هجر الزوج!

منى عبدالفتاح

08 نوفمبر 2026

18

هجر الزوج!

عندما شرع الإسلام الهجر بين الزوجين، فإن الأمر من باب التأديب والتقويم للزوجة، وعدم النشوز على الزوج؛ (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) (النساء: 34).

وقد كان الهجر من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، حينما غضب من نسائه فاعتزلهن وهجرهن شهرًا؛ وقد ثبت حديث اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه في الصحيحين، من رواية ابن عباس، وسبب الاعتزال ما وجد في نفسه عليهن، ففي رواية البخاري بلفظ: «ما أنا بداخل عليهن شهراً من شدة موجدته عليهن»، ورواية مسلم: «وكان أقسم ألا يدخل عليهن شهراً من شدة موجدته عليهن».

وأما سبب غضبه عليهن فقد اختلفت فيه الروايات، فذكر بعضهم أنه بسبب إفشاء حفصة إلى عائشة سراً كان النبي صلى الله عليه وسلم استكتمها إياه، وقيل: إن السبب في الاعتزال شدة موجدته عليهن حين عاتبه ربه تعالى في تحريم الحلال على نفسه كما ورد في سورة «التحريم».

وذكر آخرون أن سبب غضبه عليهن ثم اعتزالهن ما ورد من مطالبتهن إياه بالنفقة، وقد جاءت بذلك رواية جابر في صحيح مسلم، وقد ذكر غير ذلك من أسباب.

قال الحافظ ابن حجر في كتابه «فتح الباري»: ويحتمل أن يكون مجموع هذه الأشياء كان سبباً لاعتزالهن، وهذا هو اللائق بمكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وسعة صدره، وكثرة صفحه، وأن ذلك لم يقع منه حتى تكرر موجبه منهن صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن.

النسوية وهجر الزوج

في زماننا الحديث، وجراء تفشي النسوية المتطرفة، وتنامي موجات التحريض على الزوج، وارتفاع معدلات العنف الزوجي، ظهر لون جديد من الهجر في بعض المجتمعات العربية والإسلامية، إن لم يكن كلها، وهو هجر الزوج!

تقوم المرأة المسلمة، وهذا مما ابتلينا به، بتنفيذ عقوبة الهجر ضد الرجل، لأيام أو أسابيع أو شهور، وتمتنع عنه جسدياً وروحياً، وتخاصمه ليل نهار، لأي سبب كان، بينما تظل تعيش في كنفه، وتحيا في بيته، وتأكل من طعامه وشرابه، وهذا لأمر عظيم.

إن من الزوجات المسلمات من تستخدم العلاقة الزوجية كوسيلة عقابية ضد الزوج، فتهجر فراشه، وتحرمه من الحلال، وتمنع عنه العفاف، ومنهن من ترفض المعاشرة لأسابيع أو شهور، تحت أي ذريعة، أو بأي حجة كانت.

والأدهى من ذلك، أن من المسلمات النسويات من يستهنّ بالتحذير النبوي الوارد في حديثه صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح» (رواه البخاري).

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها»؛ قال الفقهاء: ومحل هذا إذا لم يكن لديها عذر شرعي كالصيام الواجب والمرض أو نحو ذلك، فإذا كانت المرأة معذورة شرعاً، فلا حرج عليها.

ثقافة النشوز

هجر الزوج، يأتي في سياق حملات منظمة ومشبوهة، تعمل تحت شعارات حقوقية زائفة، ويراد لها صناعة حالة جديدة من الاستقواء لدى المرأة، والاستعلاء على الرجل، بدعوى المساواة تارة، وتمكين المرأة تارة، وأن حق الهجر للمرأة مثل الرجل!

إن تلك الزوجة الهاجرة تضمر في نفسها، رغبة في عقاب الزوج، وتأديبه، وكسر شوكته، بدعوى خصام، أو كلمة قاسية قالها، أو ربما مسها بسوء، أو تعرض لها بأذى، لتصبح المرأة في زمن النسوية هي من تهجر!

يراد من وراء ذلك، إفشاء ثقافة النشوز في مجتمعات المسلمين، والإخلال بمبدأ القوامة الذي شرعه الإسلام؛ لضبط بوصلة الحياة الزوجية، ومنح المرأة حقوق الرجل، لتختل الدفة، وتخرق السفينة.

ومن صور النشوز التي استحدثت في زماننا، إفشاء الأسرار الزوجية عبر وسائل التواصل، وبث تفاصيل الحياة الأسرية عبر المنصات الرقمية، والسفر للعمل دون موافقة الزوج، واشتراط الحصول على مبالغ مالية مقابل تمكين الزوج من حقوقه، واستخدام القوانين الأجنبية لإسقاط حقوق الزوج الشرعية في العلاقة الزوجية، أو ما يعرف في بلاد الغرب بتهمة «الاغتصاب الزوجي».

إن الإسلام يبدي أهمية ومناعة كبيرتين لعدم حصول النشوز، ومنها تأكيده على شيوع المودة والرحمة بين الزوجين، وحسن الخلق، والمعاشرة بالمعروف، والرفق في التعامل مع الزوجة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، وعندما سئل صلى الله عليه وسلم، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا أطعمت وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت» (رواه أبو داود).

هجر الزوج مفسدة عظيمة، يترتب عليها وقوع المزيد من حالات الطلاق، والتفكك الأسري، والخيانة الزوجية، فاتقوا الله يا معشر النساء.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة