عداوة الشيطان للإنسان وهدفه منها

سعد الحلاج

27 أكتوبر 2026

130

عداوة الشيطان للإنسان وهدفه منها

تفاقمت عداوة الشيطان للإنسان حتى شملت ذرية آدم في كل أطوار حياتهم، ولم يسترح منها الإنسان حتى عند موته وهو مقبل على آخرته، وكذا لا يدع الشيطان أتباعه من شره وأذيته لهم حتى في جهنم، وبيان ذلك:

1- عداوته للإنسان عند الاحتضار:

عند الاحتضار ونزول الموت لا يترك الشيطان الإنسان في سكراته وآلامه، وإنما ينتهز هذه الفرصة، لعله يضل ذلك الإنسان أو يزيده ضلالًا، مستغلًا هذا الظرف العصيب الذي يحيط بالإنسان؛ (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ {97} وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) (المؤمنون).

وعن أبي اليسر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو: «الَّلهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَدمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ التَرَدِّي، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الغَرَقِ وَالحَرَقِ وَالهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَن يَتَخَبَّطَنِي الشَّيطَانُ عِندَ المَوتِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَن أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدبِرًا، وَأَعُوذُ بِكَ أَن أَمُوتَ لَدِيغًا»(1).

قال الخطابي: استعاذته صلى الله عليه وسلم من تخبط الشيطان عند الموت، هو أن يستولي عليه الشيطان عند مفارقته الدنيا؛ فيضله ويحول بينه وبين التوبة، أو يعوقه عن إصلاح شأنه والخروج من مظلمة تكون قِبَله، أو يؤيسه من رحمة الله تعالى، أو يكره الموت ويتأسف على حياة الدنيا، فلا يرضى بما قضاه الله من الفناء، والنقلة إلى دار الآخرة، فيختم له بسوء، ويلقى الله وهو ساخط عليه.

وقد روي أن الشيطان لا يكون في حال أشد على ابن ادم منه في حال الموت، يقول لأعوانه: دونكم هذا، فإنه إن فاتكم اليوم لم تلحقوه بعد اليوم(2).

2- عداوة الشيطان للإنسان في جهنم:

وأما عن عداوته في جهنم، فتلك القاصمة، حيث لا يملك الكافر أن يرد على الشيطان طعنته، ولا يستطيع أن يسترد كرامته وأنى له ذلك، وقد قُضي الأمر، ودخل المؤمنون الجنات، وتهاوى الكافرون في الدركات، وإذا بالشيطان اللعين، يقف على منبر من نار، خطيباً لأهل جهنم، فيسمعه أهل النار جميعاً؛  فبئس الخطيب، وبئس السامعون، إنه يخطب فيهم، ليزيدهم حسرة على حسرتهم، وحزناً على حزنهم، وتعاسة فوق تعاستهم، عندما يذيقهم جرعات اللوم والعتاب، جرعة تلو الجرعة، ويعلن لهم عن وتنصله، وبراءته.

قال تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم) (إبراهيم: 22).

إن الشيطان يشعر بألم اللعنة، ومرارة الطرد من الجنة، وهو لهذا يحاول أن يذوقها معه غيره، ليخفف بذلك عن نفسه ألم الانفراد باللعن والطرد، والعذاب والنكال، وهكذا يريد الشيطان أن يأخذ من الإنس جنوداً وأعواناً، لإعانته على مهمته، ثم بعد ذلك يتبرأ منهم في نار السعير؛ (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (فاطر: 6).

وغايته وهدفه الذي أوقف عليه حياته أن يصيب الإنسان بالغفلة، التي تشمل المعاصي كبيرها وصغيرها؛ (وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ) (الأعراف: 205)، وتنحصر صور الغفلة في 6 أجناس هي مراد إبليس اللعين من الإنسان:

1- الكفر: إنه يريد أن يرى الناس كلهم كفرة مشركين بالله، جاحدين لنعمه الظاهرة والباطنة، فإن ظفر بذلك شفى غليله، وبرد أنينه، وشعر بالرضا، وصار ذلك الكافر من جنده وأعوانه.

2- البدعة: فإن لم يستجب الإنسان لما طلب من الكفر والشرك، حاول إيقاعه في البدعة؛ وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي؛ لأن ضررها في نفس الدين، وسريعة الانتشار بواسطة الغافلين.

3- الكبيرة: فإن لم يستطع الشيطان إيقاع الإنسان في البدعة، أمره بفعل كبيرة تمهيداً لنقله إلى البدعة، ثم إلى الكفر إن استطاع.

4- الصغيرة: فإن لم يستطع أن يدرجه ضمن فاعلي الكبيرة ومرتكبيها، أمره بفعل الصغائر، التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها، فمعظم النار من مستصغر الشرر وعظيم الأنهار من قطرات المطر.

5- الانشغال بالمباحات: فان أعجزه ذلك ولم يستطع إدخال الإنسان في الصغائر شغله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب؛ بل عقابها فوات الثواب الذي ضاع بسبب اشتغاله بها.

6- الانشغال بالمهم عن الأهم: فإن لم يستطع إشغاله بالمباحات، شغله بالمهم عن الأهم، وبالمفضول عما هو أفضل منه، ليزيح عنه الفضيلة، ويفوته ثواب العمل الصالح.

وقد يتنبه العبد لذلك، ويفوت على الشيطان ذلك المطلب، هنا يسلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع من الأذى والتسلط(3)، يقصد بذلك إخماده وإطفاءه، وتشويش قلبه ليمنع الانتفاع به، فحينئذ على العبد أن يلبس ملابس الجهاد، ولا يضعها عنه حتى الموت، فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله.

الهوامش
  • 1 رواه أبو داود (1552)، وصححه الألباني.
  • 2 عون المعبود، المباركفوري (4/ 287).
  • 3 انظر: مدارج السالكين، ابن القيم (1/ 244 – 248).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة