6 أسرار للدعاء بالعفو في ليلة القدر
روى الترمذي
بسند صححه الألباني عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ
فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ
عَنِّي»، ففي التوجيه إلى هذا الدعاء ما يدفع إلى التساؤل حول سر اختياره ليكون
الأهم من بين الدعوات التي يطلبها المسلم في ليلة القدر.
1- العفو يمحو الذنوب:
قال الغزالي:
العفُو هو الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي. (المقصد الأسنى، ص140)، وقال ابن
الأثير: العفو هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه، وأصله المحو والطمس. (النهاية
في غريب الحديث والأثر، 3/ 265)، وقال ابن تيمية: فالعفو متضمن لإسقاط حقه
قبلهم ومسامحتهم به، (مجموع الفتاوى، 14/ 140).
فالمسلم يدعو
ربه في ليلة القدر بطلب العفو طمعاً في التجاوز عن الذنوب ومحوها؛ أي إزالتها فلا
يبقى لها وجود، وهذا من عظيم فضل الله تعالى على عباده.
2- أهم مطالب المسلم أن ينال عفو الله:
إذا كان العفو
هو محو الذنب، فإن هذا هو أهم مطالب المسلم على الإطلاق، إذ ليس أعظم عند المسلم
من أن يتجاوز الله عنه ويسامحه فلا يعاقبه، قال ابن علان في شرح حديث طلب العفو في
ليلة القدر: وفيه إيماء إلى أن أهم المطالب انفكاك الإنسان من تبعات الذنوب
وطهارته من دنس العيوب، فإن بالطهارة من ذلك يتأهل للانتظام في سلك حزب الله وحزب
الله هم المفلحون. (دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 6/ 657).
3- الطمع في العفو عن الكبائر:
الناظر في
القرآن الكريم يجد أن الله تعالى أورد عفوه عن عباده بعد إتيانهم ببعض الذنوب
الكبيرة، وهذا يدفع المسلم إلى حسن الظن بربه في أن يتوب عليه مهما كبرت ذنوبه، قال
تعالى: (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ
لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ {51}
ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة).
وقال عز وجل: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ
تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ
مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ
بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ
الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ) (النساء: 153)، وقال أيضاً: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ
مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي
وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ
اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) (المجادلة: 2).
فقد جاء العفو
الإلهي بعد كبائر الذنوب، وذلك في الشرك بالله والانصراف عن عبادته، وكذلك في
الظهار الذي عبَّر القرآن الكريم صراحة عنه بأنه منكر من القول، ومع ذلك جاء العفو
الإلهي عن هذه الكبائر؛ ما يدفع المسلم إلى طلب العفو من ربه مهما كبرت ذنوبه.
4- مناجاة الله بما يحب:
في لفظ الحديث
قوله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ
عَنِّي»، جاء لفظ «تحب العفو»، وفي هذا ما يدعو العبد إلى الإقبال على ربه بما
يحب، فإن هذا أدعى إلى إجابته.
ويضاف إلى ذلك
أنه سبحانه يحب من عباده أن يتوجهوا إليه بأسمائه الحسنى، قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ
الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وفي هذا الدعاء جمع بين طلب
العفو ووصف الله تعالى به.
5- الدعاء بجوامع الكلم:
في سنن أبي داود
بسند صححه الألباني عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ
الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ».
قال السخاوي:
جوامع الكلم: أنه صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بالقول الموجز، القليل اللفظ
الكثير المعاني، وقال سليمان بن عبدالله: كان صلى الله عليه وسلم يتكلم بالكلام القليل
يجمع به المعاني الكثيرة. (الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث
النبوية، 2/ 597).
وفي هذا الدعاء
جمع النبي صلى الله عليه وسلم في ألفاظ يسيرة أعظم معاني العبودية من الثناء على
الله، والافتقار إليه، وطلب محو الذنوب، والرجاء في رحمته، كما جمع فيه خير
المعينات على هداية الإنسان وسعادته وهو طلب العفو من الله تعالى.
6- العارفون يطلبون العفو بعد الاجتهاد في العبادة:
قال ابن رجب:
وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي
العشر؛ لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملاً صالحاً ولا حالاً
ولا مقالاً، فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر، قال يحيى بن معاذ: ليس
بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو.
وكان مطرف بن
عبدالله يقول في دعائه: اللهم ارض عنا فإن لم ترض عنا فاعف عنا، مَن عظمت ذنوبه في
نفسه لم يطمع في الرضا وكان غاية أمله أن يطمع في العفو، ومن كملت معرفته لم ير
نفسه إلا في هذه المنزلة. (لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ص 206).
أقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً