هل تأجيل الطلاق بسبب المال ينقذ الزواج؟

زوجان يناقشان المال وتأثيره على الزواج

هل يمكن أن يستمر الزواج لأن الزوجين لا يستطيعان تحمّل تكلفة الانفصال؟ قد تدفع ضغوط المعيشة بعض الأزواج إلى تأجيل الطلاق بسبب المال، لا لأن الخلافات انتهت أو أن شرارة الحب قد استعيدت، بل لأن تأسيس منزلين بدلاً من منزل واحد بات عبئاً يفوق قدرتهم المادية.

في إنجلترا وويلز، كشفت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني أن متوسط مدة الزواج الذي انتهى بالطلاق بلغت 13 عاماً في عام 2025م، وهي الأطول منذ بدء تسجيل هذه البيانات عام 1963م، بعدما بلغت 8.9 أعوام في عام 1985م.

ولا تثبت هذه الأرقام أن المال السبب المباشر وراء تأجيل الطلاق، لكن محامين متخصصين في قضايا الأسرة، تحدثوا إلى صحيفة «ذا جارديان»، في سبتمبر 2026م، أشاروا إلى أن ارتفاع تكاليف السكن ورعاية الأطفال، وصعوبة إعالة أسرتين منفصلتين، من العوامل التي قد تدفع بعض الأزواج إلى تأجيل قرار الانفصال.

تأجيل الطلاق بسبب المال

قد يبدو قرار البقاء معاً مفهوماً في بعض الظروف؛ فزوجان لديهما أطفال، والتزامات مالية، وقروض مشتركة، قد يجدان أن الانفصال الفوري سيضاعف أعباءهما، وقد يختاران البقاء في المنزل نفسه مؤقتاً، أو تأجيل الإجراءات القانونية حتى تتضح قدرتهما على تحمّل نفقات حياتين منفصلتين، وفي مثل هذه الظروف، قد يكون تأجيل الطلاق بسبب المال مهلة لترتيب الالتزامات وتدبير السكن والنفقات، بدلاً من الدخول في أزمة مالية أشد تعقيداً.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الحل المؤقت إلى وضع دائم، ويصبح الخوف من الفقر أو فقدان المسكن السبب الوحيد لاستمرار العلاقة، فقد يعيش الزوجان تحت سقف واحد، بينما تتسع بينهما المسافة العاطفية، ويحل الصمت والخصام محل الحوار، ويجد الأطفال أنفسهم في بيئة يطغى عليها التوتر.

ولا يعني ذلك أن كل زواج أصابه الفتور العاطفي قد انتهى، أو أن كل خلاف يستدعي الطلاق، فقد تستعيد العلاقة عافيتها إذا أبدى الطرفان استعداداً صادقاً للحوار، والاعتراف بالأخطاء، وتغيير السلوك، والاستعانة بوساطة حكيمة أو مختص في العلاقات الزوجية.

لكن المال، مهما بلغت قيمته، لا يستطيع وحده أن يعيد المودة أو يصلح ما أفسده غياب الاحترام والثقة.

زواج بلا مودة.. كيف ينظر الإسلام إلى العلاقة الزوجية؟

لم يجعل الإسلام الزواج مجرد ترتيب اقتصادي يضمن المسكن والنفقة وتقاسم المسؤوليات، بل وصف العلاقة الزوجية بقوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: 21).

فالسكن ليس مجرد سقف يجمع شخصين، بل طمأنينة وألفة ورحمة، ولذلك لا يكفي أن يستمر الزوجان في تقاسم النفقات إذا غاب الاحترام، وتعذر الحوار، وتحولت الحياة المشتركة إلى مصدر دائم للأذى، وبالتالي فإن تأجيل الطلاق بسبب المال لا يعالج غياب السكن والمودة اللذين تقوم عليهما الحياة الزوجية، وإنما يزيد من الوحدة والخوف داحل العلاقة الزوجية.

وفي المقابل، لا يعني فتور المشاعر بالضرورة أن الزواج فقَدَ فرصته في الاستمرار؛ فالعلاقات تمر بمراحل صعبة، وقد تتجدد المودة حين يبذل الطرفان جهدهما في الإصلاح، ويتعامل كل منهما مع مشكلات الآخر بصدق ومسؤولية.

ولهذا، يوجّه القرآن إلى معالجة النزاع قبل أن يستفحل، فيقول تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا) (النساء: 35)؛ فالوساطة الرشيدة قد تفتح باباً للإصلاح، شريطة أن يكون هدفها معالجة أسباب الخلاف ورفع الظلم وتقريب وجهات النظر، لا الضغط على أحد الطرفين لإبقائه في علاقة مؤذية مهما كانت الظروف.

متى يتحول المال إلى وسيلة للسيطرة؟

ثمة فرق بين زوجين يؤجلان الانفصال باتفاق واضح، ويعملان على ترتيب أوضاعهما المالية، وعلاقة يستخدم فيها أحد الطرفين المال لإخضاع الآخر أو منعه من المغادرة.

فقد يتخذ التحكم في الحسابات المصرفية، أو منع الطرف الآخر من العمل، أو حرمانه من الوصول إلى المال واحتياجاته الأساسية، صورة من صور الإساءة الاقتصادية، وتعرّف الحكومة البريطانية الإساءة الاقتصادية بأنها سلوك يؤثر سلباً في قدرة الشخص على الحصول على المال أو استخدامه أو الاحتفاظ به، أو الوصول إلى السلع والخدمات.

وتشير بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني إلى أن 2.7% من الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 16 عاماً فأكثر في إنجلترا وويلز تعرضوا للإساءة الاقتصادية خلال العام المنتهي في مارس 2025م.

في هذه الحالات، لا يعود المال مجرد عائق أمام الانفصال، بل قد يتحول إلى أداة لإبقاء أحد الطرفين في علاقة لا يستطيع مغادرتها بأمان، ومن ثم، لا ينبغي الخلط بين الصبر على المشكلات الزوجية وقبول الإيذاء، أو بين الحرص على الأسرة والتنازل عن الحقوق خوفاً من العجز المالي.

الإصلاح أم الانفصال.. أيهما يحفظ الأسرة؟

يحث الإسلام على الإصلاح بين الزوجين، لكنه لا يجعل بقاء الزواج غاية تبرر كل وسيلة، يقول الله تعالى: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: 229)، وينهى عن إبقاء الزوجة بقصد الإضرار بها، فيقول سبحانه: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُوا) (البقرة: 231).

فإذا بقيت فرصة حقيقية للإصلاح، كان من الحكمة أن يبذل الزوجان ما يستطيعان لإنقاذ ما بينهما، مع الاستعانة بمن يعينهما على تجاوز خلافاتهما، أما إذا تعذر استمرار الحياة الزوجية بالمعروف، فقد يكون الانفصال بإحسان، مع حفظ الحقوق وتقليل الأذى، أرحم من إطالة علاقة تستنزف الطرفين.

وإذا كانت الضغوط المالية العقبة الأساسية، فقد تساعد الاستشارة القانونية المبكرة، والوساطة، ووضع ميزانية واقعية، ومعرفة الحقوق المالية وخيارات السكن على اتخاذ قرار أكثر وعياً، ولا ينبغي اتخاذ قرار مصيري بناء على الخوف وحده، كما لا ينبغي التسرع في الانفصال دون فهم تبعاته، خاصة عند وجود أطفال أو التزامات مشتركة.

إن تأجيل الطلاق بسبب المال قد يمنح الزوجين وقتاً لترتيب أوضاعهما، أو فرصة أخيرة لإصلاح العلاقة، لكنه لا يضمن استعادة المودة، فالمسألة ليست فقط في القدرة على تحمّل تكلفة الانفصال، بل القدرة على التمييز بين زواج يمكن إصلاحه وآخر أصبح استمراره مصدراً للضرر.

فالزواج لا يُقاس بعدد السنوات التي يستمر فيها فحسب، بل بما يتحقق داخله من سكن ومعروف وإحسان، والمال قد يساعد الأسرة على تجاوز الأزمات، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع حياة زوجية سليمة.

الهوامش
  • 1 Divorces and dissolutions in England and Wales: 2024 and 2025
  • 2 Domestic abuse prevalence and trends, England and Wales: year ending March 2025
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة