ضاع عمره وما أنجز هدفاً.. فما السبب؟!

تصوير يرمز الى ضياع العمر دون تحقيق الهدف

ضاع عمره وما أنجز هدفاً..

لو أردتَ أن تحرم إنسانًا الانتفاع بعمره وطاقته، فماذا تفعل؟ هل تحتاج إلى أن تمنعه من العمل، أو تسلبه قدراته، أو تحول بينه وبين الفرص المتاحة له؟ أم يكفي أن تشغله بما لا ينفع، وتملأ نفسه بالخوف والتردد، وتجعله يؤجل ما يستطيع فعله اليوم إلى غدٍ لا يأتي؟

يقودنا هذا السؤال التأملي إلى حقيقة تستحق الانتباه: قد لا يُحرَم الإنسان ثروته الحقيقية بفقدان ما يملك، وإنما بانصرافه عن الانتفاع بما لديه، فقد تتوافر له الصحة والعافية، ويملك من الوقت والطاقة ما يكفي لإنجاز أعمال نافعة، لكنه ينفقهما في عادات صغيرة متكررة، واهتمامات متفرقة، ومخاوف متضخمة، حتى تمضي الأيام ولا يكاد يجد من آثارها ما يتناسب مع ما استهلكته من عمره.

وليس هذا المعنى بعيدًا عن الهَدْي النبوي؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ»(1)؛ والمغبون هو من خسر في معاملته ولم يدرك قيمة ما كان في يده، وكأن الحديث ينبهنا إلى أن الإنسان قد يملك من أسباب الانتفاع بحياته ما لا يقدّر قيمته إلا بعد أن يفقده؛ حين تضعف صحته، أو تضيق أوقاته، أو تتغير ظروفه، فيتمنى لو عاد إليه بعض ما كان متاحًا له من قبل.

1- أول ما يعطّل الانتفاع بالعمر أن يُستبدل الانشغال الدائم بالعمل النافع؛ فقد يمضي الإنسان ساعات طويلة في التنقل بين الأخبار والمقاطع والرسائل، ويتابع تفاصيل لا تضيف إلى علمه أو عمله أو علاقاته شيئًا ذا قيمة، ثم يشعر في نهاية يومه بالإرهاق، فيظن أنه أنجز كثيرًا لمجرد أنه بذل وقتًا وجهدًا، غير أن التعب ليس دليلًا كافيًا على الإنجاز، وكثرة الحركة لا تعني بالضرورة إحراز تقدم.

فقد تستنزفنا أعمال كثيرة من غير أن تقرّبنا من مقصد نافع، وقد يكفي عمل قليل متقن ليترك أثرًا أبقى من ساعات طويلة تبددت في التشتت.

2- ويأتي تقديم اللذة العاجلة على المنفعة الممتدة ليزيد الأمر رسوخًا، فقراءة كتاب تحتاج إلى صبر، وتعلّم مهارة يحتاج إلى تكرار، وإصلاح عادة يحتاج إلى مجاهدة، أما الترفيه السريع فلا يطلب من الإنسان إلا أن يستسلم لما تقدمه له اللحظة.

وليس في الترويح عن النفس عيب، بل قد يكون ضرورة لاستعادة النشاط، لكن الخلل يبدأ حين تصبح المتعة العاجلة هي الأصل الذي تُزاحم من أجله سائر الأعمال، فلا يبقى للواجب إلا ما يتبقى من الوقت والطاقة، وغالبًا لا يتبقى منهما ما يكفي.

3- ومن أبواب التعطيل كذلك الخوف الذي يتنكر في صورة الحيطة، والتردد الذي يتنكر في صورة الحكمة، يخشى المرء أن يبدأ فلا يتقن، أو أن يجرب فيفشل، أو أن يبذل جهده ثم لا يبلغ النتيجة التي يرجوها، فيظل يستعد، ويجمع المعلومات، ويعيد التفكير، وينتظر أن تستقر الظروف وتكتمل أدواته.

وقد يكون التخطيط حسنًا في بدايته، لكنه ينقلب إلى وسيلة للهروب من التنفيذ حين لا ينتهي إلى خطوة عملية، وهكذا يصبح الحرص على ألا يقع الإنسان في الخطأ سببًا في حرمانه من فرص التعلم والنضج، بل قد يفقده القدرة على المحاولة نفسها.

4- أما التسويف، فضرره أعمق من مجرد تأخير الأعمال؛ لأنه قد يتحول إلى طريقة في التعامل مع الحياة، كلما واجه الإنسان عملًا يحتاج إلى جهد، أجّله إلى وقت يشعر فيه بنشاط أكبر أو استعداد أفضل، ثم يأتي ذلك الوقت فينشغل بشيء آخر، ومع تكرار التأجيل، لا تتراكم الأعمال وحدها، بل تتراكم أيضًا خيبة الإنسان من نفسه، وتتراجع ثقته بقدرته على الوفاء بما يعزم عليه.

وقد يصبح التردد في البدء أشد مشقة من العمل ذاته، لأنه يستهلك التفكير والطاقة من غير أن يضع الإنسان على طريق الإنجاز.

5- وتزداد الخسارة حين يربط الإنسان حياته كلها بظروف خارجية لا يملك التحكم فيها، فقد ينشغل بما فاته، أو بما يفعله الآخرون، أو بما يظنه الناس فيه، أو بما يفتقر إليه من إمكانات، حتى يغفل عن السؤال الأجدى: ما الذي أستطيع فعله بما أملكه الآن؟

وليس المقصود أن يتجاهل المرء العوائق الحقيقية، أو أن يحمل نفسه مسؤولية كل ما يقع له، وإنما أن يميز بين ما يحتاج إلى معالجة، وما لا يستطيع تغييره، وألا يجعل الثاني ذريعة لإهمال الأول.

وفي هذا المعنى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ»(2)؛ تجمع هذه الوصية بين تحديد جهة السعي، والاستعانة بالله، ومقاومة العجز؛ فلا يكفي أن ينشغل الإنسان بالحركة، بل ينبغي أن يتجه إلى ما ينفعه، ولا تكفي معرفته بما ينفعه إن تركه للعجز والتردد، كما أن الاستعانة بالله تضع السعي في موضعه الصحيح؛ أخذ بالأسباب من غير اغترار بالنفس، وتوكلٌ من غير اتكال، وقبولٌ لما لا يُدفع من غير تفريط فيما يمكن إصلاحه.

ومما ينبغي التنبه له أن الانتفاع بالعمر والطاقة لا يعني تحويل الحياة إلى سباق متواصل من الإنتاج، ولا أن يكون المرء في محاسبة مرهقة لنفسه مع كل ساعة يقضيها، فالراحة حاجة، والنوم ضرورة، وصلة الأهل والأصدقاء من مصالح الحياة، والتأمل الهادئ قد يكون أنفع من عمل كثير، إنما المعيار هو أن تكون هذه الأمور في مواضعها، وألا تتحول الراحة إلى هروب دائم من المسؤولية، ولا العمل إلى استنزاف يهدم الصحة، ولا الترفيه إلى عادة تستولي على الوقت كله، فالمقصود إحسان الانتفاع بالعمر، لا استهلاكه باسم الإنجاز.

وتتأكد أهمية هذا المعنى حين نتذكر أن العمر ليس موردًا يُقاس مقداره بما مضى منه وحده، وإنما بما فعلناه فيه أيضًا، قال تعالى: (وَالْعَصْرِ {1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) (العصر)؛ ثم استثنى الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق والصبر، فالنجاة من الخسران لا تقوم على مجرد مرور الأيام، وإنما على ما يعمرها من إيمان وعمل صالح وحق وصبر.

ولذلك، من المفيد أن يسأل الإنسان نفسه من حين إلى آخر: ما الذي يستهلك طاقتي من غير عائد نافع؟ ما العمل الذي أعرف أهميته ولا أزال أؤجله؟ وأي عادة اعتدتُها حتى غفلت عن ثمنها؟ ثم يختار خطوة محددة يمكنه البدء بها، بدل أن يكتفي بالندم على ما مضى أو التخطيط لما سيأتي.

فقد لا يستطيع المرء أن يستعيد أيامًا انقضت، لكنه يستطيع أن يغيّر طريقة إنفاق ما بقي منها، ولا يملك أن يضمن النتائج التي يسعى إليها، لكنه يستطيع أن يحسن توجيه وقته، وصيانة طاقته، واختيار ما يستحق جهده.

إن الخسارة الكبرى ليست أن يعجز المرء عن بلوغ غاية بعينها؛ بل أن تمضي حياته وهو قادر على غايات نافعة، لكنه يظل يؤجلها أو يستهين بها لأجل سراب الكبيرة، حتى يعتاد الفجوة بين ما يتمنى وما يفعل، أما استدراك ذلك فيبدأ باليقظة لقيمة العمر، ثم بحسن توجيه الطاقة، ثم بالعمل الممكن في الوقت الحاضر؛ فالحياة لا تُعمَر بالنوايا وحدها، وإنما بما نبذل فيها من أعمال تصدّقها، وكما قال المتنبي:

لَولا المَشَقَّةُ سادَ الناسُ كُلُّهُمُ      الجودُ يُفقِرُ وَالإِقدامُ قَتّالُ(3)

الهوامش
  • 1 رواه البخاري، كتاب الرقاق (6412).
  • 2 رواه مسلم، كتاب القدر (2664).
  • 3 من القصيدة اللامية ومطلعها: لا خَيلَ عِندَكَ تُهديها وَلا مالُ فَليُسعِدِ النُطقُ إِن لَم تُسعِدِ الحال
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة