الصراع بين الحق والباطل
الصراع بين الحق
والباطل سمة أساسية من سمات المجتمع الإنساني لازمته منذ أن شاء الله أن يوجد هذا
المجتمع، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن السمة الملازمة لهذا الصراع أنه
دائمًا ينتهي بفوز الحق وانهزام الباطل مهما طال أمده واشتدت شوكته، فالحق الذي
كان يمثله نوح عليه السلام انتصر على باطل قومه بالطوفان، والحق الذي دعا إليه
موسى عليه السلام انتصر على باطل فرعون وجبروته حين أطبق عليه البحر، ولوط وهود
وشعيب عليهم السلام، انتصر لهم المولى عز وجل وأهلك أقوامهم وأبطل باطلهم، ثم كان
الانتصار الكبير للحق الذي دعا إليه خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه
وسلم، حيث هزم باطل قريش والأحزاب واليهود وفارس والروم ودخل الناس في دين الله
أفواجًا.
وطيلة حقب الزمن
هذا شأن الباطل، الذي يتخذ في كثير من الأحيان أشكالًا مختلفة وألوانًا متباينة
تتناسب مع مسار الصراع واتجاهاته في أي عصر من العصور؛ فتارة يأخذ شكل المجابهة
المسلحة كما حدث في الحروب الصليبية والحملات الاستعمارية، وتارة أخرى يرتكز على
المسائل الفكرية والثقافية، كما هو واضح في حملات التبشير والاستشراق.
ورغم اختلاف
نوعية هذا الصراع فإن هذا الاختلاف كان منحصرًا في الأسلوب والوسيلة، أما الهدف
فقد كان واحدًا وهو الوقوف في وجه الحق الذي يمثله الإسلام، ونزع أي تأثير له في
المجتمع الإنساني.
التبشيروالاستعمار
يعد الاستعمار أحد أهم أشكال الصراع بين الحق والباطل، وقد ارتبطت الهجمة الاستعمارية على العالم الإسلامي بالتوجهات العدائية للكنيسة ضد الدين الإسلامي، وتؤكد قرارات المؤتمر الاستعماري الألماني هذه الحقيقة، فقد خلص المؤتمر المذكور إلى مطالبة الحكومات الأوروبية بمقاومة كل عمل من شأنه توسيع نطاق الإسلام ومنع ارتقائه، ويقول حاكم أفريقيا الشرقية البريطاني في أحد المؤتمرات التبشيرية: «يجب على الحكومة والمبشرين أن يشتركوا في العمل ضد الإسلام»، ويقول المبشر المعروف زويمر: «يجب أن نكون طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية»، ويقول أحد كبار المبشرين وهو «أدوين بلس»: «إن الدين الإسلامي هو العقبة الحقيقية، والمسلم فقط هو العدو اللدود لنا».
ولذلك نلاحظ أن
الاستعمار الفرنسي في الجزائر ودول المغرب الأخرى بذل جهودًا مضنية في سبيل نزع أي
تأثير للقرآن الكريم من نفوس المسلمين، وكانت هجمته على اللغة العربية وترسيخ
اللغة الفرنسية أحد الإجراءات التي تصب في هذا الاتجاه.
وكان الاتجاه
الثقافي والفكري من أخطر الآثار التي ترتبت على الهجمة الاستعمارية والتبشيرية،
وكانت نتائج الحروب الصليبية بمنزلة العظة الكبرى للكنيسة التي خشيت أن تنتهي
الهجمة الاستعمارية كما انتهت الحروب الصليبية بفشلها، لذلك لجأت إلى الحرب
المقنعة التي تعتمد على الغزو الفكري والنفسي والخلقي والحضاري والاقتصادي، وبدأوا
من حينها بوضع الخطط لتنفيذ هذه الحرب المقنعة حسب القاعدة التي تقول: «إذا رهبك
سلاح عدوك فأفسِد فِكره ينتحر».
ومن هنا كانت
جهود الاستعمار ومؤسسات التبشير تنصبُّ وبشكل مكثف على إبعاد المسلمين عن عقيدتهم
وقيَمها مثل قضايا المرأة المسلمة وبرامج التعليم، والتركيز على النزعات القومية
والعرقية والإقليمية والاتجاهات المنحرفة.
ومن هذه
المنطلقات بدأ الاستعمار ومؤسساته التبشيرية بإيجاد المؤسسات المختلفة التي تخدم
أهدافه، مثل المدارس والجامعات المختلطة، والأندية المختلطة، وكانت برامج التعليم
تدور ضمن هذا الاتجاه.
وفي هذا يقول
بعض المبشرين: «إن المدارس قوة لجعل الناشئين تحت تأثير التعليم الغربي أكثر من كل
قوة أخرى، ثم إن هذا التأثير يستمر حتى يشمل أولئك الذين سيصبحون في يوم ما قادة
في أوطانهم».
وهذه السياسة
آتت أكلها في بعض بلدان العالم الإسلامي؛ حيث إن الكثير من هؤلاء الذين درسوا في
هذه المدارس، تسلموا القيادة السياسية والعسكرية في بعض بلاد المسلمين، وبدأوا
بتطبيق ما زرعته المدارس التبشيرية في عقولهم على مجتمعاتهم الإسلامية في محاولة
لسلخ هذه المجتمعات عن عقيدتها وتراثها.
ولا عجب بعد هذا
أن نعلم بأن قسمًا كبيرًا من هذه القيادات قد تخرجت في مدارس الإرساليات الخاصة
والجامعات الأمريكية! وأن التدهور قد أصاب الأمة فور تصدي هؤلاء لقيادة العالم
الإسلامي.
التصدي للتيار الإسلامي
قلنا: إن الباطل
مع تعدد أشكاله وانتماءاته واختلاف توجهاته وأساليبه، إلا أن هدفه كان واحدًا؛ وهو
الوقوف في وجه الحق الذي يمثله الإسلام، ومن الطبيعي أن يشمل الإسلام ودعاته في
حملته؛ لذلك كانت حرب الباطل مع الإسلام تتمثل في تصدي جند الباطل لدعاة الإسلام،
والملاحظ أن هذا التصدي للتيار الإسلامي لم يكن وقفًا على جهة معينة بذاتها، بل
جمع كل الاتجاهات اللا إسلامية.
فالعداء لهذا
التيار جمع ما بين دعاة اليمين واليسار وأصحاب الاتجاهات العلمانية والشيوعية.
وبمعنى أعم وأشمل جمع ما بين دعاة الباطل وجنده على اختلاف انتماءاتهم واتجاهاتهم وشواهد هذا وأمثلته كثيرة:
فمن الملك فاروق
إلى عبد الناصر ومن خلفه، إلى شيوعي الصومال وعدن.. وغيرهم!
وكانت المحاكمات
للإسلاميين والإعدامات للدعاة والسجون لشباب الحركة الإسلامية تكشف التناسق التام
بين مختلف هذه الاتجاهات في تصديها للتيار الإسلامي، فاغتيال حسن البنا حصل أيام
الملك فاروق، وإعدام عودة وقطب وإخوانهما أيام عبد الناصر، ومجازر عدن والصومال
والإعدامات المتلاحقة لشباب الدعوة الإسلامية في الشام، كل هذا يؤكد على حقيقة
واحدة هي أن هذه الحرب وتلك المجازر الموجهة ضد أبناء الحركة الإسلامية تستهدف
أولًا وأخيرًا الإسلام ذاته، وأن العداء للإسلام هو الذي حرك كل هؤلاء، وبهذا
القدر من العنف للتصدي لشباب الدعوة الإسلامية.
من يوقظ الفتنة؟
لم تنج منطقتنا
«الخليجية» من الهجمة الاستعمارية والتبشيرية ضد العالم الإسلامي، فقد أصابها بعض
ما أصاب دول العالم العربي والإسلامي، وإن كان حجم هذه الهجمة ضئيلًا بالنسبة إلى
حجمها في الأجزاء الأخرى من بلاد المسلمين نظرًا للطبيعة الحضارية لهذه المنطقة،
وبُعدها النسبي عن مجالات التأثير التبشيري، ولكون المنطقة الخليجية امتدادًا
للجزيرة العربية؛ مهد الدعوة الإسلامية وحضن مقدساتها وتراثها، ومع هذا فقد استطاع
الاستعمار ومعه المؤسسات التبشيرية سواء الموجودة داخل البلاد أو في خارجها، أن
توجد لها ضمن المجتمع الخليجي فئة صغيرة من المتأثرين بالفكر الغربي والثقافة
الغربية يمينية الاتجاه كانت أو يسارية علمانية أو شيوعية، لتنوب عنهم في توجيه
المعاول لهدم عقيدة الأمة وسلخها عن فكرها الأصيل، ونشر الأفكار المنحرفة الضالة
مهما كانت تسميتها ومهما كان نوع الشعارات التي ترفعها، ولم تترك هذه المجموعات
فرصة أو مناسبة إلا وطلت برأسها لتعرض بضاعتها الفاسدة وفكرها المنحرف على شعبنا
الذي خلف هؤلاء وراء ظهره.
وعندما فرغت
أيديهم من إمكانية أي تأثير في هذه الأمة التي لبست ثوب الصحوة، لجأوا إلى انتهاز
أتفه الأسباب واختلاقها ليطلوا برؤوسهم من جديد مستغلين بعض الأقلام لمهاجمة
التيار الإسلامي والنيل من أبناء الدعوة، وكأن المنطقة خلت من الصراعات والأحداث
والتهديدات من كل اتجاه!! وكأن مجتمعنا بحاجة إلى إثارة الفتن بدلًا من توحيد الصف
والتماسك لدفع الأخطار التي تحيط بالمنطقة!
إننا نقول
لهؤلاء جميعًا إن كل المعارك التي حصلت بين الحق والباطل انتهت بانتصار الحق مهما
طال الأمد وعلا شأن الباطل، وليرجع هؤلاء إلى التاريخ إن كانوا لا يعقلون.
وصدق الله
العظيم القائل: (وَقُلْ جَاءَ
الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء: 81)(1).
للمزيد:
- العنف الأسري.. هل ترضاه المرأة أم تضطر للصبر عليه؟
- العنف الأسري في الكويت - بين واقع الظاهرة ورادع القانون
- مساعي تفكيك الأسرة المصرية تتزايد وسط تحذيرات من مختصين
- مقاربة النموذج الكويتي والأردني لحماية المرأة من العنف الإلكتروني
- قراءة في الإنجازات التشريعية لحماية المرأة في الكويت
__________________
(1) نُشر بالعدد(689)، 6 صفر 1405هـ/ 30 أكتوبر 1984م، ص4.