السعي والقَدَر.. الشعرة الخفية بين العبث والعبادة

لماذا نعمل لما قد لا نحصل عليه؟ وإن كان النصيب محسومًا انتهاء، فما جدوى المحاولة ابتداء؟

يبدو هذا السؤال في ظاهره منطقيًا، بل عميقًا أحيانًا، لكنه في حقيقته ينطلق من تصوّر مضطرب للعلاقة بين الإنسان والقدر، وبين العمل والنتيجة، فحين يتساءل الإنسان: لماذا أسعى إن كانت النتائج مكتوبة سلفًا؟ فهو لا يناقش فكرة بقدر ما يكشف عن خلطٍ في الفهم يحتاج إلى تفكيك.

الخلط بين مقام الرب وجهة العبد

أول موطن للخلل الجمع بين مستويين مختلفين في ميزان واحد؛ مقام الرب تعالى، وجهة العبد، فالمقسوم والحاصل معلومٌ مكتوب عند الله تعالى، وهذه حقيقة تتعلّق بعلمه وحكمته، لا بدور الإنسان فيها، أما السعي والعمل، فهما من جهة العبد، وهما موضع التكليف والاختبار.

المشكلة لا تكمن في كون القدر مكتوبًا، بل في محاولة العبد قياس فعله المحدود على علم الله المطلق، فالله تعالى لم يطلب من العبد أن يغيّر المكتوب، بل طلب منه أن يعمل وفق ما أُمر به؛ لذلك، لا يصح أن يُقاس العمل بنتيجته الغيبية، بل بكونه امتثالًا لأمر الله تعالى.

وهم أن الدنيا دار جزاء

يتعزّز هذا الإشكال حين يتعامل المرء مع الدنيا على أنها دار الجزاء الأَوْفَى ومُنتهى الرزق الحسن فيربط بين الجهد والنتيجة ربطًا حتميًا، فيتوقع أن كل تعب سيُثمر على الوجه الذي يتوقعه، وأن كل سعي سيُكافأ بنتيجة حتمية أو فورية، لكن هذا التصور يتعارض مع حقيقة الدنيا، فهي دار ابتلاء، لا دار حساب نهائي.

حين يُبنى العمل على انتظار النتائج، يصبح الإحباط حتميًا عند تأخرها أو غيابها، أما حين يُبنى على ممارسة التعبد، بالامتثال لأمر الله تعالى بالسعي والطلب وفق الضوابط الشرعية، فإن قيمته تبقى ثابتة، سواء ظهرت نتيجته فورًا أم تأجّلت، وسواء على النحو المتوقع أو غيره.

تضخّم الأنا وضعف العبودية

في عمق هذا التساؤل تكمن نزعة خفية، وهي تضخّم الإحساس بالذات، إذ يشعر الإنسان، بشكل غير مباشر، أنه يستحق على ربه ما يرجوه نتيجة توازي جهده، وكأن العلاقة بين العمل والجزاء علاقة استحقاق محض.

لكن هذا الشعور يغفل حقيقة أساسية؛ أن كل ما لدى الإنسان من قدرة وإرادة ومواهب هو في الأصل عطاء من الله تعالى، وأنه عبدٌ يتحرك ضمن حدود مرسومة له، حين يضعف استشعار العبودية، ويتضخم الإحساس بالاستقلال، يبدأ العبد في محاسبة فعل ربه وحكمة تقديره بدل محاسبة فعل نفسه وسوء تقديرها هي!

الجدوى والعبودية

الذي يسعى سعي عبد لا ينشغل بسؤال الجدوى في نهايات الطريق، لأنه بدأ من يقين سابق، فهو لا يعمل ليختبر إن كان العمل نافعًا، بل يعمل لأنه يؤمن أن هذا هو الطريق الذي أُمر به.

بمعنى آخر، السعي عنده ليس تجربة، بل تصديق، لذلك، لا يحتاج إلى أن يرى النتائج ليقتنع، بل يرى في العمل نفسه تحقيقًا للغاية.

ومن هنا لا يكون سؤاله: ما جدوى السعي إذا كان القدر مكتوبًا؟

بل ينشغل بسؤال: ما السعي الذي يُجدي؟

وهنا تتضح معايير السعي المجدي.

1- أول هذه المعايير أن ينشغل المسلم بما يُراد منه، لا بما يُراد به، فمصيره وما سيؤول إليه أمر غيبي لا يعلمه، أما ما طُلب منه فهو واضح ومحدد، وقد ضرب الأنبياء أبلغ مثال على ذلك، إذ أدّوا رسالاتهم على أكمل وجه، دون أن يربطوا نجاحهم بعدد الأتباع، فمنهم من لم يؤمن به أحد، ومع ذلك لم يكن سعيه عبثًا.

2- وثانيها ما ينعقد عليه القلب تجاه الله تعالى في كل حال، فالقضية لا تتعلق بالفعل فقط، بل بالحالة القلبية المصاحبة له: هل يعمل الإنسان برضا أم بسخط؟ بشكر أم بجحود؟ بتواضع أم باستعلاء؟ هذه المعاني هي جوهر العبودية.

3- وثالثها أن تصدر الجوارح في أفعالها وفق أمر الله تعالى، لا وفق الهوى، فالتعبير عن المشاعر مثلًا له حدود؛ فالحزن والبكاء مشروعان، لكن الاعتراض والتسخّط ليسا كذلك، وهنا يظهر الفرق الدقيق بين العمل الذي يكون عبادة، والعمل الذي ينزلق إلى العبث.

4- أما المعيار الرابع فهو تعلّم أحكام السعي نفسه، فلا يترك المسلم حركته في الحياة لعشوائية الرغبات، بل يزنها بميزان الشرع؛ فرضًا، ومستحبًا، ومباحًا، ومكروهًا، وحرامًا، بهذا فقط يخرُج العمل من كونه حركة عادية (وربما عبثية) إلى كونه عبادة مقصودة.

هل ترك العمل توكل؟!

ليس من التوكل أن يترك الإنسان العمل وينتظر الرزق، بل هذا فهم مغلوط يناقض السُّنة العملية للنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته عليهم الرضوان.

وسُئل أحمد رحمه الله عن رجل جلس في بيته أو في المسجد وقال: لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي، فقال: هذا رجل جَهِل العلم! فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو توكّلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا»؛ فذكر أنها تغدو وتروح في طلب الرزق، قال: وكان الصحابة يتاجرون ويعملون في نخيلهم، والقدوة بهم. (ابن حجر، فتح الباري).

وعليه، فمن الأخطاء الشائعة الظن بأن التخطيط ينافي التوكل، أو أن التوكل يعني ترك الأسباب، والحقيقة أن بينهما تكاملًا دقيقًا، لا تعارضًا، فالتخطيط عملٌ بالجوارح، يأخذ فيه الإنسان بالأسباب وينظّم شؤونه، أما التوكل فهو عمل القلب، حيث يسلّم العبد الأمر لله، ويثق بأن النتائج بيده وحده، الجمع بينهما هو الصورة الكاملة للعبودية؛ أن تعمل وكأن الأسباب هي الوسيلة، وتثق أن الله هو الفاعل الوحيد.

الشعرة الفاصلة بين العبث والعبادة

ليست الأعمال في ذاتها هي التي تحدد قيمتها، بل النية والمنهج الذي تُؤدّى به، فقد يقوم شخصان بالفعل نفسه، فيكون لأحدهما عبادة، وللآخر مجرد عبث.

الفرق يظهر في أمور دقيقة

هل يعمل امتثالًا أم طلبًا للنتيجة فقط؟

هل قلبه متعلّق بالله أم بالأسباب؟

هل يقيس نجاحه بالالتزام أم بالمكاسب؟

حين يكون العمل موجّهًا نحو الله، ومنضبطًا بأمره، يصبح عبادة، حتى لو لم تظهر له ثمرة في الدنيا، أما حين يُختزل في النتائج فقط، فإنه يفقد معناه العميق، ويتحوّل إلى عبث مرهق.

ليس العمل في حياة المسلم وسيلة مضمونة لتحقيق النتائج، بل هو في جوهره ميدان لإظهار العبودية، فالعبد لا يعمل ليغيّر القدر، بل ليكون جزءًا منه على الوجه الذي أُمر به.

وحين يستقر هذا المعنى، يتغير كل شيء؛ يتحوّل السعي من قلقٍ على النتائج، إلى طمأنينة في الامتثال، ومن صراع مع الواقع، إلى انسجام مع الحكمة الإلهية.

وعندها فقط، يدرك العبد أن القيمة الحقيقية للعمل ليست فيما يحققه، بل في كونه طاعةً تُرفع، وقصدًا يُقبل، وقلبًا يقترب.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة