الفن ليس بريئاً دائماً!
لم يعد الفن
مجرد لوحة نعلّقها على جدار أو لحن نسمعه أو حكاية تنتهي بانتهاء المشاهدة؛ بل
أصبح تجربة إنسانية تمتد آثارها إلى وعينا ومشاعرنا، وتسهم في تشكيل رؤيتنا
لأنفسنا وللعالم من حولنا، ومع اتساع تأثيره، لم يعد السؤال مقتصرًا على جمال
العمل أو إتقانه، بل امتد إلى ما يصنعه في الإنسان؛ هل تكفي القيمة الجمالية ليكون
العمل جديرًا بالتقدير؟ وإلى أي مدى يتحمل الفنان مسؤولية ما يقدمه وما قد يتركه
في جمهوره من أفكار وقيم؟
هذه الأسئلة
ليست جديدة؛ فقد شغلت الفلاسفة والنقاد والمبدعين منذ قرون، لكنها اكتسبت أهمية
مضاعفة في عصر أصبحت فيه الصورة أسرع انتشارًا من الفكرة، وصار العمل الفني قادرًا
على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات.
الفن الذي يصنع الإنسان
يقدم المفكر
البوسني علي عزت بيجوفيتش (1925–2003م)، الرئيس السابق للبوسنة والهرسك، في كتابه
«الإسلام بين الشرق والغرب» رؤية فلسفية تهتم بأبعاد الوجود الإنساني المادية
والروحية، وتفتح بابًا للتأمل في علاقة الفن بالمعنى والإنسان.
ومن هذا المنطلق
لا تكمن قيمة العمل الفني في جمال صورته وحده، بل أيضًا في الأسئلة التي يثيرها،
والمشاعر التي يحركها، والأثر الذي يتركه في المتلقي، فقد يعرض الفن الألم دون أن
يقدم حلًا، لكنه يجعلنا أكثر قدرة على فهمه، وقد يكشف الظلم فيوقظ الضمير تجاهه، وفي
المقابل قد يحوّل المعاناة إلى مادة للإثارة، أو يقدم العنف في صورة تجعله مألوفًا
ومقبولًا.
إذن ليست القضية
فيما يعرضه الفن وحده بل في كيفية عرضه وفي المسافة بين تصوير السلوك وتبريره، وكشف
القبح والاحتفاء به.
وهنا يلتقي
التفكير في الفن مع التصور الإسلامي للإنسان بوصفه كائنًا مسؤولًا عن أفعاله
واختياراته، قال الله تعالى: (وَقُلِ
اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (التوبة:
105)، فالإبداع، مثل غيره من الأعمال الإنسانية، لا ينفصل عن صاحبه ولا عن
آثاره، وإن اختلفت المسؤوليات باختلاف الأدوار والظروف.
هل يوقظ الفن الإنسان أم يخدّره؟
يقودنا هذا
السؤال إلى فكر الفيلسوف والشاعر الباكستاني محمد إقبال (1877–1938م)، أحد أبرز
المفكرين في العصر الحديث، الذي اهتم ببناء الذات الإنسانية والإرادة والتجدد،
ودعا إلى تجاوز السكون نحو الفعل والمبادرة.
وإذا استلهمنا
هذه الرؤية في قراءة الفن، أمكننا أن نسأل: هل يساعد العمل الفني الإنسان على
اكتشاف ذاته ومراجعة أفكاره، أم يدفعه إلى الاستسلام لما هو سائد والاكتفاء
بالانفعال العابر؟
ليس مطلوبًا من
كل عمل فني أن يقدم إجابات جاهزة، ولا أن يتحول الفنان إلى واعظ أو مصلح اجتماعي،
لكن من حقنا أن نتساءل عن طبيعة الأسئلة التي يثيرها الفن، وعن قدرته على توسيع
أفق الإنسان أو تضييقه، واستحضار فكر إقبال هنا ليس نسبة أحكام مباشرة إليه على
الفن المعاصر، بل استلهام اهتمامه بالإرادة والوعي لفهم أثر الإبداع في الإنسان.
هل نحتاج إلى فن نظيف؟
يتكرر مصطلح
«السينما النظيفة» في النقاش العام، وكأن المسألة تنحصر في حذف مشهد أو لفظ، لكن
هل يكفي أن يخلو العمل من مشاهد معينة حتى يصبح ذا قيمة أخلاقية؟
قد يخلو فيلم من
المشاهد الصريحة، لكنه يرسخ الكراهية أو يجعل الخيانة بطولة، وقد يتناول عمل آخر
الجريمة أو الانحراف، لكنه يكشف أسبابهما وعواقبهما دون تمجيدهما، لذلك فإن عرض
القبح لا يعني بالضرورة تبريره، كما أن خلو العمل من بعض المشاهد لا يضمن وحده
سلامة رسالته.
ومن هنا ينبغي
ألا نقف عند سؤال: ماذا حذفنا من العمل؟ وإنما ماذا نزرع في الإنسان من خلاله؟
فالتصور الإسلامي لا يفصل الإبداع عن القيم، ولا يجعل الأخلاق مرادفة لإلغاء الفن
وإنما يفتح المجال للتأمل في مقاصده وآثاره.
الفنان وفنه وصورته لدى الجمهور
من الأخطاء
الشائعة أن نحكم على الممثل من خلال الشخصية التي يؤديها؛ فالممثل الذي يجسد
مجرمًا ليس مجرمًا بالضرورة، ومن يؤدي دور شخصية فاسدة لا يعني أنه يتبنى سلوكها، لكن
هذا لا يجعل العمل محصنًا من النقد، ولا يحوّل عبارة «المخرج عاوز كده» إلى إعفاء
مطلق من المسؤولية، فالفن عمل جماعي، تتفاوت فيه مسؤوليات الكاتب والمخرج والممثل
والمنتج بحسب مشاركتهم وقدرتهم على الاختيار والتأثير.
وفي المقابل، قد
يتعلق الجمهور بصورة مثالية يصنعها عن الفنان، ثم يشعر بالخيبة حين يكتشف أنه
إنسان يخطئ ويتناقض ويتغير، وهنا يجب أن نميز بين الفنان والصورة التي رسمناها له،
دون أن نجعل إنسانيته ذريعة لتبرير كل سلوك يصدر عنه.
وهل نستطيع فصل
الفنان عن فنه؟ لا توجد إجابة واحدة لكل الحالات، فقد يحتفظ العمل بقيمته رغم
اختلافنا مع صاحبه، وقد تكون مواقفه وسلوكه جزءًا مؤثرًا في فهم العمل أو تقييمه، المهم
ألا يتحول الإعجاب إلى تبرير أعمى، ولا الاختلاف إلى إلغاء لكل قيمة فنية.
هل يجب على الفنان أن يتكلم؟
تدفع الشهرة بعض
الفنانين إلى مواجهة توقعات الجمهور بشأن مواقفهم من كل قضية عامة، لكن الفنان ليس
خبيرًا في كل مجال، وليس ملزمًا بإصدار رأي في كل حدث، ومن حقه أن يختار الصمت حين
لا يملك المعرفة الكافية.
وفي الوقت نفسه،
يظل الجمهور حرًا في تقييم اختياراته، خصوصًا إذا ارتبطت القضية بعمل الفنان أو
بموقف سبق أن أعلنه، فالمطلوب ليس إجباره على الكلام، بل أن يكون صادقًا فيما
يقول، ومسؤولًا عن أثره، كذلك، قد يؤدي الظهور المستمر عبر المنصات الرقمية إلى
استهلاك صورة الفنان، حين تصبح تفاصيل حياته أكثر حضورًا من أعماله، ليست المشكلة
في الظهور ذاته، بل في أن يتحول الانتشار إلى غاية، ويصبح الفنان مادة للاستهلاك
بدل أن يبقى عمله محور الاهتمام.
هل نطلب من الفنان أن يكون مثاليًا؟
لا ينبغي أن
نطالب الفنان بالكمال، ولا أن نختزله في خطأ ارتكبه، فهناك فرق بين المحاسبة
والإدانة الأبدية؛ المحاسبة تعني الاعتراف بالخطأ وتحمل تبعاته ومحاولة إصلاح
آثاره، أما تحويل الخطأ إلى هوية دائمة فيغلق باب التغيير.
والقول بحق
الإنسان في التوبة لا يعني إسقاط حقوق المتضررين أو مطالبة الناس بنسيان الأذى، بل
يعني أن نترك باب الإصلاح مفتوحًا، وأن نقيس التغير بالأفعال لا بالكلمات وحدها، قال
الله تعالى: (قُلْ يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ
اللَّهِ) (الزمر: 53)، فالرحمة لا تلغي المحاسبة، والمحاسبة لا تقتضي إنكار
إمكانية الإصلاح.
نحو وعي فني مسؤول
إن الفن ليس
بريئًا دائمًا من أثره، لكنه ليس مذنبًا لمجرد أنه يطرح أسئلة صعبة أو يعرض واقعًا
قاسيًا، وبين تقديس الفنان ورفضه المطلق، نحتاج إلى وعي يقرأ العمل في سياقه،
ويميز بين حرية التعبير والاستهانة بالإنسان.
لا نحتاج إلى
فنانين بلا أخطاء، ولا إلى جمهور يتخلى عن النقد، بل إلى فن يحترم الإنسان، وجمهور
يمتلك أدوات الفهم، وفنان يدرك أن الحرية لا تعني غياب المسؤولية.
لعل البداية
الحقيقية لوعي فني مسؤول ألا نعادي الفن باسم الأخلاق، ولا نعادي الأخلاق باسم
الفن، بل نضعهما في حوار يجعل الإنسان غايته والمعنى بوصلته.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً