من وصايا الرسول ﷺ في الحروب (3)
قتال الكفار.. ضوابطه وأبعاده وآثاره
لم يفتح الإسلام
أبواب الحرب أمام الناس إلا في إطار ضيق، بل في إطار الضرورة القصوى، فليس القتال
مجرد فوضى عمياء ولا طريق للسيطرة على الناس وسلب أراضيهم وأموالهم؛ بل هو رسالة
ووسيلة للإصلاح، حيث لا يقع إلا عند البغي والاعتداء، وهو ممنوع بين المسلمين،
مشروع عند وقوع الاعتداء من الكافرين.
ولهذا جاءت
وصيته صلى الله عليه وسلم لأمراء الجيوش، كما في صحيح مسلم عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ
بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي
خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ
قَالَ: اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ
بِاللهِ..».
ففي هذه الوصية
بيان لتوجيه القتال نحو الكافرين، حيث وقعت الوصية بعد إعداد الجيش وخروجه من
المدينة، فهي ليست قاعدة عامة في قتال كل كافر، بل خاصة بالمعتدين منهم.
مشروعية القتال
وهذا التوجيه
ليس دعوة عامة للعدوان على كل من كفر بالله، وإنما هو ضبط للقتال بعد وقوعه، فلا
يكون القتال مشروعاً إلا بعد وقوع العدوان من الكافرين، وهنا يقاتل المسلم ضد
المعتدين الذين أعلنوا الحرب وبدؤوا بالاعتداء، ولهذا قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا) (البقرة: 190).
فالمقاتلة
المأمور بها لا تعني البدء بالحرب من ناحية المسلمين، بل هي المواجهة بعد وقوع
العدوان من الكافرين، سواء كان الاعتداء على الدين أو على المسلمين.
الواجب عند قتال من كفر بالله
يظن البعض أن
الوصية النبوية المؤكدة على قتال الكافرين، تعني أن القتال هو الوسيلة الوحيدة عند
اللقاء، والحقيقة أن الوصية نفسها أكدت غير ذلك، حيث أوضحت أن الوسيلة الأولى الدعوة
والبيان، ثم المعاهدات والاتفاقات التي تضمن التعايش بلا قتال، فإذا رفض الكافر
وبدأ بالعدوان؛ فإن واجب المسلم الدفاع.
ومما يدل على
ذلك وصية النبي صلى الله عليه وسلم لكل أمير على جيش، حيث جاء فيها: «وَإِذَا
لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ -أَوْ
خِلَالٍ- فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ،
ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ
وَكُفَّ عَنْهُمْ» (صحيح مسلم، 1731).
الرد على الشبهات
تسعى النصوص
الشرعية إلى ضبط العمل وحفظ المجتمع من الانحراف، إلا أن سوء الفهم يؤدي إلى
الوقوع في الخطأ، ويفرز آثاراً سلبية لا تتعلق بالأفراد فقط، بل تتجاوز ذلك إلى
اتهام الإسلام بالعنف والدموية، خاصة فيما يتعلق بآيات وأحاديث الجهاد، ومنها قوله
صلى الله عليه وسلم: «قاتلوا من كفر بالله»؛ حيث يقتطع البعض النص من سياقه، ويزعم
أن الإسلام يأمر بقتال مخالفيه، ويبرر العنف تجاههم؛ ما يؤدي إلى أخطار متعددة،
منها:
1- استباحة قتل
الأبرياء؛ وهذا مرفوض في الإسلام، حيث إنه مصادم لقوله تعالى: (وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ
لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190).
2- تحويل القتال
في الإسلام من المشروعية إلى العدوانية؛ حيث يشاع التكفير بغير حق، وينتشر
الاقتتال بين المسلمين، وهو ما نهى عنه الإسلام، ففي الصحيحين عَنْ جَرِيرٍ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي
كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
3- تشويه الصورة
العامة للإسلام وأهله؛ حيث يترسخ من خلال الفهم الخاطئ أن الإسلام دين دموي إرهابي،
وهو ما لم يأت به الإسلام أصلاً، بل رفضه وأنكره.
4- مصادمة
المقاصد الشرعية التي أمر بها الإسلام؛ فقد جاءت الشريعة الإسلامية لحفظ المقاصد
الآتية: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل، والعرض؛ أما الفهم الخاطئ للحديث
فإنه يؤدي إلى قتل الناس بغير حق، والاعتداء على أموالهم وأعراضهم.
من خلال ما سبق،
يتبين أن الفهم الخاطئ للحديث الشريف يعد خطراً عاماً يهدد الفكر والسلوك، ويصادم
مقاصد الشريعة الإسلامية ويشوّه الصورة الناصعة للإسلام، ويفتح الكثير من أبواب
الصراع والاقتتال.
لذا، يجب الرجوع
في فهم هذه النصوص إلى العلماء الراسخين، الذين يفهمون النصوص في ضوء السياق الذي
وردت فيه والمقاصد التي تسعى إليها، حتى تبقى النصوص الشرعية هادية إلى الصراط
المستقيم، قال تعالى: (وَإِذَا
جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى
الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ
يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) (النساء: 83).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً