...

التعاطف الدولي مع فلسطين.. الفرصة التي يجب ألا تضيع

أسامة المغير

23 أبريل 2026

43

شهدت القضية الفلسطينية موجة تعاطف دولي استثنائية منذ بدء المحرقة التي نفذتها «إسرائيل» بحق الفلسطينيين في قطاع غزة بعد 7 أكتوبر 2023م، وقد بدا الأمر في البداية كتعاطف إنساني طبيعي مع شعب يتعرض لإبادة جماعية، وقد تعزز هذا التعاطف مع نجاح الرواية المساندة لفلسطين في الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمعات العالمية، ولا سيما النخب السياسية والثقافية والفاعلين.

من التعاطف الإنساني إلى الاعتراف السياسي

مع تصارع الروايتين الفلسطينية و«الإسرائيلية» حول ما يجري، فتح ذلك النقاش لحوار أوسع حول القضية برمتها، وليس مجرد الرواية، ومع إمعان «إسرائيل» في الإبادة وتجاهلها للمجتمع الدولي، فقد نجحت الرواية الفلسطينية في النفاذ إلى العالم، واستثمار ذلك في تغيير المفاهيم حول الحقوق التاريخية والسياسية للشعب الفلسطيني؛ الأمر الذي شجع بعض النخب الغربية لاتخاذ خطوات مهمة، ليس فقط لإدانة «إسرائيل»، بل لطرح مواقف سياسية استثنائية، كان أهمها موجة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، حيث وصل عدد الدول المعترفة بفلسطين إلى 159 دولة من أصل 193.

هذه الموجة، التي اعتبرتها «إسرائيل» بمثابة «تسونامي» سياسي يحاصرها، شملت دولاً وازنة، أهمها فرنسا وبريطانيا والصين وروسيا وكندا وإسبانيا وتركيا والبرازيل، وفي مايو 2024م تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً ينص على أحقية فلسطين بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة بأغلبية ساحقة تمثلت بـ143 دولة.

حصار قانوني وحراك طلابي.. سقوط الحصانة الدولية

وكانت أهم المحطات قرار المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر عام 2024م بإصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه جالانت، بتهمة الإبادة الجماعية.

وعلى الصعيد الشعبي، شهدت الفترة ما بين أبريل ومايو 2024م ما يسمى بـ«ثورة الجامعات»، حيث انطلق حراك طلابي هائل بدأ من جامعة كولومبيا الأمريكية، ليمتد إلى 140 جامعة أمريكية، ثم شمل 25 دولة في العالم.

نضيف إلى كل هذا مواقف المنظمات الدولية والتقارير الدورية الصادرة عنها، التي تدين «إسرائيل» وتؤكد الحقوق الإنسانية والسياسية للشعب الفلسطيني.

لماذا هذا مهم؟

لأن حجم التعاطف الدولي غير مسبوق وتاريخي، فعلى مدار القضية كان هناك تعاطف، لكنه موسمي ومتقلب، وقدراته الضاغطة على النخب الفاعلة وأمريكا محدودة، ويمكن القول: إن التعاطف الحالي قلب الموازين لصالح القضية، وبعد أن كانت «إسرائيل» لعقود البقرة المقدسة التي لا يجرؤ أحد على انتقادها، أصبح انتقادها هو الأمر الطبيعي، وأصبحت النخب تخشى غضبة الرأي العام في حال دعمت «إسرائيل»، وكان هذا فارقاً في توجيه السياسات الدولية، وهو ما يجسده تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حينما ضغط على نتنياهو للقبول بوقف إطلاق النار، بالقول: قلت لنتنياهو لا يمكنك محاربة العالم.

كذلك، فقد انتقل التعاطف من المشاعر إلى الفعل المؤثر والمنظم، وهو ما جسدته مجموعة القوافل والأساطيل البحرية التي خرجت من أوروبا وأفريقيا لكسر الحصار البحري عن غزة، وكان أهمها «أسطول الصمود» 2025م، و«تحالف أسطول الحرية» 2024م، و«أسطول الصمود 2» الذي يجري التحضير لانطلاقه في أبريل 2026م.

هذا المشهد برمته يربك «إسرائيل» ويخنقها، فـ«إسرائيل» كيان صغير وهش ومحدود القدرات الجغرافية والبشرية، وهو يعتمد على الدعم الغربي والأمريكي بشكل كبير، ومن دونه لا يمكن أن يتنفس، فالتحول الحالي لا تقتصر أهميته على الضغط على «إسرائيل» لتغيير سياساتها، بل هو تغيير في التوجه العام إزاء «إسرائيل» في الغرب وأمريكا.

ففي استطلاع للرأي لجامعة هارفارد، أظهر 50% تعاطفاً مع فلسطين، مقابل 30% مع «إسرائيل»، كما تظهر بيانات «غالوب» أن هناك تحولاً نوعياً في مواقف الشباب المنتمين للحزب الديمقراطي الأمريكي، حيث أظهر 49% تعاطفهم مع فلسطين، وهذه التحولات في مواقف الأجيال مهمة للغاية، ويمكن أن تؤثر على صعود النخب الأمريكية والغربية، وبالتالي تأثير واضح على اتجاهات صنع القرار الدولية تجاه القضية الفلسطينية.

لماذا يجب التشبث بفرصة يمكن أن تضيع؟

فرص ضياع هذه الفرصة أقل من استمرارها، لكنها قائمة، وذلك لأن حالة التعاطف هذه نابعة من اللحظة الحالية التي تظهر فيها «إسرائيل» مدانة، ومع مرور الوقت يمكن أن يضعف التعاطف وتقل الحماسة للتغيير، وكما يقول المفكر غوستاف لوبون: الجماهير تتبع التحريضات البسيطة، فالمحرضات التي يطيعها الكثرة لا يمكن أن تكون إلا لحظية ومؤقتة.

ولذا، يمكن أن يتغير هذا المزاج العالمي، خصوصاً مع الأزمات العالمية القائمة، التي يمكن أن تشغل ذهن العالم أكثر من القضية الفلسطينية، ومن المهم أن نشير إلى أن «إسرائيل» لديها ماكينة دعاية ودبلوماسية قوية جداً، وهي تعمل على النخب والطلاب والأجيال الصاعدة، والمرجح أن «إسرائيل» لن تستسلم بسهولة لهذا التغير، وستوظف طاقاتها الكبيرة لتدارك ما جرى.

مع كل هذه التحديات، ما يزال الأفق واعداً جداً لاغتنام اللحظة التاريخية الحالية، ولكن هذا يتطلب العديد من القرارات والمواقف، أهمها المواظبة على الضخ الإعلامي الموجه والذكي للعالم حول القضية الفلسطينية، والتذكير بأن توقف إطلاق النار الجزئي لا يعني على الإطلاق أن المأساة التاريخية لشعب مقهور قد انتهت.

العمل دبلوماسياً على ترجمة القرارات الدولية إلى سياسات عملية، وبناء شراكات مؤسساتية عالمية ثابتة تواظب العمل بالأدوات السياسية الناعمة لحصار «إسرائيل» دولياً، والعمل على الحصول على شرعية دولية لحصار «إسرائيل» دبلوماسياً، والدفع باتجاه عزلها سياسياً وقطع العلاقات معها.

النقطة الأهم استثمار التغيير المهم في الوعي العربي، لعرقلة مسار التطبيع الذي اندفع بقوة بعد العام 2020م، الذي كانت «إسرائيل» وترمب يخططان لتوسيعه قبيل السابع من أكتوبر.

وبالطبع هناك المزيد من الأفكار والتصورات التي من شأنها أن تخدم هذا المسار، ولكن هذا كله يتطلب إرادة عربية وإسلامية وفلسطينية واضحة، تتجاوز الخلافات البينية لصالح تبني هذا البرنامج المشترك، والحيلولة دون ضياع الفرصة القائمة هباء.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة