8 قواعد مهمة لمنع التراشق الإعلامي بين الشعوب المسلمة

د. مسعـود صبري

15 أبريل 2026

160

انتشرت حالة من التشاحن والتباغض والتنابز بالألقاب والتراشق بالاتهامات والتحريش بين أبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة، خاصة في وسائل الإعلام، في ظرف تتعرض فيه الأمة لمشروع يهدد وجودها، فمما يؤسف له حالة التناحر بين أبناء الأمة الواحدة، حتى صارت الحال كما قال الله تعالى: (فتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة: 52).

وما تمر به الأمة من هذه الحالة يقع في دائرة «فقه الفتنة»، وهي من أشد الحالات خطراً عليها، بسبب ما تمر به من أحداث، وما تفور به من تشاحن وبغضاء.

وقد تسببت تلك الحالة المعقدة المتشابكة اختلاف الآراء لشعوب الأمة؛ ما أحدث هذا الغبش في الرؤية الشرعية والسياسية، وخلط الأوراق وعدم التمايز بين ما هو سياسي وما هو عقدي.

ومن هنا، كان من الواجب وضع قواعد فقهية وشرعية تضبط بوصلة الحكم والتفكير، وتلم شتات الأمة وتوحد صفها، وتسعى إلى تناسي الخلافات الفرعية في ظل تلك الأزمة الطاحنة، ومن أهم تلك القواعد والمنطلقات ما يلي:

أولاً: ترك التعميم في الأحكام:

يجب التمايز في الحكم على الفئة بعينها، فلا يحكم عليها بالكلية، بل يجب أن يتعدد الحكم ويتمايز فيه الجانب العقدي عن الجانب السياسي، بناء على كليات الشريعة التي تحرم الاعتداء والظلم، فيحكم على كل معتد بأنه مخطئ في اعتدائه، ولا يكون الاختلاف في الدين أو المعتقد معيار الحكم والصواب على الموقف السياسي، بناء على ما تقرر في قواعد الفقه: «الحكم على الأفعال لا على الذوات»، فقد تكون الفئة مظلومة في جانب، وظالمة في جانب آخر، ولحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي فرق فيه بين جانب الاعتقاد والمواقف الأخرى، حيث قال: «صدقك وهو كذوب».

فيجب على الأمة أن تنكر كل اعتداء غاشم؛ أياً كان فاعله، وأياً كان معتقده، وأن تنتصر للمظلوم أياً كان معتقده، وربما كانت فئة ما مظلومة من جهة وظالمة من جهة أخرى، فنستنصر لها في حالة كونها معتدى عليها، ونتبرأ منها في حال كونها معتدية، وذلك استناداً لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: 8).

ثانياً: تقدير مواقف الشعوب:

يجب على المسلمين تقدير المواقف لكل الشعوب، وتفهم موقفها وموقعها، فلا ينكر شعب على آخر موقفه في تقديره مما هو حاصل له من إحدى الفئات على حساب الفئة الأخرى، فحسابات الشعوب مختلفة لتمايز القضايا فيما بينها.

ثالثاً: التوازن في الرد والإنكار:

إن من أولويات الشريعة عدم اتساع رقعة الحرب، بل يجب تضييقها قدر المستطاع، وفي سبيل ذلك، قد تتخذ بعض الدول موقفاً عاقلاً حكيماً من بعض الاعتداءات التي لا تعد حرباً، فتصد العدوان وتدين هذا الاعتداء بكل الأساليب المشروعة، وتوازن بين الرد على العدوان بالعدوان، واتخاذ الدبلوماسية سبيلاً للإنكار، انطلاقاً من قواعد الترجيح بين المفاسد والمصالح، فيتحمل الضرر الأقل في سبيل درء الضرر الأكبر.

وإن هذا التقدير لا يرجع إلى الأفراد، بل يرجع إلى الحكومات والسياسات، ويجب على الشعب احترام الموقف الذي تتخذه حكوماتها؛ إذ هي أدرى بالمصالح والمفاسد، وذلك بناء على قاعدة «الولاية منوطة بالمصلحة»، وفي سبيل ذلك يجب اتحاد الشعوب مع حكوماتها في تلك المواقف الحساسة، حتى لو كانت هناك مظالم أو اختلافات في وجهات نظر مع بعض الحكومات في بعض سياساتها الداخلية، فإن الخطر الخارجي أعظم ضرراً من الضرر الداخلي، وما ينشأ عنه من خلاف.

رابعاً: ترك التنابز والتحريش:

يحرم على الشعوب والأفراد ما يحصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام من التنابز بالألقاب وتسفيه الشعوب بعضها بعضاً، والتقليل من شأن بعضهم بعضاً، والتحريش بين أبناء الأمة الواحدة، وهو من كبائر الذنوب التي حرمها الله في كتابه وعلى لسان رسوله، فقال سبحانه: (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) (الحجرات: 11)، وحرم النبي صلى الله عليه وسلم التباغض والتحاسد بين أبناء الأمة فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً» (متفق عليه).

خامساً: التكاتف والتماس الأعذار:

الواجب شرعاً أن تعذر الشعوب والأفراد بعضهم بعضاً، وألا يكون الاختلاف في وجهات النظر في القضايا السياسية سبباً للتناحر بين أبناء الأمة الواحدة، بل يجب الاتحاد والتكاتف صفاً واحداً في مواجهة المشروعات التي تهدف إلى إضعاف الأمة، وهو واجب كفائي يصير واجباً عينياً إذا تهددت الأمة.

قال الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103)، وقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) (الصف: 4)، وفي الحديث: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (متفق عليه).

سادساً: الجمع بين مصلحة الوطن والأمة:

إنه يجوز لكل دولة من الدول أن تقدر مصالحها بناء على النظر الشرعي والواقع الجغرافي والسياسي بما يتناسب ومصالحها، مع الحفاظ على وحدة الأمة ككيان واحد وأمة واحدة، فتتفق الشعوب والحكومات في كليات الأمة، ويعذر بعضها بعضاً في تقدير المواقف السياسية داخل الأمة الواحدة، حسب المصلحة الشرعية للأوطان، وما تقرر في قواعد الفقه: «لا ينكر المختلف فيه، وإنما ينكر المتفق عليه».

سابعاً: حسن استغلال المنصات الإعلامية:

وسائل الإعلام التي تستخدم للتنابز والتراشق والتحريش بين الشعوب هي آلات فتنة محرمة، لأنها تؤدي إلى تمزيق اللحمة الوطنية وإضعاف الجبهة الداخلية، وهو من أكبر المعاونة للعدو على الأمة.

والواجب عليها نشر خطاب الوحدة والتآخي والتذكير بالعدو المشترك، وقد قال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء: 92)، وفي الحديث: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» (رواه مسلم)؛ فالتحريش هو إفساد ذات البين.

ثامناً: تفعيل دور العلماء والدعاة المصلحين:

على العلماء والخطباء والإعلاميين أن يقوموا بواجبهم في توعية الناس بخطورة الفرقة، وبيان أن وحدة الأمة أعظم حصونها دون النظر إلى الحسابات الفئوية أو القطرية، وقد قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) (آل عمران: 187).

ينبغي ألا يسارع الناس في الظهور الإعلامي وإبداء كل من شاء رأيه فيما يشاء، فالسكوت –في كثير من الأحيان- أفضل من الكلام، وبخاصة إذا كان من عموم الناس، ومن الحكمة ألا يترك كل أحد من أن يهرف بما لا يعرف، فالأمة في فتنة كبرى، والمؤمن العاقل من لزم لسانه، وترك تقدير الأمور لأصحابها من أصحاب الخبرات والاختصاص.


اقرأ أيضا

5 سلوكيات خاطئة على وسائل التواصل

أزمة أخلاق


الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة