هدايات سورة «الحجرات» (9)

كيف يحمي الوحي المرء من نفسه؟

رقية محمد

15 أكتوبر 2026

22

تصوير رمزي لصورة شاب يمسك بيده مصحفا لبيان كيف يحمي الوحي الانسان من نفسه

بعد أن أرست الآية السابقة قاعدة التثبت من الأخبار، وبيّنت خطورة بناء المواقف على الأنباء قبل التحقق منها، جاءت الآية السابعة لتكشف عن الحصن الذي لا غنى للإنسان عنه وهو الوحي الذي يهذبه ويحميه من الانقياد لأهواء نفسه، ولنا أن نتساءل:

كيف يحمي الوحي المرء من نفسه

 يقول الله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات: 7).

فلو تُرك الإنسان لهواه لعرّض نفسه وغيره للضرر والمشقة، ومن رحمة الله بعباده أن أرسل إليهم رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليهم الوحي هداية ونورًا، ثم منّ عليهم بتحبيب الإيمان إلى قلوبهم وتزيينه، وتقبيح الكفر والمعاصي إليهم، ومن تدبر الآية وجد فيها هدايات إيمانية وتربوية عديدة، من أبرزها:

الهدايات الإيمانية

1- الشريعة صيانة للفطرة وحراسة للعقل:

تضع الآية الإنسان أمام حقيقة إيمانية كبرى، وهي أن الشريعة حماية لعقله ونفسه وفطرته من طغيان أهوائه واختلال موازينه، فالنفس قد تميل بطبعها إلى استعجال الثمار، أو الانقياد لأهوائها، فتقع في الخطأ، ومن هنا تظهر حاجة الإنسان إلى الوحي.

وقد بين ذلك قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) (يونس: 57)؛ فالقرآن موعظة توقظ النفوس، وشفاء لما يصيب الصدور من أمراض الشبهات والشهوات، وهداية لما يصلح له، ورحمة تعود عليه بالخير في دينه ودنياه، وبذلك يحفظ الوحي على الإنسان سلامة فطرته، ويعينه على استعمال عقله استعمالًا صحيحًا، فلا يجعل من رغباته معيارًا للحق، ولا من ميوله الشخصية حُكمّاً صحيحاً.

2- الشريعة رحمة لا عنت فيها:

تُقرر الآية قاعدة عامة؛ وهي أن التكاليف الشرعية جاءت رحمة بالعباد ولرفع الحرج والمشقة عنهم، وأن الخير كله في اتباع ما شُرع، لا فيما يستحسنه البشر بعقولهم القاصرة.

فقد بينت لفظة «لَعَنِتُّمْ» -والعنَت المشقة والهلاك- أن الإنسان لو تُرك لتقديره لرأى النفع فيما قد يجلب عليه المشقة والفساد، وأن الانقياد للوحي هو الطريق الذي يُخرج العبد من عنت الهوى إلى يسر الدين؛ (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: 185)؛ لأن الله سبحانه هو الخالق العليم بطبيعة نفوس عباده وبما يصلحها، وأرحم بهم من أنفسهم.

3- عظم نعمة الله على الخلق:

تنتقل الآية من بيان ضرورة الاهتداء بالوحي وما فيه من تيسير، إلى بيان نعمة الهداية للإيمان وتحبيبه للقلوب، فرغم أن العبد يبذل أسبابها، ويجاهد نفسه في طلبها، فما كان ليهتدي لولا أن هداه الله، يقول الله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص: 56)؛ ليدل على أن ذلك محض فضل ومنة، فالله هو الذي أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ويسر السبل، ووفق القلوب، فما على العبد أمام هذا الفضل إلا دوام الشكر، والافتقار إلى الله، والزيادة في الاستسلام والإيمان.

4- مؤشرات صحة القلوب والإيمان:

تُقدم الآية الكريمة مقياساً تشخيصياً دقيقاً لصحة القلب، يستطيع العبد من خلاله تقييم حاله الإيمانية، فمن وجد في قلبه حلاوة للطاعة، وانقيادًا سلسًا للحق وإن خالف هواه، ومن لمس في وجدانه نفورًا صادقًا من الكفر والفسوق والعصيان، واشمئزازاً من الذنب؛ يعلم أنه قد رُزق أركان صحة السلوك الباطني والظاهري لمن وُصفوا بالرشاد.

وليس معنى ذلك أن المؤمن لا يضعف أو يقصر، أو أن الطاعة لا تحتاج منه إلى مجاهدة، فقد يجد الإنسان مشقة في مقاومة هواه، ثم يوفقه الله إلى التغلب عليه، ويكون صدقه في المجاهدة والتوبة من أسباب تزكية قلبه.

وأما من فقد شيئاً من هذه العلامات أو وجد في قلبه فتوراً، فليبادر إلى مداواة علته بالاستغفار والإكثار من الطاعات والتضرع والافتقار إلى الله أن يجدد الإيمان في قلبه، وليتمسك كل مسلم مهما كانت حاله بدعاء الراسخين في العلم: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران: 8).

الهدايات التربوية

إذا كانت الآية تكشف عن أثر الهداية في إصلاح القلب وضبط السلوك، فإنها تفتح أمام المربي آفاقًا مهمة في بناء شخصية المتربي، فالعملية التربوية الناجحة تحتاج أهدافاً واضحة ووسائل متنوعة للوصول إلى الهدف المرجو، ومن أهم الأهداف التي توضحها الآية:

1- حفظ فطرة المربَّى: توجه الآية المربي لحقيقة الفطرة واستعداد النفوس لقبول الحق، فيعلم أن أعظم غاية له هي صيانة فطرة المربَّى النقية من التلوث أو الانحراف، ليصبح التزامه بالتكاليف حين البلوغ استجابةً طبيعية وتلقائية لما في داخل النفس، وليس مجرد قيود ثقيلة يُكره عليها.

2- وعي المربَّى بذاته: تُعلم الآية المربي أن يعين المربَّى على معرفة حقيقة نفسه وإدراك قدراته، فيستثمر مواطن قوته، ويحتاط لنقاط ضعفه، حيث لا يغتر بعمله، ولا يتعالى على غيره، وكذلك يحرص المربي على تعليمه ما ذكره الوحي من عيوب النفس الكامنة وطرق تزكيتها، فمن تعاهد نفسه بالتزكية نجا ومن غفل عنها وقع في الزلل.

3- الرجوع لأهل الرأي الثقة: تكشف الآية عن خطورة أن تُقدم آراء الناس ورغباتهم على هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك أصل تربوي مهم، وهو تعويد المربَّى على الرجوع إلى المرجعية الصحيحة، وعدم الاغترار برأيه أو الاستقلال بالحكم في كل ما يعرض له من مسائل، وأن الخير في التسليم لمن هو أعلم بالحق، وهذا يكسر غرور وعجب النفس، ويقي الفرد والجماعة من العنت الناجم عن تتبع الأهواء، والتسرع في فرض الرؤى.

4- بناء الرقيب الداخلي: من أبرز ما تشير إليه الآية أن الهداية لا تقف عند معرفة الأحكام، بل تمتد إلى بناء موقف قلبي منها؛ لذا، يجب أن يعتني المربي بتنمية حب الله ومراقبته داخل نفس المربَّى من الصغر، وبيان جمال الطاعة وقبح المعصية، كل ذلك بهدف إحداث تحول وجداني عميق يجمع بين حب الطاعة واستقباح الذنب بكل درجاته، لكي يمتنع المربَّى عن الخطأ حياءً وتعظيمًا لله وتأنفًا من السلوك الخاطئ، لا مجرد خوف من عقاب مادي أو رقابة خارجية من الوالدين.

5- استشعار قيمة النعم وحفظها: أحياناً كثيرة تألف النفس النعم، فلا تستشعر قيمتها وفضلها، وهذا الجهل بقيمتها يؤدي حتماً إلى إهمالها وتضييعها أو الملل منها.

لذا، فيجب على المربي استخدام وسائل متنوعة كي يذكر المربَّى وينبهه لما يغفل عنه من نعم؛ لأن الإدراك الحقيقي لقيمة النعمة المحرك الأساسي لحفظها وشكرها.

هكذا يتجلى أن الوحي لا يحمي الإنسان من نفسه بأن يضع أمامه حدودًا يلتزم بها فقط، بل يهديه إلى الحق، ويكشف له عيوب اتباع هواه، ويعينه على أن يحب ما يرضي الله ويكره ما يسخطه تعالى، ومن هنا كانت التربية الناجحة أعمق من مجرد تقويم السلوك الظاهر، إنها بناء قلب يعرف الحق ويحبه، ونفس تدرك مواطن ضعفها وتجاهدها، وضمير يستحضر مراقبة الله في السر والعلن.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة