حين تصبح القوة امتحاناً للعدل..

متى تُختبر أخلاق المنتصر؟ نهاية المختار الثقفي وحرمة الدماء

نهاية المختار الثقفي في الكوفة واختبار أخلاق المنتصر

روى الإمام الذهبي في ترجمة الكذاب المختار بن أبي عبيد الثقفي(1): كَانَ الْمُخْتَارُ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا، ثُمَّ إِنَّ مُصْعَبًا أَسَاءَ، فَأَمَّنَ بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ خَلْقًا، ثُمَّ قَتَلَهُمْ غَدْرًا، وَذُبِحَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ صَبْرًا؛ لِأَنَّهَا شَهِدَتْ أَنَّ زَوْجَهَا الْمُخْتَارَ عَبْدٌ صَالِحٌ، وَأَقْبَلَ فِي نَجْدَةِ مُصْعَبٍ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ فِي الرِّجَالِ وَالْأَمْوَالِ، وَلَمَّا خُذِلَ الْمُخْتَارُ قَالَ لِصَاحِبِهِ: مَا مِنَ الْمَوْتِ بُدٌّ، وَحَبَّذَا مَصَارِعُ الْكِرَامِ، وَقَلَّ عَلَيْهِ الْقُوتُ فِي الْحِصَارِ وَالْمَاءُ، وَجَاعُوا فِي الْقَصْرِ، فَبَرَزَ الْمُخْتَارُ لِلْمَوْتِ فِي تِسْعَةَ عَشَرَ مُقَاتِلًا، فَقَالَ الْمُخْتَارُ: أَتُؤْمِنُونِي؟ قَالُوا: لَا، إِلَّا عَلَى الْحُكْمِ، قَالَ: لَا أُحَكِّمُ فِي نَفْسِي، وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.

وَأَمْكَنَ أَهْلُ الْقَصْرِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَبَّادَ بْنَ حُصَيْنٍ، فَكَانَ يُخْرِجُهُمْ مُكَتَّفِينَ، وَيَقْتُلُهُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ لِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ابْتَلَانَا بِالْأَسْرِ، وَابْتَلَاكَ أَنْ تَعْفُوَ، وَهُمَا مَنْزِلَتَانِ إحْدَاهُمَا رِضَا اللَّهِ وَالْأُخْرَى سَخَطُهُ، مَنْ عَفَا، عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ قَتَلَ، لَمْ يَأْمَنِ الْقِصَاصَ، نَحْنُ أَهْلُ قِبْلَتِكُمْ وَعَلَى مِلَّتِكُمْ، لَسْنَا تُرْكًا وَلَا دَيْلَمًا، قَاتَلْنَا إِخْوَانَنَا كَمَا اقْتَتَلَ أَهْلُ الشَّامِ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا، وَقَدْ مَلَكْتُمْ فَأَسْجِحُوا، فَرَقَّ مُصْعَبٌ، وَهَمَّ أَنْ يَدَعَهُمْ، فَوَثَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَقَالَ: اخْتَرْنَا أَوِ اخْتَرْهُمْ، وَقَالَ آخَرُ: قُتِلَ أَبِي فِي خَمْسِمِائَةٍ مِنْ هَمْدَانَ وَتُخَلِّيهِمْ؟! وَسُمِرَتْ كَفُّ الْمُخْتَارِ إِلَى جَانِبِ الْمَسْجِدِ.

وَرَوَى إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ مُصْعَبٌ يَزُورُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيْ عَمِّ، أسْأَلُكَ عَنْ قَوْمٍ خَلَعُوا الطَّاعَةَ، وَقَاتَلُوا حَتَّى إِذَا غُلِبُوا، تَحَصَّنُوا، وَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأُعْطُوا، ثُمَّ قُتِلُوا، قَالَ: كَمِ الْعَدَدُ؟ قَالَ: خَمْسَةُ آلَافٍ، فَسَبَّحَ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُصْعَبُ لَوْ أَنَّ امْرَءًا أَتَى مَاشِيَةَ الزُّبَيْرِ، فَذَبَحَ مِنْهَا خَمْسَةَ آلَافِ شَاةٍ فِي غَدَاةٍ أَكُنْتَ تَعُدُّهُ مُسْرِفًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَتَرَاهُ إِسْرَافًا فِي الْبَهَائِمِ، وَقَتَلْتَ مَنْ وَحَدَّ اللَّهَ، أَمَا كَانَ فِيهِمْ مُكْرَهٌ أَوْ جَاهِلٌ تُرْجَى تَوْبَتُهُ، اصْبُبْ يَا ابْنَ أَخِي مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ مَا اسْتَطَعْتَ فِي دُنْيَاكَ(2)(3).

هذا النص المنقول من كتب التراجم والسير يصور اللحظات الأخيرة من حياة المختار بن أبي عبيد الثقفي، كما يعرض جانبًا من موقف مصعب بن الزبير بعد انتصاره، ثم يورد إنكار عبدالله بن عمر رضي الله عنهما لما وقع من قتل الأسرى، وهو مشهد تاريخي يجمع بين الصراع السياسي، والاختبار الأخلاقي، وطبيعة النفس البشرية عندما تلتقي القوة بالانتقام.

والقراءة العلمية لهذه الحادثة تحتاج إلى النظر في سياقها التاريخي؛ فقد كانت في زمن الفتنة الثانية، وهي مرحلة كثرت فيها النزاعات السياسية والعسكرية بين جماعات المسلمين، واختلط فيها طلب السلطة بمطالب الثأر والانتصار للمواقف السابقة، ولذلك فإن دراسة هذه الواقعة لا تقتصر على معرفة من انتصر ومن انهزم، بل تتجاوز ذلك إلى فهم سنن القيادة، وتقلب الجماهير، وخطورة الدماء عندما تغيب الحكمة.

من 20 ألفاً إلى 19 مقاتلاً!

لم يكن المختار بن أبي عبيد شخصية عابرة في تاريخ العراق؛ فقد استطاع أن يجمع حوله عددًا كبيرًا من الأنصار في الكوفة، حتى بلغ جيشه 20 ألفًا، كما يذكر النص، وهذا الرقم لا يعبر فقط عن قوة عسكرية، بل يكشف عن قدرة على بناء خطاب مؤثر واستثمار حالة اجتماعية وسياسية كانت تعيش توترًا شديدًا بعد أحداث كربلاء.

اعتمد المختار على رفع شعار الانتقام للحسين بن علي رضي الله عنه، واستطاع من خلال ذلك استقطاب فئات متعددة، وكان للموالي حضور بارز في حركته، غير أن التاريخ يعلمنا أن بناء النفوذ على العاطفة وحدها لا يكفي لصناعة استقرار دائم، ولعل جغرافية الكوفة نفسها تحتفظ في ذاكرتها القريبة بدرسٍ مشابه؛ فعند بداية حركة مسلم بن عقيل رضي الله عنه سعياً في طلب الحق، اجتمع إليه 40 ألفاً، ولكن ما إن استخدم والي الكوفة أسلوب التهديد والضغط، حتى بدأ الأتباعُ يَتَفَرَّقُون عنه شيئاً فشيئاً، لدرجة أنه صَلَّى المغرب بـ300 رجل فقط، ولما انصرف لم يجد معه أحداً يدله على الطريق(4)! في صورة بليغة تعكس سرعة انفضاض الجماهير وقت الأزمة إذا كان البناء قائماً على العاطفة المجردة دون صلابة داخلية.

هذا المبدأ التاريخي هو ما واجهه المختار في نهايته؛ فالجماعات التي تتجمع حول هدف مشترك قد تتفرق عندما تتغير الظروف أو تضيق الموارد، ولذلك انتهى به الأمر -بعد أن كان يقف خلفه 20 ألفاً- إلى خروجه للقتال في 19 مقاتلًا فقط! لتظل قصته دليلاً حياً على أن زلزال الأزمات لا يُبقي إلا أصحاب المبادئ الراسخة، بينما يُسقط سريعاً أرقام التأييد الهشة.

كيف يحول القائد لحظة الهزيمة إلى موقف كرامة؟

تكشف اللحظات الأخيرة للمختار عن جانب نفسي مهم؛ فالقائد عندما يجد نفسه محاصرًا أمام نهاية محتومة يواجه سؤالًا داخليًا: هل يختار الاستسلام أم يحافظ على صورته التي يريد أن تبقى في ذاكرة أتباعه؟

وقوله: «ما من الموت بد، وحبذا مصارع الكرام» يعكس طريقة عميقة في التعامل مع النهاية، إذ أعاد تفسير الهزيمة العسكرية باعتبارها موقفًا من مواقف الكرامة، وهذا النوع من إعادة التأطير النفسي معروف في تاريخ القادة؛ حيث يحاول الإنسان أن يمنح الألم والمصير المحتوم معنى ينسجم مع تصوره عن ذاته وقيمته.

وهو المشهد ذاته الذي يتجلى بأعلى صور الصلابة في تجربة عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما؛ حين حُوصِر في الحرم وأشرف على النهاية بعد أن تفرّق عنه معظم أصحابه، فدخل عبدالله بن الزبير على أمه فشكا إليها خذلان الناس له، وخروجهم إلى الحجاج حتى أولاده وأهله، وأنه لم يبق معه إلا اليسير، ولم يبق لهم صبر ساعة، قال: والقوم يعطونني ما شئت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: يا بني، أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق فاصبر عليه، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك، يلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت؛ أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك، وإن كنت على حق فما وهن الدين، وإلى كم خلودكم في الدنيا؟ القتل أحسن، فدنا منها، فقبل رأسها، وقال: هذا والله رأيي(5).

فخرج وقاتل باستبسال حتى قُتِل عزيزًا، محوّلًا الحصار والنهاية المحتومة من لحظة انكسار إلى مأثرة خالدة للكرامة.

لكن هذا الثبات النفسي في اللحظات الأخيرة لا يعني بالضرورة صحة جميع الخيارات السياسية السابقة؛ فالشخصية التاريخية قد تجمع بين جوانب قوة وجوانب ضعف، فقد يظهر الإنسان شجاعًا في مواجهة الموت، لكنه قد يكون محل نقاش واسع في الوسائل التي استخدمها للوصول إلى السلطة والمختار الثقفي خير مثال لهذا.

وهذا التفريق أساسي في قراءة التاريخ؛ فالإنصاف لا يعني التقديس المفرط ولا التشويه المجحف، وإنما فهم الإنسان وتفكيك موقفه النفسي والقيادي في مجموع أفعاله وظروفه.

متى تصبح الكلمة أغلى من حياة الإنسان؟

من أبرز المشاهد التي يوردها النص قصة عمرة بنت النعمان بن بشير، التي قُتلت لأنها شهدت بأن زوجها المختار «عبد صالح»، وهذه الحادثة تقدم صورة ملهمة عن الإنسان الذي يتمسك بما يراه حقًا حتى في أقسى الظروف وأمام سيف السلطة البطاشة.

إن موقف عمرة يفتح بابًا عاليًا للتأمل في معنى الشهادة والكلمة؛ فالكلمة أحيانًا تكون أغلى من الحياة عندما يدرك الإنسان أن تنازله عنها يعني سقوط قيمة جوهرية يؤمن بها.

وفي امتدادٍ حيٍّ لصلابة موقف أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما -التي رأيناها تثبّت ابنها ابن الزبير في لحظاته الأخيرة- تكتمل الصورة الشامخة بعد مقتله؛ حين أقبل عليها الحجاج بن يوسف الثقفي مستعليًا بقوته وسلطانه، وقال لها بصلف: «كيف رأيتِني صنعتُ بعدو الله؟»، فلم تضعف ولم تساوم على موقفها، بل ردّت عليه بثبات أردى غروره: «رَأيتُكَ أفسَدتَ عليه دُنياه، وأفسَدَ عليكَ آخِرَتَكَ.. أما إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَدَّثَنا أنَّ في ثَقيفٍ كَذَّابًا ومُبيرًا، فأمَّا الكَذَّابُ فرَأيناه، وأمَّا المُبيرُ فلا إخالُكَ إلَّا إيَّاه»، قال: فقامَ عَنها ولم يُراجِعْها(6).

فهذا الإصرار على شهادة الحق أمام القوة الغاشمة يبرهن على أن الكلمة الشجاعة هي الروح الحقيقية للكرامة.

وقد جاء في القرآن الكريم الثناء العظيم على هذا الثبات متمثلاً في ثبات سحرة فرعون الذين خلد الله كلماتهم، قال تعالى: (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طه: 72).

وفي واقع الناس اليوم يظهر هذا المعنى في صور متعددة؛ فليس الثبات دائمًا في مواجهة السيوف، بل قد يكون في مواجهة ضغط المجتمع، أو الخوف من خسارة المكانة، أو التنازل عن المبادئ من أجل مصلحة عابرة، حيث تظل الكلمة الصادقة هي المحك الفعلي لمعدن الإنسان.

لماذا يعد ضبط النفس عند النصر من أشد الاختبارات؟

قد يكون أصعب اختبار للقائد ليس وقت الهزيمة، بل وقت الانتصار؛ ففي لحظة الهزيمة قد لا يكون أمام الإنسان إلا الصبر، أما عند امتلاك القوة والتمكن فإنه يحتاج إلى ضبط النفس والعدل ورحمة القوي.

ويظهر في النص أن مصعبًا بعد انتصاره واجه موقفًا أخلاقيًا حساسًا؛ فقد طلب بعض الأسرى الأمان، ويعرض النص حوارًا بليغًا بين أحدهم ومصعب، حيث حاول الرجل أن يوقظ معنى الرحمة والتسامي، مُذكِّرًا إياه بأنهم أهل قبلة واحدة، وليسوا من أعداء الأمة الخارجيين.

وهنا يظهر الصراع الأزلّي بين منطق الانتقام ومنطق العفو؛ فالمنتصر يستطيع أن يجد مبررات كثيرة للعقوبة، خصوصًا إذا كانت لديه جراح سابقة أو ضغوط من أتباعه، لكن القيمة الحقيقية للقيادة تتجلى في تجاوز الانفعال نحو العدل والرحمة.

وهذا الاختبار القيادي الأخلاقي هو ذاته الذي تجسد بأبهى صوره يوم فتح مكة؛ حين وقف النبي صلى الله عليه وسلم عند باب الكعبة وهو يملك خيار الانتقام كاملاً من أعدائه الذين أخرجوه وآذوه، فقال لهم: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟»، قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ»(7).

كما يتجلى الفقه القيادي والأخلاقي في التعامل مع «أهل القبلة» تحديداً في موقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد انتصاره في معركة «الجمل»؛ حيث كَرَّس أدبيات الرحمة وضبط النفس عند النصر، فأمر ألا يُتْبَع مُدْبِر، ولا يُذفَّف على جريح، ولا يُكْشَف سِتْر، ولا تُؤْخَذ أَمْوَال، ولم تمنعه الخصومةُ السياسيةُ من الحزن والأسى على قتلى الطرف الآخر، حتى رُوي أنه لما وقف على مصرع طلحة بكى، حتى أخضل لحيته بدموعه، ثم قال: إني لأرجو أن أكون أنا وأنت ممن قال الله تعالى فيهم: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) (الحجر: 47)(8).

إن هذه النماذج الخالدة هي التجسيد العملي للقاعدة القرآنية العظيمة: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلَّتَقْوَى) (المائدة: 8)؛ فالآية تقرر أصلاً حاسماً في أخلاق القيادة؛ أن شدة الخصومة وقسوة المعركة لا تبرر بحال سقوط العدل أو غياب الرحمة عند القدرة.

مقارنة ابن عمر الصادمة بين الماشية والأسرى

يبرز في النص موقف عبدالله بن عمر حين أنكر بصلابة قتل 5 آلاف من الأسرى، وضرب مثالًا شديد التأثير فقال: لو أن رجلًا ذبح خمسة آلاف شاة من ماشية الزبير لعد ذلك إسرافًا، فكيف بقتل من وحّد الله؟

وهذا الموقف الصارم يستند في عمقه إلى التأسيس النبوي المباشر لعظمة حرمة دم الموحد؛ حين غضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً على أسامة بن زيد رضي الله عنه عندما قتل رجلاً في الحرب بعدما قال: «لا إله إلا الله»، وأنكر عليه أشد الإنكار فقالَ: «من لَكَ بِلا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يومَ القيامةِ؟!»، فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّما قالَها مَخافةَ السِّلاحِ، قالَ: «أفلا شقَقتَ عن قلبِهِ حتَّى تعلمَ مِن أجلِ ذلِكَ قالَها أم لا؟ مَن لَكَ بلا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يومَ القيامةِ؟»، فما زالَ يقولُها حتَّى وَدِدْتُ أنِّي لم أُسلِم إلَّا يومئذٍ(9)، ليرسي قاعدة شرعية وإنسانية خالدة تجعل كلمة التوحيد حصناً مطلقاً للدماء لا تجوز استباحته بالظنون أو المبررات السياسية والعسكرية.

إن أسلوب ابن عمر يحمل معنى تربويًا عميقًا؛ فهو لا يكتفي بالحكم الشرعي المجرد، بل يحاول إيقاظ الحس الأخلاقي لدى السامع عبر صدمة الموازنة البلاغية وإظهار حجم الفارق بين استرخاص دم الإنسان وتوقير ما دونه، وهو ذات المنهج التربوي الصادم الذي استعمله ابن عمر رضي الله عنهما حين جاءه رجل من أهل العراق يسأله بدقة عن حكم دم البعوض إذا أصاب الثوب في الإحرام، فاستنكر هذا التناقض الأخلاقي وانتكاس الموازين لدى من يتورعون في الدقيق ويستبيحون العظام، وقال لأصحابه: «انظروا إلى هذا يسألُني عن دمِ البعوضِ وقد قتلوا ابنَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ!»(10).

ومنهج ابن عمر هنا يمثل دور العالم الحقيقي في مواجهة انحراف السلطة والفتن؛ فالعلماء ليسوا مجرد ناقلين جافين للأحكام، بل هم حراس للمعاني الكبرى التي تحفظ المجتمع من الانزلاق إلى مستنقع الانتقام الجماعي والسطحية الأخلاقية.

وفي واقعنا المعاصر، تظهر أهمية هذا المعنى في كل بيئة يحدث فيها نزاع؛ فالخصومة السياسية أو الاجتماعية كثيراً ما تجعل الإنسان يرى خصمه مجرد رقم أو عنوان تجب إبادته، وينسى أنه إنسان موحد له حرمة وحقوق مقدسة لا تسقط أبدًا بلغة الحرب والنزاع.

«اصبب يا ابن أخي من الماء البارد».. فتح باب التوبة بعد الزلل

ومن أبلغ ما جاء في نصح عبدالله بن عمر لمصعب قوله: «اصبب يا ابن أخي من الماء البارد ما استطعت في دنياك»، ويمكن أن تحمل هذه العبارة معنى الحث على المبادرة إلى العمل الصالح والتوبة والإكثار من الطاعات؛ فكأن ابن عمر يقول له: لقد وقع منك أمر عظيم، فاستدرك ما بقي من عمرك بالقرب من الله، وأكثر من أبواب الخير، فإن ما ينفع الإنسان عند الله ليس ما يملكه من قوة أو سلطان، وإنما ما يقدمه من الحسنات والأعمال الصالحة.

وهذا المعنى ينسجم مع منهج السلف في الجمع بين الإنكار والرجاء؛ فلم يكن بيانهم لعظم الذنب مقصوده دفع المخطئ إلى اليأس والقنوط، وإنما حمله على التوبة والإصلاح واستدراك ما فات، قال الله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (هود: 114)، وقال سبحانه: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) (الفرقان: 70)، ومن هنا يظهر أن النصح الصادق لا يكتفي ببيان الخطأ، بل يفتح للإنسان طريق العودة إلى الله، ويذكره بأن باب العمل الصالح باقٍ ما دام في العمر بقية.

تبقى نهاية المختار بن أبي عبيد الثقفي واحدة من المشاهد التي تكشف تعقيد التاريخ الإسلامي في عصور الفتن؛ فهي ليست قصة انتصار طرف على طرف فقط، بل قصة الإنسان عندما يقف أمام السلطة والخوف والانتقام والاختيار الأخلاقي.

وفيها يظهر أن بقاء الأمم لا يكون بكثرة العدد وحدها، ولا بقوة السلاح فقط، وإنما بوجود قيم تضبط القوة وتحمي الإنسان عند لحظات الغضب، فالقائد الحقيقي هو من يملك القدرة على الحسم، لكنه لا يفقد الرحمة، والعالم الناصح هو من يقول كلمة الحق حين تحتاج الأمة إليها.

الهوامش
  • 1 المختار بن أبي عبيد الثقفي شخصية جدلية يتلخص موقف أهل السُّنة منه في التفريق بين فعله وعقيدته، فقد أثلج صدور المسلمين بتتبعه لقتلة الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما والقضاء عليهم، إلا أنهم يعيبون عليه استغلال عاطفة محبة آل البيت للوصول إلى السلطان والنفوذ في الكوفة، كما يَعدونه «كذاب ثقيف» الوارد في الحديث النبوي الشريف لادعائه نزول الوحي عليه والتكهن بالغيب، وبناءً على ذلك يُحمد ما جرى على يديه من الثأر للحسين ولا يُترحم عليه بسبب انحرافاته العقائدية.
  • 2 أكثر من فعل الطاعات في دنياك رجاء أن تطفئ حسناتك لهيب هذه الجريمة عند الله.
  • 3 سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 543.
  • 4 المرجع السابق، ج 3، ص 306.
  • 5 البداية والنهاية، ج 12، ص 177.
  • 6 رواه مسلم (2545).
  • 7 سيرة ابن هشام، ج 2، ص 412.
  • 8 السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج لصديق خان، ج 9، ص 333.
  • 9 أخرجه أبو داود (2643) واللفظ له، وأخرجه البخاري (4269)، ومسلم (96) باختلاف يسير.
  • 10 أخرجه البخاري (5994)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (342)، وابن أبي شيبة (32190) واللفظ لهم.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة