الخشية التي تصنع السلوك
عبد الله بن أبي الهذيل .. بين صمت اللسان وحياء الخلوات
يروي الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن عبد الله بن أبي الهذيل11)،
وقال أبو التياح: ما رأيته إلا وكأنه مذعور.
وقال العوام:
قال عبد الله بن أبي الهذيل: إني لأتكلم حتى أخشى الله، وأسكت حتى أخشى الله.
وروى الثوري عن
أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل قال: أدركنا أقوامًا وإن أحدهم ليستحيي من الله في
سواد الليل.
قال الثوري:
يعني التكشف(2).
تكشف هذه
الأخبار عن شخصية من شخصيات التابعين التي اختزلت معنى المراقبة في السلوك اليومي؛
فلم تكن الخشية عند عبد الله بن أبي الهذيل مجرد شعور قلبي يذكر في المجالس، بل
تحولت إلى ميزان عملي يضبط كلماته، وسكوته، وخلواته.
فهو نموذج
للعابد الذي لم تكن عبادته انفصالًا عن الواقع، بل حضورًا دائمًا للمعنى الأخلاقي
في كل حركة، ولهذا وصفه الذهبي بـ«القدوة العابد الإمام»، وهي عبارة تجمع بين
العبادة والتأثير؛ فالقدوة ليست من يكثر الأعمال الظاهرة فقط، بل من تتحول معاني
الإيمان في حياته إلى صورة يراها الناس.
لماذا بدا عبد الله بن أبي الهذيل كأنه مذعور؟
ينقل أبو التياح
عن التابعي عبد الله بن أبي الهذيل عبارةً لافتة تشخص حقيقة السلوك الإيماني حين قال: «مَا
رَأَيْتُهُ إِلاَّ وَكَأَنَّهُ مَذْعُورٌ»، ولا ترسم هذه اللفظة خائفاً ينكفئ على
نفسه أو مضطرباً يعجزه الخوف عن أداء أمانة الاستخلاف، بل تصف الانتفاضة الخفية
التي تصيب البدن حين تستبد به الهيبة؛ فالقيم القلبية الكبرى إذا بلغت كمالها في
الوجدان فاضت آثارها جهاراً على الجوارح والنبرات والسكنات.
إن المعرفة
الواعية بعظمة الخالق ومسؤولية الحساب تصنع في العابد وقاراً وجديةً ظاهرة،
ممتثلاً الميزان الإلهي الذي يصف صفوة عباده: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ
رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) (الزمر:23)، فلم تكن هذه الخشية قيداً يعطلهم عن عمارة الحياة، بل كانت صمام أمانٍ
يمنعهم من السقوط في درك العبث والنزق.
ويتجلى هذا
الحضور القلبي المستغرق للبدن في صفة التابعي الجليل علي بن الحسين (زين العابدين)
رحمه الله؛ إذ كان إذا توضأ الصلاة يعتريه اصفرارٌ شديد وتأخذه رعدة، فإذا سأله
أهله عن ذلك قال بلسان الخاشع العارف: «تَدْرُونَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ أُرِيدُ أَنْ
أَقُومَ»(3)؟، بل أثر عنه أن حريقاً شب في بيته وهو ساجدٌ يصلي، فجعل
الناس ينادون: «يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، النَّارَ النَّارَ!»، فما رفع رأسه حتى
أُطفئت، فلما قيل له في ذلك قال: «أَلْهَتْنِي عَنْهَا النَّارُ الأُخْرَى»(4).
وعلى هذا المسلك
الشامخ كانت هيئة الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه؛ إذ كان إذا
حَدَّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم امتقع لونه(5) وتغيرت هيئته
وأخذه الوجل شدة استشعارٍ لأمانة الكلمة، كما تجسدت في ملامح أمير المؤمنين عمر بن
الخطاب رضي الله عنه؛ حيث خط وجهه خطان أسودان(6) من كثرة البكاء خشيةً
من جلال الله وإجلالاً لمقامه.
لماذا خاف عبدالله بن أبي هذيل من السكوت مثل الكلام؟
تنجلي حقيقة
المراقبة الإيمانية في مقولة التابعي الجليل عبد الله بن أبي الهذيل: «إِنِّي لأَتَكَلَّمُ
حَتَّى أَخْشَى اللَّهَ، وَأَسْكُتُ حَتَّى أَخْشَى اللَّهَ»، وهي عبارةٌ تختزل
فهماً عميقاً لشمولية التكليف ومسؤولية الفرد عن حركته وسكونه على السواء، فالكلام
ليس فضيلةً مطلقة في كل حال؛ إذ قد يستحيل مطيةً للرياء، وطلب الوجاهة، وتكلف
القول بغير علم، ممتثلاً التحذير الإلهي: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق: 18)،
وفي المقابل، لا يُعد الصمت نجاةً تلقائية.
ويتجلى هذا
الاحتراس الشديد من خطر الكلمة والانضباط بميزان المراقبة في المنهج الصارم
للصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه؛ إذ كان يحذر أشد التحذير من فضول
القول ومزالق اللسان، ويحلف مستشعراً عظمة التكليف: «مَا عَلَى الأَرْضِ شَيْءٌ
أَحْوَجَ إِلَى طُولِ سِجْنٍ مِنْ لِسَانٍ»(7)، وكان إذا حدث عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أو أفتى الناس أخذته الرهبة مراقبةً لله في كل لفظ، وفي
ذات المسار الراشد قام فقه التابعي الجليل القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رحمه
الله؛ حيث كان يتورع أشد الورع عن القول بغير علم أو التسرع في الفتيا، حاسماً
خياره بقوله: «وَاللَّهِ لأَنْ يُقْطَعَ لِسَانِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ
أَتَكَلَّمَ بِمَا لاَ أَعْلَمُ»(8)، جاعلاً من خوف الله حكماً يقيس به
متى يحسن البيان ومتى يحق الامتناع.
مفهوم الحياء من الله في خلوات الليل
تنقل الآثار
التربوية عن التابعي الجليل عبد الله بن أبي الهذيل صورةً فائقة من صور السلوك الإيماني في
الخلوات حين قال: «أَدْرَكْنَا أَقْوَاماً وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَسْتَحْيِي مِنَ
اللَّهِ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ»، وهي المقالة التي جلا المراد منها الإمام سفيان
الثوري بقوله: «يَعْنِي التَّكَشُّفَ»، يكشف هذا الأثر عن مستوى رفيع من الحياء
يتجاوز أطر الرقابة الاجتماعية والخشية من أعين الناس؛ فالإنسان قد يستتر بخفيةٍ
عن أنظار الخلق في ظلمات الليل، غير أنه يوقن بأنه لا يغيب لحظةً واحدة عن علم
الله المحيط، وتلك الخصلة تعد من أصول التربية الإيمانية الراسخة؛ لأن منظومة
الأخلاق التي تتأسس فقط على وجود الرقيب الخارجي تنهار وتضمحل بمجرد غيابه، أما
السلوك النامي عن مراقبة الله جل وعلا فيستوي عنده السر والعلن، ممتثلاً التوجيه
الإلهي الذي يربط الإنسان بمسؤولية شاملة عن أفعاله وأقواله: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا
لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)؛ ليتسع انضباط المؤمن حتى يشمل أدق أفعال الخلوة
التي لا يطلع عليها أحد.
ويتجلى هذا
الحياء الشديد في الخلوات والاستغراق في الرقابة الإلهية في مسلك الخليفة الراشد
أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ إذ كان ينادي المسلمين حثاً على هذا المقام العالي
بقوله في خطبته: «يَا مَعْشَرِ الْمُسْلِمِينَ، اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَظَلُّ حِينَ أَذْهَبُ إِلَى
الْغَائِطِ فِي الْفَضَاءِ مُتَقَنِّعاً بِثَوْبِي اسْتِحْيَاءً مِنْ رَبِّي عَزَّ
وَجَلَّ»(9)، كما تجسد هذا الكمال الإيماني في سيرة ذي النورين عثمان
بن عفان رضي الله عنه؛ حيث يصف الإمام الحسن البصري شدة حيائه في خلوته المغلقة
بقوله: «إِنْ كَانَ لَيَكُونُ فِي الْبَيْتِ وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ، فَمَا
يَضَعُ عَنْهُ الثَّوْبَ لِيَفِيضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، يَمْنَعُهُ الْحَيَاءُ أَنْ
يُقِيمَ صُلْبَهُ»(10).
الفرق بين الخوف المرضي والخشية الداعية للإنتاج
قد يُوهِم وصفُ
التابعي الجليل عبد الله بن أبي الهذيل بأنه «كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ»، أو تورُّعُه الصارم في
ميزان الكلام والصمت، بعضَ القُرَّاء بأنه كان يعاني قلقًا مفرطًا أو هشاشةً
نفسية؛ غير أن الاستقراء الدقيق لسيرته يرفض هذا التفسير السطحي جملةً وتفصيلًا، فقد
كان إمامًا يُرجع إليه، وصاحب علمٍ وعبادة، ومارس دوره القيادي والتعليمي في
المجتمع بكفاءةٍ تامة، فالخشية في الحقيقة لم تكن عائقًا يعطل الفاعلية أو يشل
الإرادة، بل كانت إطارًا أخلاقيًا يضبط حركة النفس ويحميها من التسرع والطيش؛
والفرق شاسعٌ بين خوفٍ مرضيّ يُعجز صاحبه عن الفعل، وبين خَشْيَةٍ إيمانية تُورث
صاحبها بصيرةً وحِكمة واستشعارًا أعمق للمسؤولية، مصداقًا لقوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ
عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28)؛ فالأول ضعفٌ ونقص، والثاني وعيٌ
أخلاقي وكمالٌ إنساني.
ويتجلى هذا
الجمع الفذ بين رقة القلب بالخشية وبين القوة الشامخة في الواقع في سيرة الصديق
أبي بكر رضي الله عنه؛ إذ كان رجلًا أَسِيفًا(11) بَكَّاءً لا يملك
دمعه إذا قرأ القرآن، ومع ذلك وقف أصلب موقفٍ في تاريخ الإسلام عند حروب الردة
وأدار الدولة بثباتٍ يزن الجبال، كما جسد هذا الميزان أمينُ الأمة أبو عبيدة بن
الجراح وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما؛ إذ أثمرت خشيتهما البالغة وانكسارهما بين
يدي الله قوةً وحزمًا في قيادة الجيوش وإدارة الأمصار فتحًا وعدلًا.
منهج التابعين في وقاية النفس من الغفلة
تُمثل مدرسة
السلف الصالح نموذجًا فريدًا في صرامة الرقابة الذاتية ومحاسبة النفس؛ إذ لم تكن
عنايتهم الكبرى بضبط الألسن والاحتراس من الخطوات وليدة تشاؤمٍ سوداوي أو استنكافٍ
عن إعمار الحياة، بل نَبَعَت من إدراكٍ إيماني عميق بأن أخطر الداء الذي يُصاب به
المرء هو الغفلة عن العيوب الباطنة، فالإنسان قد يُحسن تصنيع هيئته ويضبط سلوكه
أمام أعين الخلق كسبًا للوجاهة أو فرارًا من الملامة، غير أن المحك الحقيقي لصدق
الإيمان يكمن في المواطن التي تتوارى فيها الرقابة الاجتماعية وتغيب عنها الأبصار؛
حيث يصدق قول الحق تبارك وتعالى: (وَاعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) (البقرة: 235).
ويتجلى هذا
الشاخص التربوي العظيم في السلوك اليومي لتابعي الكوفة والبصرة؛ حيث كان الإمام
الحسن البصري(12) رحمه الله يزن كلماته بميزان الدقة والوجل، ويحاسب
نفسه في خلواته وجلواته مخافة التطرق إلى الرياء أو السقوط في درك النفاق، حريصًا
على ألا تزل قدمه في فضول الكلام، وعلى هذا النهج المتقن مضى التابعي الجليل
الربيع بن خثيم رحمه الله؛ إذ بلغ الغاية في صيانة لسانه وحفظ جوارحه عن اللغو(13)،
حتى كان ينظر إلى كلماته وأفعاله باعتبارها صحائف تُرفع، فلا يتكلم في أمر الدنيا
إلا بما يحمل نفعًا إيمانيًا أو مسعى إصلاحيًا، حراسةً لقلبه من آفات الغفلة وشرور
الهوى.
تطبيقات المراقبة الذاتية في بناء الضمير المؤسسي
تقدم شخصية
التابعي الجليل عبد الله بن أبي الهذيل درساً بليغاً في بناء الإنسان المسئول؛ فمن يراقب
الله في كلماته يكون أقدر على ضبط أثره في الآخرين، ومن يراقبه في خلواته يكون
أصلب ثباتاً حين تتغير الظروف، ومن يوازن بين الكلام والصمت بميزان الحق لا يغدو
أسيراً لحب الظهور ولا لراحة الانسحاب، وهذا المعنى الإيماني يتجاوز حدود الفرد
ليمتد إلى صياغة المؤسسات والمجتمعات؛ فالأمانة الحقيقية لا تُبنى فقط بصرامة
القوانين واللوائح الخارجية، بل بوجود ضميرٍ داخليٍّ حيّ يحكم حركة الإنسان حين
يغيب الرقيب البشري، مصداقاً للتوجيه الإلهي الدائم: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: 1).
ويتجلى هذا
المنهج القيادي القائم على إحياء الضمير والمراقبة الذاتية في الإدارة العُمرية؛
حيث تجسد في الرسالة الخالدة التي بعث بها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله
عنه إلى قاضيه أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، مؤصلاً لقيمة النية والضمير في
العمل المؤسسي القضائي بقوله: «مَنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ كَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى
مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِغَيْرِ مَا
يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ شَانَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ»(14).
كما بلغ هذا
المنهج ذروته التطبيقية في سيرة الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز رحمه الله؛ إذ
كان يزن قراراته بميزان المراقبة الدقيقة، حتى رُوي عنه الورع الشديد في الفصل بين
ممتلكات الدولة وحاجته الشخصية كإطفاء شمعة بيت المال متى ما انتهى من شؤون
العامة، معتمداً في إدارته لنفسه وعماله على ما قرره الإمام الحسن البصري في
نصيحته البليغة له: «إِنَّ الْعَبْدَ لا يَزَالُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ لَهُ وَاعِظٌ
مِنْ نَفْسِهِ، وَكَانَتِ الْمُحَاسَبَةُ مِنْ هَمِّهِ»(15).
تكامل المعنى الأخلاقي والعملي في سير التابعين
تكشف ترجمة
التابعي الجليل عبدالله بن أبي الهذيل عن شخصية فريدة لم تكمن عظمتها في كثرة
المرويات وتضخم السير التاريخية عنها، بل في المعنى الخالد الذي اختصرته مسيرة
حياته: إن الإيمان متى ما استقر في شغاف القلب تحول تلقائياً إلى سلوكٍ يومي حاسم؛
فالكلمة عنده مسؤولية، والصمت مسؤولية، والخلوة مسؤولية، ولهذا ظل وصفه بـ «القدوة
العابد» معبراً عن جوهر هويته الإيمانية؛ إذ عاش بقلبٍ حاضر موصول، يرى أن أرفع
المنازل التي يرتقي إليها المؤمن هي استدامة الاستحياء والرقابة، متمثلاً قوله عز
وجل: (وَهُوَ مَعَكُمْ
أَيْنَمَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الحديد: 4)، فلم
تكن عبادته طقوساً جافة، بل طاقةً روحية تزن الحركة والسكون بميزان الحساب الإلهي.
ويتسق هذا النهج
الذي يحول الإيمان إلى ضميرٍ حارس مع الميزان التربوي للصحابي الجليل أبي الدرداء
رضي الله عنه؛ إذ كان يرى أن حقيقة العبادة لا تقف عند حدود الصور الظاهرة للطقوس
فحسب، بل تبدأ من حيوية الضمير، وعمق التفكر، ومراقبة الله في شؤون الحياة كافة، ومثل
ذلك ما تجسد في سيرة التابعي العابد صفوان بن سليم رحمه الله؛ إذ جعل مراقبة الله
هويةً راسخة تسيطر على دقائقه وساعاته، فترجم يقينه إلى ثباتٍ عملي وإخلاصٍ متجرد
في السر والعلن دون تطلعٍ إلى وجاهة أو ثناء.
إن سيرة عبدالله بن أبي الهذيل تقرر حقيقةً إيمانية خالدة: إن العبادة الحقيقية ليست دعوى تُقال باللسان، بل هي يقظة الضمير التي تجعل المرء مستحضراً لنظر ربه في ظلمات الخلوة كما في جلبة النهار، مصداقاً لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا) (فصلت:30)، فمتى ما زكا الباطن بمراقبة الحق، استقامت الظواهر على طريق الصلاح، وغدا العابد قدوةً يمتد أثرها الإيماني وتستنير بها أجيال السالكين عبر العصور.
الهوامش
- 1 عبدالله بن أبي الهذيل العنزي، من كبار التابعين وثقاتهم، اشتهر برواية الحديث والعبادة والفضل، والنقل عن أعيان الصحابة كعلي بن أبي طالب، وعبدالله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وروى عنه جمع من أئمة التابعين، سكن الكوفة وتوفي بها.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 171).
- 3 أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (3/133)، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (4/388)، وابن كثير في «البداية والنهاية» (9/115).
- 4 أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (3/135)، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (4/392)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (41/ 386).
- 5 أخرجه ابن ماجه في «سننه» (28)، والدارمي في «سننه» (276)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (3/156)، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (1/ 488).
- 6 أخرجه الإمام أحمد في «الزهد»، ص 116، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (3/ 287)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (1/ 52).
- 7 أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (8744)، وابن أبي الدنيا في كتاب «الصمت وآفات اللسان» (17)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (1/ 134)، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (1/ 482).
- 8 أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (5/ 188)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (2/ 836)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (2/ 184)، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (5/ 56).
- 9 أخرجه ابن المبارك في الزهد (227)، وابن أبي شيبة في المصنف (35111)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (1/ 34)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (7340).
- 10 أخرجه الإمام أحمد في الزهد، ص 104، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (3/ 59)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (1/ 56)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (2/ 565).
- 11 من أفراد البخاري على مسلم (682).
- 12 أبو نعيم في حلية الأولياء (2/ 134، 2/ 140)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (2/ 89)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (4/ 574).
- 13 ابن سعد في الطبقات الكبرى (6/ 128)، وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت وآفات اللسان (23/ 538).
- 14 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 50).
- 15 محاسبة النفس: ابن أبي الدنيا، ص 25.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً