وَلَا تَنَازَعُوا ‌فَتَفْشَلُوا..

8 أخطار كبرى للتنازع بين المسلمين

قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا ‌فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46)، جاء هذا البيان القرآني لبيان أخطار التنازع بين المسلمين، والتأكيد على ضرورة الوقاية منها، وبذل الغالي والنفيس من أجل التخلص منها.

قال ابن منظور: أصل النّزع الجذب والقلع، ومنه نزع الرّوح من الميّت، ونزع القوس إذا جذبها (لسان العرب، 8/ 350)؛ فالتنازع هو الاختلاف والتجاذب المفضي إلى النزاع والصراع، أما معنى الآية فقد قال المراغي: لا يكن منكم تفرق واختلاف ونزاع، فإن ذلك مدعاة للفشل والخيبة وذهاب القوة، فيتغلب عليكم العدو. (تفسير المراغي، 10/ 10).

أخطار التنازع بين المسلمين

تتعدد الأخطار المترتبة على الاقتتال بين المسلمين، ومنها:

1- الفشل والتخاذل:

قال تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا ‌فَتَفْشَلُوا) (الأنفال: 46)، قال ابن كثير: أمرهم الله تعالى بالثبات عند قتال الأعداء، ونهاهم عن التنازع فيما بينهم، حتى لا يختلفوا، فيكون سبباً لتخاذلهم وفشلهم. (تفسير ابن كثير، 4/ 72).

وقد حذر القرآن الناس من النزاع والاقتتال فيما بينهم، فقال تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ ‌وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 152)، (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ‌وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (الأنفال: 43).

2- فقدان القوة والوحدة:

قال تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا ‌فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: 46)؛ فذهاب الريح يعني ضياع القوة والوحدة. (تفسير القاسمي، 5/ 305)، وقال السعدي: «وَلا تَنَازَعُوا» تنازعاً يوجب تشتت القلوب وتفرقها، «فَتَفْشَلُوا» تجبنوا، «وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ» تنحل عزائمكم، وتفرق قوتكم. (تفسير السعدي، ص323).

3- ضياع النصر:

قال مجاهد في معنى قوله تعالى: (وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) نصركم، وَقد ذهب ريح أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين نازعوه يَوْم «أُحد»، وعَن ابْن زيد قَالَ: الرّيح النَّصْر، لم يكن نصر قطّ إِلَّا برِيح يبعثها الله تضرب وُجُوه العدوّ وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن لَهُم قوام. (الدر المنثور للسيوطي، 4/ 76).

4- تمكين الأعداء:

فالاقتتال بين المسلمين يؤدي إلى تمكين عدوهم منهم، وسيطرته عليهم، فالفشل الوارد في الآية قد يقصد به: الخور والجبن عن لقاء العدو، وذهاب الدولة باستيلاء العدو. (البحر المحيط في التفسير، 5/ 332)، فالفرقة والنزاع هما السبب الرئيس لاستعباد المسلمين وضياع بلادهم، وما سقوط الأندلس وتمكن الأعداء منها عنا ببعيد.

5- استنزاف الموارد والطاقات:

من أخطر النتائج المترتبة على الاقتتال بين المسلمين، حيث تتحول الإمكانات التي كان ينبغي أن تُوجَّه للبناء والتنمية إلى أدوات للهدم والصراع، فتخسر الأمة حاضرها ومستقبلها معًا، حيث تتراجع معدلات التنمية، وتضعف القدرة التنافسية للأمة الإسلامية، بسبب تدمير المنشآت الحيوية، وتوقف المشروعات الاقتصادية، وإهدار الطاقات البشرية.

6- سفك الدماء المحرمة بغير حق:

نهى الله تعالى عن قتل النفس بغير حق، حيث قال سبحانه: (‌وَلَا ‌تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (الإسراء: 33)، وروى النسائي في السنن عَنْ ‌عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا ‌أَهْوَنُ ‌عِنْدَ ‌اللهِ ‌مِنْ ‌قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ».

7- انتشار الخوف والفزع:

عند التنازع والاقتتال بين المسلمين لا يقتصر الضرر على ميدان القتال، بل ينتشر في كل ميادين الحياة، فلا يصاب بنار القتال أصحابه فقط، بل يمتد إلى الجميع، فهي فتنة لا تصيب الذين ظلموا خاصة، بل تعطل الحياة كلها، وتمنع الاستقرار المعيشي لعامة الناس، حيث يخشى كل إنسان على نفسه وأهله، ويتجنب العامة الخروج إلى الأعمال، ويعيشون في ترقب الخطر وانتظاره، فينتقل الناس من الطمأنينة إلى الخوف والفزع.

8- استحقاق العذاب في الآخرة:

يفضي التنازع غالباً إلى القتل، وهو أخطر ما يترتب عليه، حيث قال الله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ ‌جَهَنَّمُ ‌خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: 93)، وروى البخاري، ومسلم، في صحيحيهما، عَنِ ‌الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي ‌أَبُو بَكْرَةَ رضي الله عنه فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَحْنَفُ؟ قَالَ: قُلْتُ: أُرِيدُ نَصْرَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم (يَعْنِي عَلِيَّ بن أبي طالب رضي الله عنه)، قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا أَحْنَفُ، ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا ‌فَالْقَاتِلُ ‌وَالْمَقْتُولُ ‌فِي ‌النَّارِ»، قَالَ: فَقُلْتُ: أَوْ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ».


 اقرأ ايضا 

حين يتنازع الأشقاء

التلاحم والاصطفاف خلف القيادة

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة