوس والخزرج، التي توجت بحرب «بُعاث» الطاحنة التي
أنهكت قواهم وأفرغت طاقاتهم، بالتوازي مع وجود سكاني متباين، وتكتل اقتصادي وعسكري
ضخم ممثلًا في القبائل اليهودية (بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة).
في هذا السياق
جاءت الهجرة النبوية عام 622م لتشكل نقطة تحول جذري في مسيرة الحضارة الإنسانية،
حيث ولد ما يُعرف في مصادر السيرة والتاريخ بـ«الصحيفة» أو «الكتاب»، والذي اصطلح
الفكر السياسي الحديث على تسميته «وثيقة المدينة» أو «دستور المدينة».
وتُعد هذه
الوثيقة أول دستور مدني مكتوب يُعنى بتنظيم دولة متعددة الأديان والأعراق، ويهدف
هذا المقال إلى سبر أغوار هذه الوثيقة التاريخية، واستعراض مظاهر العبقرية
التأسيسية التي جعلتها تذهل المؤرخين ومفكري القانون الدستوري عبر العصور.
أولاً: سياق تدوين الوثيقة وبنيتها التوثيقية:
كُتبت الوثيقة
في الأشهر الأولى من الهجرة النبوية، وقد اعتمد النص الدستوري على الواقعية
الشديدة في التعامل مع الخريطة السكانية ليثرب، التي كانت تضم:
1- المهاجرين:
المسلمين الوافدين من مكة الذين فقدوا حماية قبيلتهم الأصلية (قريش) وأصبحوا بلا
غطاء قبلي.
2- الأنصار:
الأوس والخزرج الذين دخلوا الإسلام لكنهم ما زالوا يحتفظون بتركيبتهم العشائرية
وتوزيعهم الجغرافي داخل المدينة.
3- اليهود:
المكون الديني والاقتصادي المستقل عبر قبائلهم وبطونهم المتعددة وحلفائهم.
4- المشركين:
بقايا الأفراد والبطون الذين لم يعتنقوا الإسلام بعد من سكان المدينة.
وقد افتتحت
بصيغة دستورية حاسمة واضحة المعالم: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد
النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم
وجاهد معهم».
ثانياً: البنية السياسية والقانونية للوثيقة:
عند قراءة بنود
الوثيقة بتمحيص، نجد أنها وضعت قواعد حاكمة للسياسة الداخلية والخارجية، وصاغت
مفهومًا جديدًا للهوية الوطنية، وحققت سبقاً تاريخياً في المبادئ الدستورية، ويمكن
تلخيص المرتكزات الأساسية للوثيقة في المحاور التالية:
1- إعادة تعريف «الأمة» ونقض العصبية القبلية:
جاء البند
الثاني من الوثيقة ليعلن إحدى أكبر الثورات الاجتماعية في التاريخ: «إنهم أمة
واحدة من دون الناس».
هذا البند غيّر
وجه التاريخ العربي؛ فبعد أن كان الارتباط العضوي والسياسي يقوم على رابطة الدم
والنسب والقبيلة، جاءت الوثيقة لتصهر المهاجرين القرشيين والأنصار اليثربيين ومن
لحق بهم في سبيكة سياسية واجتماعية واحدة عابرة للحدود القبلية، تحول الولاء من العشيرة
إلى المجموع السياسي والديني الجديد، وهو ما مهد الطريق لبناء الدولة المركزية
التي تذوب فيها الفوارق العرقية والمناطقية.
2- التأسيس الدستوري لمبدأ المواطنة الكاملة والتعايش السلمي:
لم تقف الوثيقة
عند حدود تنظيم شؤون المسلمين، بل التفتت للمكونات الدينية الأخرى في المدينة،
وعلى رأسهم اليهود، مقررة مبدأ المواطنة المبني على الحقوق والواجبات المتساوية،
بغض النظر عن المعتقد الديني، وجاء في بنودها: «وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين،
لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم».
إن التعبير
بعبارة «أمة مع المؤمنين» يعكس عبقرية سياسية فذة؛ فهو يعترف باليهود كشريك سياسي
كامل الأهلية في بناء الدولة والدفاع عنها، مع منحهم استقلالية ثقافية وعقائدية
تامة «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم»، هذا التأسيس الفلسفي والقانوني يسبق أفكار
جون لوك، وجان جاك روسو، حول العقد الاجتماعي والتسامح الديني بأكثر من ألف عام.
3- حصر العنف الشرعي وسيادة القانون والدولة:
قبل الوثيقة،
كان الثأر فرديًا أو قبليًا؛ ما يعني اشتعال حروب لا تنتهي بسبب مقتل شخص واحد، جاءت
الوثيقة لتنزع سلاح الثأر الخاص وتجعل إقامة العدل والقصاص مسؤولية سلطة الدولة
المركزية فقط، بل وجعلت المجتمع كله جبهة واحدة ضد المجرم، حتى لو كان القاتل
ولدًا لأحدهم؛ «وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة
ظلم، أو إثماً، أو عدواناً، أو فساداً بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعاً ولو
كان ولد أحدهم».
بهذا البند
الحاسم، قُضي على الحرب الأهلية، وصار القانون فوق الجميع.
4- مركزية القيادة المرجعية وفض النزاعات:
لضمان ديمومة
هذا العقد الدستوري وعدم انهياره عند أول بادرة خلاف، حددت الوثيقة بوضوح سلطة
الفصل العليا ومرجعية التحاكم السياسية والقضائية، فجاء فيها: «وأنه ما كان بين
أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول
الله صلى الله عليه وسلم».
هذا البند نقل
يثرب من حالة الفوضى السياسية، والتعددية القيادية المتصارعة إلى حالة الدولة
الموحدة ذات القيادة المركزية المعترف بها من جميع الأطراف الموقعة، مسلمين وغير
مسلمين؛ ما حفظ للكيان الجديد هيبته واستقراره التشريعي.
ثالثاً: الأبعاد الدفاعية والأمن القومي في الوثيقة:
لم تكن وثيقة
المدينة مجرد وثيقة حقوقية، بل كانت ميثاقًا للدفاع المشترك والتحالف العسكري
لحماية الحدود الجغرافية للدولة الوليدة، وقد حددت الوثيقة معالم الأمن القومي عبر
نقاط جوهرية.
نصت الوثيقة على
أن «يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة»، وهذا يعني إعلان المدينة منطقة منزوعة
السلاح يحرم فيها الاقتتال الداخلي، وتحويلها إلى حرم آمن يُمنع ترويع سكانه.
وأقرت الوثيقة
مبدأ التضامن العسكري الكامل: «وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة»، و«وأن
على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم»، فالحرب إذا وقعت على المدينة، تصبح
مسؤولية جماعية تتطلب تمويلاً مشتركًا، ودفاعًا مستميتًا من كافة الطوائف.
رابعاً: وثيقة المدينة في ميزان الفكر السياسي الحديث:
عند مقارنة
وثيقة المدينة بالوثائق الدستورية التاريخية الأخرى، يظهر لنا بوضوح مدى السبق
الحضاري الذي حققته:
مقارنة مع
الماغنا كارتا (العهد الأعظم 1215م): يعتبر الكثير من علماء القانون الغربيين «الماغنا
كارتا» الإنجليزية بداية الدستورية الحديثة، ومع ذلك، فإن «الماغنا كارتا» كانت
وثيقة انتزعتها طبقة النبلاء والإقطاعيين من الملك لحماية امتيازاتهم الطبقية
الخاصة، ولم تخاطب عامة الشعب، فضلاً عن خلوها التام من أي بنود تقر بالتعددية
الدينية أو حقوق الأقليات، في المقابل، جاءت وثيقة المدينة شاملة لكل فئات
المجتمع، وحامية للضعفاء والأقليات الدينية، ومؤسسة للمساواة الكاملة قبل «الماغنا
كارتا» بـ6 قرون.
مقارنة مع
الفلسفة السياسية الغربية (العقد الاجتماعي): وضع توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك
روسو نظرياتهم حول انتقال البشر من حالة الطبيعة (الفوضى) إلى الحالة المدنية عبر
عقد اجتماعي يتنازل فيه الأفراد عن بعض حقوقهم للسلطة مقابل الأمن والعدالة، وجاءت
وثيقة المدينة كأول تطبيق عملي، واقعي ومكتوب في التاريخ لهذا العقد الاجتماعي؛
حيث نقلت مجتمع المدينة المتناحر من حالة الطبيعة القبلية الفوضوية إلى الدولة
المدنية القانونية عبر صياغة تعاقدية حرة وافق عليها المسلمون واليهود والوثنيون
على حد سواء.
لم تكن وثيقة
المدينة مجرد معاهدة سياسية عابرة فرضتها ظروف طارئة، بل كانت تجسيدًا تشريعيًا
عبقريًا نقل الإنسانية من فكر العشيرة والغنيمة إلى فكر الدولة والمواطنة، وكانت
قفزة تشريعية هائلة غير مسبوقة في التاريخ الإنساني، باعتبارها أول دستور مدني في التاريخ.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً