الزواج المستقر.. كيف يكون بيت البداية هو بيت النهاية؟

مصطفى عاشور

16 سبتمبر 2026

63

الزواج المستقر.. كيف يكون بيت البداية هو بيت النهاية؟

أصبح الزواج قراراً شديد الصعوبة للشاب والفتاة على السواء، وبات محاطاً بكثير من الأخطار، والالتزامات المرهقة، والتجارب المحبطة التي تطفو أخبارها على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

الزواج يشهد أزمات عميقة عالمياً، من أبرزها: التراجع الملحوظ في معدلاته، مع ارتفاع سن الزواج، وانخفاض نسبة الخصوبة، كذلك ازدياد حالات الطلاق بشكل مخيف عالمياً، حيث زادت معدلات الطلاق خلال العقدين الماضيين بنسبة تزيد على 20%، ولم تقتصر الزيادة على المجتمعات الغربية، ولكن امتد شبحه للمجتمعات التي تتسم تقاليدها بالقوة والحضور في الواقع الاجتماعي، مثل المجتمعات المسلمة، ومجتمعات شرق آسيا.

ولكن بعيداً عن حالة القضم التي تشهدها الأسرة عالمياً سواء بتراجع الزواج المتزامن مع الارتفاع الكبير في معدلات الطلاق، قد يكون من المفيد أن نطرح هنا فكرة إيجابية حول كيف يكون بيت البداية هو بيت النهاية؟ أو كيف نحقق الاستقرار في الزواج رغم ذلك الواقع المعاند للميثاق الغليظ كما وصفه القرآن الكريم؟

كيف نصل لزواج مستقر؟

الوصول لزواج مستقر في ظل هذا الطغيان المادي والرقمي، يتطلب جهداً واعياً، وتصحيحاً للتصورات على الحياة الزوجية وشريك الحياة، ووجود أسس لإدارة الخلاف الزوجي، وإمداد ذلك البيت بمنظومة قيم حقيقية تمكنه من الصمود والاستمرار.

ومن الخطوات المهمة للوصول للزواج المستقر، هي:

1- إصلاح التصورات عن الزواج وشريك الحياة:

من أكبر العقبات التي تعترض مفهوم الزواج في العقدين الأخيرين تغير التصورات عن الزواج، وتحويله إلى نوع من الشراكة المرتكزة على الحقوق والواجبات القانونية وليس كونه علاقة إنسانية مرتكزها التواد والتراحم.

فالتصورات المحشورة في أذهان الفتيات والشباب مقلقة بشأن الزواج؛ إنشاء واستمراراً، لأنها إما تصورات رومانسية للغاية منفصلة عن الواقع، تتخيل الزواج وشريك الحياة أنه منقذ، وأن الحياة الزوجية لحظة متعة دائمة، وأن الزواج لحظة إشباع وليس انتقالاً إلى حياة جديدة مصيرية ترتبط بالتزامات متنوعة ولا يمكن التنصل منها بسهولة، وأنها التزامات مرهقة، وتتطلب تضحيات، وتغاضيَ عن أخطاء وتقصير.

2- الاستقلال عن الخارج:

استقلال البيت ضرورة لاستمراره، ومن دون هذا الاستقلال سيظل البيت مرهوناً لأمزجة الخارج وتدخلاتهم، ومن أهمها الفطام عن تدخلات الأم، فمن التصورات الخاطئة أن يظن الشاب أن الزوجة هي البديل الآمن للأم، وأن عليها أن تعطي بلا مقابل، أو أن تظل هيمنة الأم مستمرة على الزوج.

وهي ظاهرة ناقشها علم النفس وأطلق عليها مصطلح «التشابك الأمومي» الذي يصف علاقة الارتباط العاطفي المفرطة وغير الصحية بين الزوج ووالدته، أو بين الزوجة ووالدتها، حيث تتداخل الحدود النفسية والخيارات الحياتية بينهما بشكل يلغي استقلالية الزوج أو الزوجة؛ ما ينعكس على الزواج، ويجعل البيت مرهوناً بخيارات طرف ثالث خارجي.

وقد ناقش هذه المشكلة عالما النفس كينيث إم آدامز، وألكسندر بي مورغان، في كتابهما «عندما يكون متزوجاً من أمه»، وهو دليل نفسي واجتماعي وإرشادي يقدم نصائح للزوجة لتخليص زوجها من سيطرة الأم، نظراً لأن الحضور الخفي والعلني للأم في بيت الزوجية يؤثر سلباً على البيت في أغلب الأحيان، فالأم قد تكون حاضرة بنفوذها الجلي الواضح المهيب، وقد تكون حاضرة في اللاوعي عندما يتصور الزوج أن تمنحه الزوجة عطاء الأم الفياض بلا أي حقوق أو التزامات، حيث يُسقط الزوج توقعاته واحتياجاته على الزوجة تصوراً منه أنها أمه.

وهو ما حذر منه مايكل غوريان، الفيلسوف الاجتماعي الأمريكي، في كتابه «الحضور الخفي: كيف تؤثر علاقة الرجل بأمه على جميع علاقاته بالنساء؟»، حيث أرجع جزءاً من تلك المشكلة إلى التنشئة الأسرية؛ فعندما يشاهد الابن تجاهل الأم لدور الأب أو لأدوار الرجال عموماً، من الصعب أن يجد ذلك الصبي مكانه في العالم من دون الرجوع إلى أمه ومساندتها؛ لذا، يبقى عالقاً في مرحلة انتقالية قد تمتد إلى مرحلة الزواج وهو ما يؤثر على استمرار البيت.

وفي كتابها «لو تغير زوجي لكنت سعيدة» للكاتبة روندا ستوب، ناقشت تصورات الفتيات الخاطئة عن الزواج، ومن النصائح التي طرحتها رفض تصديق الكذبة القائلة بأنك ستكون أسعد حالاً بالزواج من شخص آخر.

3- تعلم الرضا وسط الصعوبات المالية:

وربما تلك الفكرة التي طرحتها ستوب تحتاج إلى توضيح، فعند ربط السعادة الزوجية واستمرار الزواج بالعوامل المالية، فإن الضريبة ستكون عدم الاستقرار الزوجي، ونقل مفهوم السعادة ليقتصر على الأشياء المادية، أو أن يؤدي ذلك إلى استغراق الزوج في عمل متواصل للوصول إلى حد الإشباع الاستهلاكي والإنفاقي والرضا للزوجة، وهو ما يلتهم الحاجات العاطفية والنفسية في الزواج وربما يلغيها بالكلية.

4- تعلم التعامل مع الرغبات غير المحققة:

وهو لا يعني الاستسلام لليأس، أو الدخول في صراع، ولكن يعني إدارة الموقف بمرونة، والبحث عن حلول وسط، أو حتى تأجيل تحقيق رغبات لظروف أفضل، هذا التعلم يخفف من هوس التعلق ببعض الرغبات، وعدم تحويل الموقف إلى ذريعة لإنهاء الزواج.

5- النضج العاطفي:

النضج يشير إلى الاستواء والجودة، وهو يعني إدارة العواطف بحكمة، وتفهم مشاعر الطرف الآخر، والتعامل معها بعيداً عن الغضب والمخاصمة والعنف؛ لأن النضج يعني تحمل المسؤولية، والقدرة على الاستيعاب الواعي للخلافات والأزمات، وتفهم طبيعة الفوارق والاختلافات بين المرأة والرجل في المشاعر والاحتياجات، ومن النضج ألا يعتمد شريك الحياة على الطرف الآخر بشكل كلي لتحقيق سعادته وأحلامه.

6- عدم البحث عن السعادة في المكان الخطأ:

عندما تصطدم التصورات المثالية عن الزواج ببعض المشكلات في الواقع، أو إذا فقد شريك الحياة بعض التألق والجاذبية الذي كان موجوداً في البدايات الأولى للزواج، فإن البعض يبحث عن سعادته في مكان آخر غير البيت، قد يكون في طريق محرم شرعاً، أو في الاستغراق في العمل باعتباره بديلاً يخفف معاناة فقدان الشغف في الزواج، أو في مجتمعات الأصدقاء، أو في تعدد الزيجات.

لكن هذا البحث لا يكون غالباً في المكان الصحيح؛ لأن من لا يستطيع أن يصنع السعادة في بيته، يكون من العسير أن ينشئها في مكان آخر، وإن حقق نجاحات في الخارج يظل مكان البيت شاغراً في وجدانه.

7- الانعتاق من مغالطة التغيير:

يظن البعض أن الزواج مؤسسة للإصلاح والتغيير والتهذيب، لكن تلك المغالطة تخلق عدم استقرار في البيت، وهو ما يفرض ابتداءً إحسان الاختيار قبل الزواج، ثم التحلي بخلق الإعراض عن بعض الأخطاء البسيطة والأشياء غير المقبولة وتركها للزمن الطويل والتدرج لتحسينها أو تغييرها.

لذا، يجب ألا ييأس أحد الزوجين من إصلاح الآخر أو تعديل سلوكه، لكن يجب ألا يكون انشغاله وهمه الأكبر التغيير؛ لأن ذلك صعب التحقق السريع، فالبيت الناجح والزواج المستمر قائم على التسامح والتغافر والتغاضي وعدم تضخيم المشكلات.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة