نساء في ذاكرة الرسالة (5)

السيدة زينب بنت جحش.. زوَّجها الله في السماء (2 - 2)

مصطفى المكبر

04 أغسطس 2026

99

السيدة زينب بنت جحش.. زوَّجها الله في السماء (2 - 2)

وحلَّت السَّيِّدَةُ زينب بنت جَحْشٍ رضي الله عنها بمكان هو أسمى مكان، البيت النبوي الشريف، وحق لها أن تفخر بهذا الحلول الميمون، أليس الله هو الذي أمر بزواجها من فوق سبع سماوات؟ بلى، وكأننا بها لحظة سماع هذا الخبر الطيب الرَخيّ وقد اعتصرت اللحظة سعادة الدنيا كلها بقلبها، وكأن لقلبها أجنحة يهفو بها في حبور، وهي تهز رأسها وترمي بنظراتها في جو السَّماء، تتبعه في وَثَبَاتِهِ المحبورة، وتتواصل الأيام وحق لها أن تتواصل معها بفرحها، وتقول: «إن الله أنكحني في السماء»(1).

أليست متفردة في هذا الأمر بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؟ بلى، وحق لها أن تفخر به عليهن، قال أنس رضي الله عنه: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: «زوّجكن أهاليكن، وزوّجني الله تعالى من فوق سبع سماوات»(2).

وتسمو مكانة زينب عند النبي صلى الله عليه وسلم، وتحدثه سعيدة: «إنيِّ لَأَدُلُّ عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تَدُلُّ عليك بهنَّ: إن جَدِّي وَجَدَّكَ واحد، وإنّيِ أَنْكَحَنِيكَ الله عز وجل من السَّماء، وإن السَّفير جبريل عليه السَّلام»(3).

وفوق هذا وذاك، كانت السيدة شابَّة جميلة؛ ما دفع غَيْرَةَ بعض أمهات المؤمنين منها إلى الظُّهور، غيرة طبيعيَّة لا تَقْدَحُ في دينهنّ ولا تَحُطُّ من قَدْرهنَّ(4).

قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عسلًا عند زينب بنت جحش وَيَمكث عندها، فَتَوَاصَيْتُ أنا وحفصة عن أيتنا دخل عليها صلى الله عليه وسلم، فلتقل له: أكلت مغافير؟ إني أجد منك ريح مغافير، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا، ولكني شربت عسلًا عند زينب بنت جحش، فلن أعود وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا»(5).

وتؤكد السيدة عائشة مكانة السيدة زينب بنت جحش عند النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تشير إشارة سريعة إلى مكارم أخلاقها، وصلاحها وكثرة صيامها وقيامها، كبعض من ملامح شخصيتها الثَّريَّة، في جزء من حديث طويل: «.. وهي التي كانت تُسَامِيني منهنَّ في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أر امرأة قَطُّ خير في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وَأَوْصَل للرَّحم، وأعظم صدقة، وأشدَّ ابْتِزالًا لنفسها في العمل الذي تَصَدَّقُ به، وتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى، ما عدا سَوْرَةً من حِدَّةٍ كانت فيها تُسْرِعُ منها الْفَيْئَةُ»(6)(7).

ولتحديد ملمح آخر مهم من ملامح السيدة زينب بنت جحش، نستمع إلى جزء من «حادث الإفك»، تقول السيدة عائشة فيه: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: «يا زينب، ماذا علمتِ؟ ما رأيتِ؟»، فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرًا، وهي التي كانت تُسَامِيني(8) من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع(9).

كانت السيدة عائشة ترى فيها منافسة قوية، تُزَاحِمها على أسمى منزلة في البيت النبوي وفي قلب صاحبه، وهكذا فإن أهم ملامح السيدة على لسان ضرائرها رضي الله عنهن جميعًا، كانت جميلة تعجب النبي صلى الله عليه وسلم، صالحة كثيرة الصيام كثيرة القيام، نقية صادقة سخيَّة، واصلة للرحم، ورعة، بها سورة من حدة تسرع منها إلى الرجوع للحلم، زاهدة (ولنا مع زهدها وقفة ستأتي) عظيمة الصدقة، فلما وصفتها عائشة جاء في وصفها لها كانت تعمل بيدها وتتصدق في سبيل الله عز وجل، وكانت امرأة صناعًا(10)؛ أي: لها صنعة، تصنع ما استطاعت من أشياء في البيت، ثم تتصدَّق بما تكتسبه ابتغاء مرضاة الله عز وجل.

وعلى هذه الحال الطيبة، تواصلت بالسيدة الأيام الطيبة، حتى جاء يوم ما أقسى حزنه الذي زحم نفسها، وأخذت مرارته بمسارب أنفاسها، يوم صعد صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، ومنذ ذلك اليوم لم تبق للسيدة متعة في الحياة، إلا أن تَجِدَّ في سَيْرِهَا نحو مرضاة الله عز وجل، وأمنيتها الرَّطيبة هي أن تحقق الغاية منها.

وورد من الأخبار ما يخلع عليها زهدًا رائعًا قلَّما يُماثل، بيد أن سيرتها كانت حافلة بأخبار زهدها، تشي بذلك شمائلها اللِطاف، اكتفت المصادر بتسجيل بعض منها كمضرب للمثل.

تقول برزة بنت رافع رضي الله عنها: لما جاء العطاء، بعث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فلما دخل عليها قالت: غفر الله لعمر، لغيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا مني، قالوا: هذا كله لك، قالت: سبحان الله، واستترت دونه بثوب، وقالت: صبُّوه واطرحوا عليه ثوبًا، فصبُّوه وطرحوا عليه ثوبًا، فقالت لي: يا برزة، أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة، فاذهبي إلى آل فلان وآل فلان من أيتامها وذوي رحمها، فقسَّمته حتى بقيت منه بقيَّة، فقلت: غفر الله لك، والله لقد كان لنا في هذا حظ، فقالت: فلكم ما تحت الثوب، فرفعنا الثوب فوجدنا خمسة وثمانين درهمًا، ثم رفعت يديها، فقالت: اللهم لا يُدْرِكَني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فكانت أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم لحوقًا به(11).

وقال محمد بن كعب القرظي: كان عطاء زين بنت جحش اثني عشر ألف درهم، ولم تأخذه إلا عامًا واحدًا، حُمِلَ إليها اثنا عشر ألف درهم، فجعلت تقول: اللهم لا يدركني قابل هذا المال فإنه فتنة، ثم قسَّمته في أهل رحمها وفي أهل الحاجة، حتى أتت عليه، فبلغ ذلك عمر فقال: هذه امرأة يراد بها خير، فوقف على بابها وأرسل السلام، وقال: قد بلغني ما فَرَّقْتِ، فأرسل إليها بألف درهم تستبقيها، فسلكت بها طريق ذلك المال.

وفي معجزة نبوية باهرة في الإخبار عن الغيب، قال صلى الله عليه وسلم لنسائه: «أسرعكن لحاقًا بي، أطولكن يدًا»(12).

وفي كرامة بيِّنة للسيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها، استقبلت عطاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه رافعة يديها إلى السماء، مُعْلِنة عن عدم تَشَبُّثِها بالحياة، قائلة: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، وفي رواية: اللهم لا يدركني قابل هذا المال فإنه فتنة.

وماتت السيدة، استجاب الله عز وجل دعوتها، ولم يدركها عطاء عمر عاماً آخر، فكانت كرامة جليِّة لها، وكانت أول أمهات المؤمنين وفاة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت أسرعهن لحاقًا به.

ولنتعرف على المعجزة النبوية في كلمات السيدة عائشة، تعقيبًا على قوله الشريف: «أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا»، قالت رضي الله عنها: كنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، نمدُّ أيدينا في الجدار، نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت قصيرة ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صنَّاعة اليد، وكانت تدبغ وتخرز، وتتصدَّق في سبيل الله عز وجل(13).

كن رضي الله عنهنَّ قد فهمن من لفظ اليد «الجارحة»(14)، ولما ماتت السيدة زينب رضي الله عنها، وكانت أسرعهن لحاقًا بالنبي صلى الله عليه وسلم علمن أنه كان يعني طول اليد في الصدقة والجود، وكانت هي أكثرهنَّ صدقة، قال قاسم بن محمد: قالت زينب بنت جحش حين حضرتها الوفاة: إني قد أعددت كفني، ولعل عمر سيبعث إلى بكفن، فإن بعث بكفن فتصدَّقوا بأحدهما، وإن استطعتم إذا دليتموني(15) أن تصدَّقوا بحَقْوُي(16) فافعلوا.

سبحان الله! لا تستطيع السيدة أن تبقى دون صدقة وبها فُضْلَة من أنفاس، لكأن حب الصدقة الذي خامر طبقات دمها قطرة قطرة، حبب إليها التصدق وهي ميتة في قبرها، وكانت وفاتها رضي الله عنها عام 20هـ/ 641م، وقد سُئِلت أم عكاشة بنت عبدالله بن حصن: كم بلغت زينب بنت جحش يوم توفِّيت؟ فقالت: قدمنا المدينة للهجرة وهي بنت بضع وثلاثين، وتوفيت سنة عشرين وكانت ابنة ثلاث وخمسين سنة.

قال عبدالرحمن بن أبزي: كان المسلمون يخرجون بالرجال والنساء في الجنائز سواء، فلما ماتت السيدة زينب بنت جحش، وكانت أول زوجة من زوجات النبوة تفارق الدنيا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أمر عمر مناديًا: ألا يخرج على زينب إلا ذو رحم من أهلها، فقالت أسماء بنت عميس: يا أمير المؤمنين، ألا أُريك شيئًا رأيت الحبشة تصنعه لنسائهم؟ فجعلت نعشًا وغشته ثوبًا، فلما نظر إليها عمر قال: ما أحسن هذا؟! ما أستر هذا؟! فأمر مناديًا فنادى: أن اخرجوا على أمكم، فصلى عمر رضي الله عنه عليها فكبر أربعًا، ثم أرسل إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من تأمرنني أن يُدْخِلها قبرها؟ وكان يعجبه أن يكون هو يلي ذلك، فأرسلن إليه: من كان يراها في حياتها، فيدخلها في قبرها بنو أخيها وبنو أختها، فقال عمر رضي الله عنه: صدقن.

وقال القاسم بن عبدالرحمن: لما توفيت زينب بنت جحش وكانت أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم لحوقًا به، فلمَّا حُمِلَت إلى قبرها قام عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني أرسلت إلى النسوة -يعني أزواج النبي صلى الله عليه وسلم- حين مرضت هذه المرأة: من يمرضها ويقوم عليها؟ فأرسلنا: نحن، فرأيت أن قد صدقن، ثم أرسلت إليهن حين قُبِضَت: من يُغَسِّلُها وَيُحَنِّطُها وَيُكَفِّنُها؟ فأرسلنا: نحن، فرأيت أن قد صدقن، ثم أرسلت إليهن: من يُدْخِلُها قبرها؟ فأرسلنا: من كان يحل له الولوج عليها في حياتها، فرأيت أن قد صدقن، فاعتزلوا أيها الناس، فنحَّاهم عن قبرها، ثم أدخلها رجال من أهل بيتها.

وذكر الإمام النوري: أنها دُفِنَت بالبقيع، وصلَّى عليها عمر، وأنزلها قبرها عمر بن محمد بن عبدالله بن جحش، وأسامة، وعبدالله بن أبي أحمد بن جحش، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله ابن أختها حمنة بنت جحش رضي الله عنهم جميعًا.

ورحلت السيدة إلى مأواها المختار، بعدما ثابرت على عبادتها وصدقتها في نشاط وحمية، حتى قالت عنها الصديقة عائشة من خلال دموعها السَّخِينَة: ذهبت فقيدة المساكين، مفزع اليتامى والأرامل، وتنخرط الصدِّيقة في نوبة بكاء طويلة، وحين تسأل في ذلك تقول، وما زالت دموعها سيالة: يرحم الله زينب، لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إن الله زوَّجها ونطق به القرآن، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: «أسْرَعْكُنَّ بي لحاقًا أَطْوَلَكُنَّ باعًا» فبشَّرها بسرعة لحوقها به، وهي زوجته في الجنة(17).

الهوامش
  • 1 حديث صحيح: أخرجه البخاري (7421)، والنسائي (3252).
  • 2 حديث صحيح: أخرجه البخاري (7420)، والترمذي (3213).
  • 3 أخرجه الطبري وابن كثير والبغوي في تفاسيرهم للآية (37) من سورة «الأحزاب».
  • 4 راجع: حديثنا عن الغيرة في قصة حفصة، فإن فيه الغني عن إعادته هنا، وكذلك قصة المغافير التي ذُكِرت مرة عند حفصة وأخرى عند زينب رضي الله عنهما.
  • 5 حديث صحيح: أخرجه البخاري (4912)، ومسلم (1474).
  • 6 تعني أنها كانت فيها سرعة غضب تغلبها أحياناً، لكنها كانت تعود منها سريعًا إلى الحلم.
  • 7 خبر صحيح: أخرجه مسلم (2441).
  • 8 تساويني في المنزلة.
  • 9 حديث صحيح: أخرجه البخاري (2661).
  • 10 خبر صحيح: أخرجه مسلم (2422).
  • 11 حديث حسن: أخرجه ابن سعد في طبقاته (8/ 106)، والهيثمي في مجمع الزوائد (9/ 346).
  • 12 متفق عليه: أخرجه البخاري (1420)، ومسلم (2452).
  • 13 صححه الترمذي، والألباني في السلسلة الصحيحة (2604).
  • 14 مفرد جوارح، وهي أعضاء الإنسان.
  • 15 أنزلتموني في قبري.
  • 16 الحَقْوُ: الإزار.
  • 17 طبقات ابن سعد (8/ 108-111)، صفة الصفوة (131)، تهذيب الأسماء والصفات (2/ 354)، البداية والنهاية (7/ 98)، سير أعلام النبلاء (2/ 216)، أسد الغابة (6955).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة