حين تختبر الكلمة صدق صاحبها
التثبت من الأخبار.. منهج قضائي عند شريح القاضي
قال الذهبي:
رَوَى الأَعْمَشُ، عَنْ شُرَيْحٍ، قَالَ: «زَعَمُوا، كُنْيَةُ الكَذِبِ»(1).
هذا القول
الوجيز المنقول عن القاضي شريح بن الحارث الكندي ليس مجرد ملاحظة عابرة، بل هو
خلاصة تجربة قضائية طويلة عاشها رجل أمضى عقودًا في مقام الفصل بين الخصومات وسماع
الدعاوى وتمييز الحقائق من الأوهام.
كان شريح القاضي يعيش
في الكوفة في القرن الأول الهجري، وهي بيئة شهدت تحولات سياسية واجتماعية كبرى،
وتكاثرت فيها الأخبار المتداولة والخصومات الفكرية والاجتماعية، وفي مثل هذا
المناخ تصبح الكلمة مسؤولية، ويصبح ضبط الخبر جزءًا من حفظ العدل؛ لأن القاضي لا
يبني حكمه على الانطباعات، بل على البينات والشهادات المعلومة المصادر.
لماذا حذر شريح القاضي من كلمة زعموا؟
امتدت ولاية
شريح القاضي للقضاء سنوات طويلة، حتى أصبح من أبرز القضاة في تاريخ الإسلام الأول، وهذه
الخبرة لم تجعله ينظر إلى الألفاظ باعتبارها مجرد أدوات للتعبير، بل باعتبارها
مفاتيح تكشف عن طريقة تفكير أصحابها.
فعبارة «زعموا»
تحمل في ظاهرها معنى النقل، لكنها تخفي وراءها سؤالًا جوهريًا: من صاحب هذا القول؟
وما مصدره؟ وهل يتحمل الناقل مسؤولية ما ينقله؟ وهنا تظهر حساسية شريح القاضي القضائية؛
فالخبر الذي لا يُعرف قائله يصبح عرضة للزيادة والنقصان والتحريف بل والافتراء.
ولهذا لم يقل شريح القاضي إن كل من قال «زعموا» كاذب، وإنما وصف اللفظة بأنها «كُنية الكذب»؛ أي أنها
من المواطن التي قد يتخذها الكذب ستارًا يختبئ خلفه، لأن صاحبها ينقل كلامًا دون
أن يتبين حقيقته.
المنهج القرآني في التثبت من الأخبار
لم يكن موقف شريح القاضي منفصلًا عن روح الشريعة في التعامل مع الأخبار، فالقرآن الكريم وضع أصلًا
عظيمًا في باب التحقق فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ
فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا
فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6)، وقد نَزَلَتْ هذه الآية فِي
الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ مُصَدِّقًا وَكَانَ بَيْنَهُ
وَبَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْقَوْمُ بِهِ
تَلَقَّوْهُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ فَحَدَّثَهُ الشَّيْطَانُ
أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ فَهَابَهُمْ، فَرَجَعَ مِنَ الطَّرِيقِ إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: إِنَّ بَنِي
الْمُصْطَلِقِ قَدْ مَنَعُوا صَدَقَاتِهِمْ وَأَرَادُوا قَتْلِي.
فَغَضِبَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَمَّ أَنْ يَغْزُوَهُمْ،
فَبَلَغَ الْقَوْمَ رُجُوعُهُ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَقَالُوا: سَمِعْنَا بِرَسُولِكَ، فَخَرَجْنَا نَتَلَقَّاهُ
وَنُكْرِمُهُ وَنُؤَدِّي إِلَيْهِ مَا قَبِلْنَا مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى،
فَبَدَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَخَشِينَا أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا رَدَّهُ مِنَ
الطَّرِيقِ كِتَابٌ جَاءَهُ مِنْكَ بِغَضَبٍ غَضِبْتَهُ عَلَيْنَا، وَإِنَّا
نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ، فَأَنْزَلَ الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)(2).
فالمشكلة ليست
في مجرد وصول الخبر، بل في أثره إذا بُني عليه حكم أو موقف أو اتهام، ولهذا جاء
الأمر بالتبين حماية للأفراد والمجتمعات من الظلم الناتج عن الأخبار غير المحققة، كما
قال تعالى: (وَلَا تَقْفُ
مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ
أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36)، فالإنسان مسؤول عما
يسمع وينقل، وليس مجرد وسيط بريء بين الكلمات.
وقد أوضح الله تعالى
أن القول بلا بينة عظيم وشنيع، حيث قال عز وجل: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ
بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ
عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور: 15).
التحذير النبوي من بناء الأحكام على الزعم
الناظر في السُّنة
النبوية الشريفة يجد أنها تحذّر من بناء المواقف والأحكام على مجرد الزعم والدعوى
غير الموثقة، وتدعو إلى التثبت من الأخبار والبينات، فعن أبي قلابة، قال: قال أبو
مسعود لأبي عبدالله: ما سَمِعْتَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول في: زَعَموا؟
قال: سَمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بِئسَ مَطِيَّةُ الرَّجل:
زَعَمُوا»(3)، ففي الحديث ذمُّ الاعتماد على قولٍ غير متحقق منه، ولا
سيما إذا كان صاحبه ينقل الكلام بصيغة: زعموا، وقيل، وبلغني دون تثبت.
وفي الصحيحين،
كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ
بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَتَبَ
إِلَيْهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ
اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ
السُّؤَالِ»(4).
لماذا يلجأ الإنسان إلى النقل بلا مسؤولية؟
في عبارة شريح القاضي قراءة عميقة لطبيعة الإنسان؛ فالإنسان قد يميل إلى نقل الأخبار المبهمة لأنها
تمنحه شعور المشاركة دون أن تحمله مسؤولية الإثبات، فعندما يقول أحدهم: «زعموا»،
فإنه أحيانًا يضع مسافة بينه وبين الخبر، وكأنه يريد أن يقول: أنا ناقل لا مسؤول.
وهنا يأتي نقد
شريح القاضي ليعيد المسؤولية إلى موضعها الصحيح: الناقل جزء من سلسلة الخبر، وعليه أن
يسأل عن مصدره قبل أن يجعله مادة للحديث.
إن هذه الفكرة
تمثل نوعًا من الانضباط النفسي؛ إذ تمنع اللسان من الانجراف خلف فضول الأخبار،
وتربي الإنسان على أن الصمت أمام المجهول أقرب إلى الأمانة من الكلام، وقد وجه الله
تعالى المؤمنين إلى ذلك في «حادثة الإفك»، حيث قال عز وجل: (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا
يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ {16}
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (النور).
وقد ضربت السيدة
زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها المثال في ذلك، حين سألها النبي صلى الله
عليه وسلم في أوج شائعة الإفك عن عائشة رضي الله عنها، فلم تنتهز الفرصة لترويج
الأخبار المبهمة، بل عصمها الله بالورع وقالت بثبات ونفس منضبطة: «يَا رَسُولَ
اللَّهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا»(5).
أثر التثبت من المعلومات في اتخاذ القرارات
في عالم
المؤسسات والمجتمعات، لا تنهار القرارات الكبرى غالبًا بسبب نقص المعلومات فقط، بل
بسبب دخول معلومات غير موثوقة إلى دائرة القرار، وهذا ما أدركه شريح من خلال
القضاء؛ فالقاضي الذي يقبل الأخبار المرسلة قد يظلم إنسانًا، والقائد الذي يبني
قراراته على الشائعات قد يضر جماعة كاملة.
ومن هنا، فإن
منهج شريح يمثل قاعدة قيادية مهمة؛ أن جودة القرار تبدأ من جودة المدخلات، فقبل
إصدار الحكم أو اتخاذ الموقف ينبغي معرفة المصدر، وتمييز الحقيقة من الانطباع،
والبيّنة من الرواية المتداولة.
ولهذا اعتمد
النبي صلى الله عليه وسلم في قيادته على استطلاع الأخبار وضبط المعلومات الدقيقة
قبل اتخاذ القرار العسكري والمصيري، ففي أثناء «غزوة الخندق» أشيع أن بني قريظة
نقضوا العهد، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن أرسل من يتثبت من الأمر،
فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قَالَ: اشْتَدَّ الْأَمْرُ «يَوْمَ الْخَنْدَقِ»،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينَا
بِخَبَرِ بَنِي قُرَيْظَةَ؟»، فَانْطَلَقَ الزُّبَيْرُ، فَجَاءَ بِخَبَرِهِمْ(6).
وفي واقع
المؤسسات اليوم يظهر هذا المعنى في التعامل مع التقارير الداخلية، والشكاوى،
والمعلومات المنتشرة عبر وسائل التواصل؛ فليس كل ما يُنشر يصلح أن يكون أساسًا
للحكم.
كيف أسس التثبت لظهور علم الإسناد؟
كان اهتمام
العلماء المسلمين بالإسناد ونقد الروايات امتدادًا لهذا الحس المبكر تجاه مسؤولية
الخبر، فقد نشأ علم الحديث على قواعد دقيقة في معرفة الناقل، وضبط الرواية، وتمييز
المقبول من المردود.
فهذا الإمام
مالك بن أنس صاحب «الموطأ» يعلن عن منهجه في معرفة الروايات وطريقة اعتمادها،
فيقول: «لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه، وإن كان أروى الناس، وصاحب
بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح
عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به».
وقال ابن أبي
أويس: سمعت مالك بن أنس يقول: «إن هذا العلم هو لحمك ودمك، وعنه تسأل يوم القيامة،
فانظر عمن تأخذه»، وقال ابن أبي أويس: سمعت خالي مالك بن أنس يقول: «إنّ هذا العلم
دين فانظروا عمن تأخذون دينكم»(7).
ولهذا اشتهرت
كلمة عبدالله بن المبارك: «الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ
لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ»(8)، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: «لَمْ
يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا:
سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ
حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ»(9).
وهي تعبر عن
المبدأ نفسه الذي أشار إليه شريح: لا يكفي وجود الخبر، بل لا بد من معرفة طريقه
ومصدره، فالحضارات لا تحفظ ذاكرتها بكثرة ما يُقال، وإنما بقدرتها على التمييز بين
الصادق والزائف.
دلالة الألفاظ القليلة في كشف المعاني الكبيرة
من جمال عبارة
شريح أنها جمعت معنى واسعًا في ثلاث كلمات: «زعموا، كنية الكذب»، فهي ليست مجرد
تعريف لغوي، بل صورة بلاغية تنقل السامع من اللفظ إلى أثره الأخلاقي.
فالكنية في
أصلها وسيلة تعريف، لكن شريح قلب المعنى ليقول: إن بعض الألفاظ قد تتحول إلى ستار
يخفي ضعف الدليل، وهذه طريقة تربوية مؤثرة؛ لأن تسمية الخطأ باسم يكشف حقيقته تجعل
الإنسان أكثر انتباهًا له.
كيف نطبق منهج التثبت في الإعلام الرقمي؟
لو حضر شريح زمن
الإعلام الرقمي لكان تحذيره من «زعموا» حاضرًا في مواجهة عبارات مثل: «انتشر أن»،
و«يقولون»، و«مصادر خاصة ذكرت»، فالمشكلة واحدة وإن تغيرت الوسائل.
إن إعادة نشر
خبر غير موثق ليست فعلًا محايدًا؛ لأنها توسع دائرة تأثيره، ولذلك فإن أخلاق
المسلم في الفضاء الرقمي لا تختلف عن أخلاقه في مجلس القضاء؛ التثبت، ومعرفة
المصدر، والامتناع عن نشر ما لا يعلم صحته، فإذا نشره فهو كاذب، فعن أبي هريرة رضي
الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «كَفى بالمَرْء إثماً أن يُحَدِّثَ بكُل
ما سَمِعَ»(10)، وعن ابن وهب قال: قال لي مالك: «اعلم أنه ليس يسلم
رجل حدث بكل ما سمع، ولا يكون إماماً أبداً، وهو يحدث بكل ما سمع»(11).
ومن هنا يظهر أن
كلمة شريح ليست مقولة تاريخية محصورة في زمنها، بل قاعدة حضارية لحماية النفس من
الكذب والعقل الجمعي من التلوث المعرفي.
إن القاضي الذي
قضى عمره بين الخصومات لم يكن يحارب كلمة، بل كان يحمي قيمة كبرى؛ أن الحقيقة لا
تُبنى على المجهول، فـ«زعموا» ليست مجرد صيغة لغوية، وإنما اختبار أخلاقي يكشف
علاقة الإنسان بالخبر والمسؤولية.
وحين يتحول المجتمع إلى مجتمع يسأل: من قال؟ وكيف عرفت؟ وما الدليل؟ فإنه يقترب من روح العدل التي أرادها الإسلام في القضاء والشهادة والحياة العامة.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 51).
- 2 أسباب النزول: الواحدي، ص 390.
- 3 سنن أبي داود (4972).
- 4 متفق عليه، أخرجه البخاري (1477)، ومسلم (593).
- 5 متفق عليه، أخرجه البخاري (2661)، ومسلم (2880).
- 6 مسند أحمد بسند صحيح (14375).
- 7 موطأ مالك (1/ 24).
- 8 صحيح مسلم (1/ 12).
- 9 الحديث والمحدثون، ص 99.
- 10 صحيح مسلم (5).
- 11 صحيح مسلم (1/ 11).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً