العدو الخفي والصراع الأبدي (1)

عداوة الشيطان للإنسان.. مظاهرها وخصائصها

سعد الحلاج

11 أغسطس 2026

157

صورة تعبيرية بها عنوان المقال "عداوة الشيطان للإنسان.. مظاهرها وخصائصها"، كما تحتوي على اسم الكاتب "سعد الحلاج"

عداوة الشيطان للإنسان.. مظاهرها وخصائصها

إن الشيطان قد حقد على آدم عليه السلام قبل أن تُنفخَ فيه الروح، بما فيه من نفسٍ خبيثةٍ أمارة بالسوء، ووجوده وسط الملائكة، وسط هذا العالم النظيف لم يغير من طباعه شيئاً، ولم يخرجه من خبثه قليلاً أو كثيراً، وهو كما يقول الشاعر:

إذا كان الطباعُ طباعَ سوءٍ      فلا أدبٌ يفيد ولا أديبٌ

فالطبع يغلب التطبع، والشر عنده مقدمٌ على الخير، وإن أحسنت فقل: إنه قد عُدم الخير وأصبح شراً محضًا، فقد جعل من نفسه عدوًا لمخلوق لم يتم خلقه بعد.

وأول مظهر من مظاهر تلك العداوة، أنه أمر بالسجود لآدم فلم يسجد، بل زاد في عناده، وعدائه، مبررًا خطأه قائلاً: (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا) (الإسراء: 61).

خصائص عداوة الشيطان وسماتها

لقد اتسمت عداوة الشيطان للإنسان بعدة سمات وخصائص، أبرزها ما يلي: 

أولاً: شدة العداوة:

ومما يدل على أنها عداوة شديدة، وحقد أسود، قد بلغ الدرك الأسفل وتعداه؛ أنه خالف اللهَ خالقَه ورازقَه، بسبب تلك العداوة، فقد كان من الممكن أن يسجد طاعة لله، مستجيباً لأوامره، وهو في الوقت نفسه، كاره لآدم عليه السلام، وحاقد عليه، ولكن شدة العداوة أعمته، فلم ير نور الله، وطمست عليه فأنسته جلال أمره، فعصاه، فكان من الغاوين.

ومما يدل كذلك على شدة عداوته، أن الله أكـدها لآدم وزوجه فقال: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) الأعراف: 22)، وفرق بين قول الله: «إنه عدو»، وأن يقول الإنسان: «إنه عدو»، فشتان بين العداوتين، فالفرق بينهما كالفرق بين الخالق والمخلوق، والعابد والمعبود.

ثانياً: استغراق عداوته لأدم وذريته:

وليتها اقتصرت على آدم وزوجه، وانحصرت فيها، إذن لهان الأمر، لكنها اتسعت لتشمل جميع أفراد الجنس البشري وكل ذرية آدم على الإطلاق قال سبحانه: (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) (الإسراء: 53).

بل امتدت لتستغرق أطوار الفرد الواحد، فتظهر العداوة عند التقاء الرجل بالمرأة، وتظهر عند الولادة والوضع، وتزداد طيلة حياته، بل لا يتركه حتى عند الموت، والأنكى من ذلك أنها لا تزول حتى في جهنم:

1- عداوته عند التقاء الرجل بالمرأة:

فعند التقاء الرجل بالمرأة يحاول الشيطان مشاركته في ذلك، فقد روى عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: (وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ) (الإسراء: 64) أنه إذا جامع الرجل امرأته ولم يسمِّ انطوى الجان على إحليله فجامع معه، فذلك قوله تعالى: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) (الرحمن: 56)(1).

وفي سنن أبي داود عن عائشَةُ قالتْ: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلْ رُئِي فيكُمُ المُغرِّبونَ؟!»، قُلتُ: وَما المُغرِّبونَ؟ قال: «الَّذينَ يَشترِكُ فيهمُ الجِنُّ»(2) (إسناده ضعيف).

ولذلك كان الهدي النبوي: «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدّر بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا»(3).

وقد يوقع الإنسان في الزنى، فتكون البداية الأولى للجنين على غير ما أراد الله، جاء في تفسير ابن كثير: وَقَوْلُهُ: (وَالأولادِ) قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ: يَعْنِي أَوْلَادَ الزِّنَى(4).

وهكذا يريد الشيطان أن يعبث بالإنسان وهو نطفة إما بمشاركة أبويه في النكاح، وإما عن طريق الزنى.

2- عدواته عند الولادة:

وعند الولادة تظهر عداوة الشيطان في محاولته طعن الوليد في جنبه بإصبعه أو مسه فيصرخ الوليد وهو ما زال بريئاً لم يقدم سوءاً ولم يقترف ذنباً، فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ»(5).

وروى البخاري عن أبي هريرة قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «ما مِن بَني آدَمَ مَولودٌ إلَّا يَمَسُّه الشَّيطانُ حينَ يولَدُ، فيَستَهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيطانِ، غيرَ مَريَمَ وابنِها»، ثُمَّ يقولُ أبو هُرَيرةَ: (وإنِّي أُعيذُها بكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ) (آل عمران: 36)(6)، فماذا فعل هذا المولود للشيطان حتى يسيء إليه؟!

3- عداوته للإنسان في فترة حياته:

أما عن عداوة الشيطان للإنسان في فترة حياته، فإنها تأخذ صورًا شتى وطرائق عدة، فمنها ما هو مادي يؤذي البدن ويضنيه، وما هو نفسي يميت القلب ويرديه.

ومن صور الإيذاء البدني فترة حياة الإنسان:

أ- أنه يتسبب في إحراق المنازل:

وذلك بواسطة بعض الحيوانات التي يغريها بذلك، ففي سنن أبي داود عن ابن عباس قال: جاءَت فَأْرَةٌ فأَخَذَتْ تَجُرُّ الفَتِيلةَ، فجاءت بها فأَلْقَتْها بين يدي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم على الخُمْرَةِ التي كان قاعدًا عليها، فأَحْرَقَتْ منها مثلَ موضعِ الدرهمِ، فقال: «إذا نِمْتُم فأَطْفِئُوا سِرَجَكم؛ فإن الشيطانَ يُدُلُّ مثلَ هذه على هذا فتُحْرِقَكم»(7).

وحتى لا نتعرض لعبث الشيطان وإفساده، يأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «غَطُّوا الإناءَ، وأوكوا السِّقاءَ، وأغلِقوا البابَ، وأطفِئوا السِّراجَ؛ فإنَّ الشَّيطانَ لا يَحُلُّ سِقاءً، ولا يَفتَحُ بابًا، ولا يَكشِفُ إناءً، فإن لَم يَجِدْ أحَدُكُم إلَّا أن يَعرُضَ على إنائِه عودًا، ويَذكُرَ اسمَ اللهِ، فليَفعَلْ؛ فإنَّ الفُوَيسِقةَ تُضرِمُ على أهلِ البَيتِ بَيتَهم»(8).

وعن جابر أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أغلِقوا الأبوابَ وأوْكوا السِّقاءَ وخمِّروا الإناءَ وأطفِئوا المصباحَ فإنَّ الشَّيطانَ لا يفتَحُ غَلَقًا ولا يحُلُّ وِكاءً ولا يكشِفُ إناءً وإنَّ الفُوَيْسقةَ تُضرِمُ على النَّاسِ بيتَهم»(9).

وكذلك يأمرنا بالتكبير عند رؤية الحرائق، فإن التكبير يطفئ النار، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتُم الحرِيقَ فكَبِّرُوا، فإِنَّه يُطْفِئُ النارَ»(110).

قال صاحب «فيضالقدير» مبينًا سر الأمر بالتكبير: وسره أنه لما كان الحريق بالنار، وهي مادة الشيطان التي خلق منها، وكان فيه من الفساد العام ما يناسب الشيطان بمادته، وفعله، كان للشيطان إعانة عليه، وتنفيذ له، وكانت النار تطلب بطبعها العلو، والفساد، والعلو في الأرض والفساد هما هدي الشيطان، وإليهما يدعو، وبهما يملك ابن آدم، فالنار والشيطان، كل منهما يريد العلو والفساد، وكبرياء الرب تقمع الشيطان وفعله، فمن ثم كان التكبير له التأثير في إطفاء الحريق، فإنه كبرياء الله، لا يقوم لها شيء، فإذا كبر أثر تكبيره في خمودها، قال بعض القدماء: وقد جربناه فصح(11).

الهوامش
  • 1 انظر: تفسير الطبري (23/ 65)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (5777).
  • 2 أخرجه أبو داود (5107) وضعفه الألباني.
  • 3 صحيح البخاري (141).
  • 4 تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (3/ 50).
  • 5 صحيح البخاري (3162).
  • 6 المرجع السابق (3431).
  • 7 سنن أبي داود (5247)، وصححه الألباني.
  • 8 صحيح مسلم (2012).
  • 9 صحيح البخاري (3316).
  • 10 ضعيف الجامع، الألباني (505).
  • 11 فيض القدير: المناوي، ص 361.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة