حين يُمتحن اللسان.. جرير بن عطية بين التسبيح والهجاء
روى الذهبي، في «سير
أعلام النبلاء»، في ترجمة جرير بن عطية(1) عن عثمان التيمي، قال:
«رأيتُ جريرًا وما تضمُّ شفتاه من التسبيح، قلتُ: هذا حالُك وتقذفُ المحصنات!
فقال: إنَّ الحسناتِ يُذهبن السيئات، وعدٌ من الله حقٌّ»(2).
قد تكشف لحظة
عابرة من حياة الإنسان عن قضية أخلاقية عميقة تتجاوز حدود شخصيته وزمانه، شاعر
اشتهر بالهجاء وشدة الخصومة، لكنه لا يكاد يفتر عن التسبيح، حتى أثارت حاله
استغراب من رآه.
لم يكن سؤال
عثمان التيمي اعتراضًا على كثرة الذكر، وإنما كان مساءلة عن اجتماع العبادة
الظاهرة مع ما يصدر عن اللسان من أذى، فجاء جواب جرير مستندًا إلى وعد قرآني: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ
السَّيِّئَاتِ) (هود: 114).
وتنبع أهمية هذا
الموقف من الأسئلة التي يثيرها: كيف تؤثر البيئة في سلوك الإنسان؟ ولماذا قد
تتباعد الممارسة عن القناعة؟ ومتى يكون الرجاء في رحمة الله طريقًا للإصلاح، ومتى
يتحول إلى تبرير للتقصير؟ وكيف يستطيع صاحب الكلمة المؤثرة أن يجمع بين النجاح
الاجتماعي والانضباط الأخلاقي؟
أثر سوق المربد في تصعيد هجاء جرير التميمي
عاش جرير بن
عطية في العصر الأموي، حين كان الشعر يحتل منزلة مؤثرة في الحياة الاجتماعية
والسياسية، وكان الشاعر يؤدي دورًا يتجاوز الإبداع الأدبي إلى الدفاع عن مكانة
قبيلته والتأثير في سمعة خصومها.
وفي تلك البيئة
ازدهرت النقائض الشعرية، واشتهرت الخصومات بين جرير والفرزدق والأخطل، وكان لسوق
المربد بالبصرة ومجالس الشعر دور بارز في تداول هذه المنافسات وإذكاء الاهتمام
بها.
ولم تكن النقائض
مجرد مباريات في الفصاحة، بل امتزجت فيها المفاخرة القبلية والمنافسة الشخصية
والسعي إلى اكتساب التفوق الرمزي، ومن ثم أصبح الهجاء أداة للتأثير الاجتماعي، وقد
يجد الشاعر نفسه مطالبًا بالرد على خصومه والمحافظة على مكانته لدى جمهوره.
وقد وصف الذهبي
جريرًا بأنه «شاعر زمانه»، وهو وصف يعكس منزلته الأدبية الرفيعة وشهرته بين
معاصريه.
وفي مثل هذه
الأجواء قد تتحول الإساءة اللفظية إلى سلوك مألوف، وتتراجع حساسية الجماعة تجاه
خطورته الأخلاقية، خصوصًا عندما يصبح التصعيد وسيلة لكسب التأييد وإظهار القوة.
لكن تفسير
السلوك بضغوط البيئة لا يعني تسويغه؛ فالانتماء إلى جماعة أو الدفاع عن مكانتها لا
يمنح الإنسان حق الاعتداء على الآخرين.
وقد قرر القرآن
هذا المبدأ بقوله تعالى: (وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8).
وهذا الانضباط
في مواجهة الخصوم يظهر جليًّا في هدي النبي صلى الله عليه وسلم يوم «أُحد»؛ فحين
تفاخر أبو سفيان بقومه وآلهتهم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يجيبوه،
فقال لهم: «قولوا: الله أعلى وأجل»، ولما قال أبو سفيان: «لنا العُزّى ولا عُزّى
لكم»، قال صلى الله عليه وسلم: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم»(3)؛
فلم ينجرفوا إلى المفاخرة القبلية، بل جعلوا ردهم قائمًا على التوحيد والثبات على
المبدأ، لا على مجاراة الخصم في خطابه.
وما كان يواجهه
الشاعر في مجالس المنافسة يشبه بعض ما يواجهه الكاتب أو الإعلامي أو المؤثر اليوم؛
إذ قد تدفعه توقعات جمهوره إلى السخرية والتشهير والمبالغة في الخصومة، حتى يغدو
الاعتدال في نظر أتباعه ضعفًا، والإنصاف تنازلًا.
وهنا تظهر قيمة
الاستقلال الأخلاقي؛ فصاحب التأثير الحقيقي ليس من يساير جمهوره في كل ما يطلب،
وإنما من يستطيع ضبط خطابه بالمبادئ التي يؤمن بها، ولو خالف ذلك رغبة المتابعين.
التنافر المعرفي وأسباب الفجوة بين الاعتقاد والممارسة
أشد ما يلفت
النظر في الرواية وصف عثمان التيمي لجرير بقوله: «وما تضم شفتاه من التسبيح»؛ فالصورة
توحي بكثرة الذكر واستمراره، وفي المقابل كان اللسان نفسه موضع مساءلة عن الهجاء
والقذف.
وهذا التقابل
يكشف جانبًا من طبيعة النفس الإنسانية؛ فالإنسان قد يحمل قناعات صحيحة، ويحرص على
أعمال صالحة، ثم يخالف مقتضى تلك القناعات في بعض تصرفاته تحت تأثير العادة أو
الغضب أو المصلحة أو الضغوط الاجتماعية.
وقد أشار القرآن
الكريم إلى اجتماع العمل الصالح والسيئ في سلوك بعض الناس، فقال تعالى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا
بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ
يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التوبة: 102).
وفي علم النفس
المعاصر يمكن الاستعانة بمفهوم التنافر المعرفي لفهم التوتر الذي قد ينشأ عندما
يتصرف الإنسان على خلاف القيم التي يعتقد بصحتها.
غير أن الرواية
لا تكفي للجزم بأن جريرًا كان يعيش حالة نفسية بعينها، أو أن تسبيحه كان وسيلة
مقصودة للتخفيف من الشعور بالذنب، وإنما تسمح بتأمل التباعد الظاهر بين جانبين من
سلوكه.
ومن اللافت أن
جوابه لم يتضمن إنكارًا صريحًا لما وُجه إليه، بل استحضارًا لوعد الله بالحسنات
الماحية، ومع ذلك، فلا يدل غياب الإنكار وحده على اعتراف تفصيلي بجميع ما تضمنه
السؤال، كما لا يكفي الاستشهاد بالآية لإثبات تحقق التوبة.
وتظهر هذه
المشكلة في صور متعددة من الحياة المعاصرة؛ فقد يحافظ الإنسان على عباداته، لكنه
يتساهل في الغيبة، أو يدعو المسؤول إلى العدل ثم يقع في ظلم مرؤوسيه، أو يتحدث
المربي عن الرفق بينما يعجز عن ضبط غضبه.
ولا يكون علاج
هذا التناقض بإهدار ما لدى الإنسان من خير، وإنما بمراجعة مواضع الخلل والعمل على
تقريب السلوك من القيم.
وهذا المعنى في
دوام محاسبة النفس ومراجعة تقصيرها أكده الحسن البصري فيما رُوي عنه أنه قال: «إن
المؤمن يصبح حزينًا ويمسي حزينًا ولا يسعه غير ذلك؛ لأنه بين مخافتين: بين ذنب قد
مضى لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما يصيب فيه من المهالك»(4)؛
فالمؤمن لا يغتر بما لديه من صالح الأعمال، ولا يغفل عن مواضع تقصيره، بل يظل
محاسبًا لنفسه، ساعيًا إلى إصلاحها وتقويم سلوكه.
ومن هنا، فإن
محاسبة النفس لا تعني مطالبتها بادعاء الكمال، بل تعني أن تتحول المعرفة الأخلاقية
إلى معيار دائم لتصحيح الممارسة.
هل تكفر حسنات جرير بن عطية مظالم الأعراض؟
بلغ الموقف
ذروته حين أجاب جرير بن عطية عن سؤال عثمان التيمي بقوله: «إن الحسنات يذهبن
السيئات وعد من الله حق»؛ وقد استند جرير بن عطية إلى قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ
النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ
ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) (هود: 114).
والأصل الذي
استحضره جرير ثابت في القرآن والسُّنة؛ فقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:
«اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»(5).
غير أن فهم هذا
الوعد يقتضي مراعاة أمرين متلازمين: أن الحسنات من أسباب تكفير السيئات، وأن الوعد
الإلهي لا يجوز تحويله إلى ذريعة للاستمرار في المعصية أو التفريط في حقوق
الآخرين.
فالرجاء المشروع
يفتح أمام الإنسان طريق العودة بعد التقصير، ويمنعه من الاستسلام لليأس، وقد قال
تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
(الزمر: 53)، لكن الرجاء الذي يدفع إلى التوبة يختلف عن الاغترار الذي يجعل
سعة المغفرة مسوغًا للإصرار على الخطأ.
وتزداد القضية
دقة عندما تتعلق المعصية بحقوق العباد، كما في الاعتداء على الأعراض؛ فالحسنات لا
تسقط بمجرد أدائها ما ترتب على الإنسان من مظالم يجب عليه تداركها.
وقد قال النبي
صلى الله عليه وسلم: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم،
قبل ألا يكون دينار ولا درهم»(6).
وفي حديث المفلس
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، لكنه
شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا، فتؤخذ من حسناته لأصحاب الحقوق(7).
وهذا الحديث
شديد الصلة بموقف جرير؛ إذ يبين أن كثرة العبادات لا تمنح صاحبها حصانة من تبعات
الظلم، بل قد تكون حسناته محل اقتضاء حقوق من اعتدى عليهم.
وينبغي هنا
التفريق بين الهجاء والقذف بالمعنى الفقهي؛ فالهجاء قد يتضمن سبًا أو سخرية أو
تعييرًا، وقد يصل إلى الاتهام الصريح بالزنا، وهو القذف الذي تترتب عليه أحكام
خاصة، ولا تكفي الرواية وحدها لتحديد وقائع بعينها أو إصدار حكم قضائي بشأنها.
كذلك لا يصح
اختزال العلاقة بين الحسنات والسيئات في معادلة حسابية يضمن بها الإنسان أن عددًا
معينًا من التسبيحات يمحو عددًا مقابلًا من التجاوزات؛ فقبول الأعمال وتكفير
الذنوب من أمور الشرع التي لا يملك الإنسان تقديرها بمجرد الحساب.
وفي الواقع
المعاصر قد يعتدي شخص على سمعة غيره، ثم يظن أن الاستغفار أو حذف المنشور يكفي
لمحو كل ما ترتب عليه، غير أن التوبة من المظالم تقتضي الندم والإقلاع والسعي إلى
رد الحقوق ومعالجة الضرر بالطرق المشروعة المناسبة.
فليس المقصود من
الحسنات أن يستعملها الإنسان لتعويض أخطاء ينوي تكرارها، وإنما أن تكون جزءًا من
مسار أوسع للتوبة والإصلاح.
كيف يتحول ذكر الله إلى سلوك يضبط الجوارح؟
تكتسب رواية
جرير بن عطية قوتها التصويرية من اجتماع العبادة والإساءة المحتملة في أداة واحدة:
اللسان؛ فاللسان الذي يتحرك بالتسبيح قادر كذلك على الهجاء والتشهير، ولذلك لم يكن
موضع الاستغراب في الرواية مجرد كثرة الذكر، بل المفارقة بين ما يصدر عن اللسان من
طاعة وما قد يصدر عنه من أذى.
وقد أمر الله
تعالى بالإكثار من ذكره، فقال: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) (الأحزاب: 41)،
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان،
حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده»(8).
فالذكر عبادة
عظيمة في ذاته، لكن من مقاصده التربوية أن يثمر مراقبة الله وحضور القلب، وأن يعين
الإنسان على ضبط جوارحه وتصرفاته.
وقد ربط النبي
صلى الله عليه وسلم بين الإيمان وصيانة اللسان بقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»(9)، وهذا الربط يكشف عن الصلة بين العبادة
والأخلاق؛ فالمؤمن لا يكتفي بكثرة الألفاظ الصالحة، وإنما يجاهد نفسه حتى تقل
الألفاظ المؤذية التي تصدر عنه.
مسؤولية الكلمة والتأثير لدى جرير بن عطية التميمي
لم يكن جرير بن
عطية شاعرًا عاديًا في عصره، بل كان صاحب موهبة واسعة جعلته من أبرز شعراء الدولة
الأموية، وقد حفظت كتب الأدب جانبًا كبيرًا من شعره وخصوماته.
وتثير مكانته
قضية مهمة في تقويم الشخصيات المؤثرة: هل يكفي التفوق في الموهبة أو النجاح في
التأثير للحكم على صاحبه بالكمال الأخلاقي؟
إن الاعتراف
بالتميز لا يقتضي تزكية جميع التصرفات، كما أن نقد الخطأ لا يستلزم إنكار جميع
الفضائل، وهذا الميزان ضروري عند التعامل مع العلماء والأدباء والقادة
والإعلاميين؛ فقد يقع الجمهور في المبالغة في الدفاع عن الشخصية التي يحبها، فيبرر
تجاوزاتها باسم إنجازاتها، أو يذهب إلى الطرف الآخر فيلغي كل ما قدمته بسبب خطأ
معين.
والتقويم العادل
يفرق بين قيمة المنجز ومسؤولية صاحبه، ويمنع المكانة الاجتماعية من التحول إلى
حصانة ضد النقد والمساءلة.
وتصبح هذه
المسؤولية أشد في زمن الانتشار الرقمي؛ لأن الكلمة قد تنتقل في لحظات إلى آلاف
الناس، وتؤثر في أحكامهم ومواقفهم، وقد يستمر ضررها بعد انتهاء الخصومة التي قيلت
فيها.
ومن هنا، فإن
قوة التأثير تحتاج إلى قوة مقابلة في ضبط النفس، حتى لا تتحول الموهبة من نعمة
اجتماعية إلى وسيلة للإضرار بالآخرين.
وتكشف قصة جرير بن عطية أن الإنسان قد يجمع بين مكانة عالية وجوانب تحتاج إلى تقويم، وأن أعظم ما يحفظ لصاحب التأثير قيمته هو خضوعه للمبادئ الأخلاقية نفسها التي يُطالب بها غيره.
الهوامش
- 1 جرير شاعر زمانه، أبو حزرة، جرير بن عطية بن الخطفي التميمي البصري، مدح يزيد بن معاوية، وخلفاء بني أمية، وشعره مدوّن.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 591).
- 3 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج1، ص71-72.
- 4 المرجع السابق، ج2، ص191.
- 5 رواه الترمذي (1987)، وقال: حديث حسن صحيح.
- 6 رواه البخاري (2449).
- 7 رواه مسلم (2581).
- 8 متفق عليه؛ أخرجه البخاري (6406)، ومسلم (2694).
- 9 متفق عليه؛ أخرجه البخاري (6018)، ومسلم (47).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً