معبد الإلحاد يهتز (22)

هل خلق الله الإنسان في أحسن تقويم؟!

العجيب في خطاب الإلحاد أنه يتصرف دائمًا بثقة العارف، بينما هو في الحقيقة أسير قراءة سطحية للنصوص، فالمُلحد عندما يقترب من القرآن الكريم لا يحاول أن يفهم لغته أو سياقه أو منطقه، بل يتعامل معه كما يتعامل مع منشورٍ على وسائل التواصل الاجتماعي؛ فيقتطع عبارة، ويحمّلها ما لم تقله، ثم يعلن الانتصار على وهْمٍ صنعه بيديه!

والمفارقة أن هؤلاء الذين يتهمون الإسلام العظيم بالأسطورية يقعون هم أنفسهم في أسطورةٍ فكرية كبيرة؛ أسطورة أن الإنسان مجرد كومة أخطاء بيولوجية بلا معنى، وأن كل ما فيه عيب أو نقص هو دليل على غياب الحكمة.

لكن التاريخ العلمي نفسه يقول العكس، فكلما تعمّق الإنسان في فهم جسده ووعيه وبنيته الإدراكية؛ ازداد إدراكًا لتعقيد مذهل لا يشبه الفوضى، إنما يشبه هندسة دقيقة ذات غاية.

ولهذا، فإن الشبهة التي تُثار حول قول الله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين: 4) ليست في حقيقتها اكتشافًا علميًا جديدًا، وإنما سوء فهمٍ لغوي وفلسفي عميق لمعنى الآية الكريمة.

نص الشبهة

«لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، إذا افترضنا أن هذه الجملة صادرة عن خالق، فهي واحدة من أكثر التعابير مغالاةً وغموضًا في تاريخ الادعاءات حول الخلق، كيف يمكن لأي كائن، مهما بلغت قوته، أن يعلن أن جميع البشر مخلوقون «في أحسن تقويم»، بينما الواقع مليء بالتناقضات والعيوب الصارخة؟

فالإنسان يولد بمشكلات خلقية، ويعاني من أمراض وراثية، ويفشل جسده باستمرار في أداء وظائفه دون تدخل طبي، بل وحتى تركيب جسمه مليء بتضاربات تطورية يمكن أن تؤدي للموت، كما في حالة الولادات المعقدة أو هشاشة العظام.

هذا الادعاء العام يقف أمام الواقع العلمي كادعاء كاذب ومبالغ فيه، لا يمكن لأي كائن، مهما كان «خالقًا»، أن يغطي آلاف الحالات التي تثبت ضعف الإنسان وهشاشته، عبارة مثل هذه تحاول إعطاء الإنسان قيمة أسطورية وكمالًا لا وجود له في الواقع، وتغفل حقيقة أن التطور لا يصنع كمالًا، بل يصنع صمودًا نسبيًا للبقاء، مع آلاف العيوب المستمرة في كل جهاز من أجهزة الجسم.

الخطأ الأكبر هنا ليس فقط في وصف الإنسان بأنه «أحسن تقويم»، بل في ادعاء الصدور الإلهي لهذه الحقيقة المزيفة، إنها محاولة لإضفاء شرعية وكمال مطلق على البشر من خلال تعميم خاطئ لا يقبله العقل ولا الحقائق البيولوجية، أي كائن يُزعم أنه خالق لا يمكن أن يُقدم تصريحًا علميًا خاطئًا بهذا الشكل الصارخ، إلا إذا كانت النية إقناع المتلقي بالأسطورة، وليس نقل الحقيقة» ا.هـ.

الرد على الشبهة

أولاً: مغالطة فهم النص:

الشبهة تبدأ بخطأ أساسي: فهم الآية الكريمة على أنها ادعاء بالكمال البيولوجي المطلق.

لكن الآية الكريمة لا تقول: إن الإنسان كامل بلا نقص، بل تقول: إنه خُلق في أحسن تقويم.

وكلمة «تقويم» في العربية تعني: الاعتدال، والتناسق، والتهيئة على أفضل هيئة لأداء الغاية؛ أي أن الآية الكريمة تتحدث عن الهيئة الكلية للإنسان، لا عن خلوه من الأمراض أو العيوب الفردية.

ولهذا يذكر القرآن الكريم نفسه بعد هذه الآية مباشرة: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) (التين: 5)؛ أي أن الإنسان قابل للانحطاط والضعف والتغير.

فالقرآن الكريم نفسه ينفي فكرة الكمال المطلق التي يتخيلها صاحب الشبهة.

ثانيًا: أحسن تقويم مقارنةً ببقية الكائنات:

لو نظرنا إلى الكائنات الحية، سنجد أن الإنسان يمتلك مجموعة قدرات فريدة:

  • دماغ هو الأكثر تعقيدًا في الكائنات المعروفة.
  • قدرة لغوية رمزية هائلة.
  • وعي ذاتي وتأمل فلسفي.
  • قدرة على التخطيط طويل المدى.
  • يد دقيقة تسمح بصناعة الأدوات والتكنولوجيا.

هذه المجموعة من الخصائص مجتمعة لا توجد في أي كائن آخر.

ولذلك، استطاع الإنسان أن يبني الحضارات ويكتشف قوانين الفيزياء ويفهم الجينات ويرسل مركبات إلى الفضاء، فهل هذا كائن عادي بلا «تقويم مميز»؟

ثالثًا: علم الأحياء يعترف بفرادة الإنسان:

العلم الحديث لا يرى الإنسان مجرد حيوان عادي، ولكنه يرى فيه نظامًا بيولوجيًا بالغ التعقيد، فالدماغ يحتوي نحو 86 مليار خلية عصبية، وشبكة الاتصالات العصبية فيه تضم مئات التريليونات من الوصلات، والجهاز المناعي قادر على التعرف على ملايين الأنماط من الميكروبات.

كل هذا يحدث داخل جسم واحد يعمل بتناغم مذهل.

وحكاية وجود أمراض أو عيوب لا يلغي هذه الحقيقة، كما أن تعطل سيارة لا ينفي جودة تصميمها.

رابعًا: الخلط بين «العيب» و«الاستثناء»:

الشبهة تستشهد بحالات الأمراض الوراثية والتشوهات الخلقية وهشاشة العظام.

ولكن هذه استثناءات لا تمثل القاعدة، فالقاعدة أن مليارات البشر يولدون بجسم يعمل بكفاءة مذهلة، ووجود بعض الحالات الشاذة لا ينفي القاعدة، تمامًا كما أن وجود طائرة تحطمت لا ينفي أن الطيران ممكن.

خامسًا: مغالطة «التصميم المثالي»:

الملحد هنا يفترض معيارًا خياليًا؛ أنه إذا كان هناك خالق، فيجب أن يكون الإنسان كائنًا لا يمرض ولا يضعف!

لكن هذا ليس مطلبًا علميًا وإنما افتراض فلسفي؛ لأن القرآن الكريم نفسه يقرر أن الإنسان يمرض ويضعف ويشيخ ويموت، وهذه ليست أخطاء تصميم، وإنما جزء من طبيعة الحياة المحدودة.

سادسًا: أعظم دليل على «أحسن تقويم» هو العقل:

إن أكبر ميزة في الإنسان ليست عضلاته ولا عظامه، لكنها عقله، هذا العقل هو الذي يكتشف القوانين ويبتكر التكنولوجيا ويتأمل الكون ويطرح الأسئلة الوجودية نفسها.

ومن المفارقة أن الشبهة نفسها ما كانت لتُكتب لولا هذا العقل الذي هو أعظم دليل على تميز الإنسان.

إن الشبهة في حقيقتها لا تكشف خطأً في القرآن الكريم، لكنها تثبت مرض قلوب الملحدين وفهم المغلوط في قراءة القرآن العظيم.

فالآية الكريمة لا تدّعي كمال الإنسان المطلق، لكنها تقرر حقيقة واضحة، أن الإنسان خُلق في هيئة متوازنة تجمع بين الجسد والعقل والقدرة والوعي بطريقة لم تجتمع في أي كائن آخر، ووجود المرض أو الضعف لا ينفي هذه الحقيقة، كما أن وجود العيوب في آلة معقدة لا ينفي عبقرية تصميمها.

إن الإنسان بكل ما فيه من عقل ولغة ووعي وقدرة على فهم الكون، ليس كائنًا عشوائيًا تافهًا كما يحب الإلحاد أن يصوره، بل هو أعقد ظاهرة عرفتها الحياة على هذا الكوكب، من أجل ذلك بقيت الحقيقة القرآنية صامدة عبر القرون: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ).

مقالات ذات صلة:

الغاية من الخلق.. بين وهْم الحاجة وحقيقة الرحمة الإلهية

لماذا استغرق الله 14 مليار سنة لخلق الإنسان إذا كان بإمكانه خلقه في لمح البصر؟!

هل نحن فكرة عابرة في وعي إلهي؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة