العنوان معادن الناس بين الصبر وحوادث الأيام
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 09-أكتوبر-2004
مشاهدات 81
نشر في العدد 1622
نشر في الصفحة 41
السبت 09-أكتوبر-2004
معادن الناس بين الصبر وحوادث الأيام
الناس معادن كمعادن الذهب والفضة والحديد، يخالط الإيمان المعادن النفيسة، فيزيدها لمعاناً وصلابة وجمالاً، وتأتي المواقف العصيبة والكوارث الشديدة، فتكشف عن أصلها الرائع ومادتها القيمة، وتمر بها الحوادث الجسام فتظهر أريجها الفواح وعبقها الندي وعطرها الجميل، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: «تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»
فإذا جد الجد وعزم الأمر، وتلبدت الأجواء واكفهرت الأيام، تمايزت معادن الناس، وظهر بريق هذا، وخبا لمعان ذاك، وتباينت المواقف، فظهرت رجولات صلبة وعزائم شامخة، وهامات سامقة وتوارت رسوم وهياكل لأناس تعجبك أجسامهم ﴿وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ كَأَنَّهُمۡ خُشُبٞ مُّسَنَّدَةٞۖ يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡۚ هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ(4)﴾ (المنافقون) وانحدار هذا الصنف يكون لعنة على أمته وزمانه والمعادن والجواهر الكريمة لها زاد تتغذى عليه، ولها وقود تضاء به، حرص القرآن الكريم والسنة المطهرة على تقديمه للمسلم حتى يظل متوهجاً مضيئاً، وصلباً كريماً، ومفكراً نجيباً.
وأول هذا الزاد الصبر الجميل الصادق الذي يوفي بالعهود، ويقف كالطود الراسخ أمام الحوادث وقد عناه ربنا سبحانه في قوله: ﴿وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ 177﴾ (البقرة).
والصبر قيمة وزاد، وقوة وعطاء عرفه العلماء بتعريفات عدة كلها تحمل هذه المعاني، فقال المناوي: الصبر: «قوة مقاومة الأهوال والآلام الحسية والعقلية».
وقال الراغب: «الصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع». (1)
وقد يطلق الصبر على مسميات عدة بحسب وروده في الأحوال: فإن كان حبس النفس لمصيبة، سمي صبرًا، وإن كان في محاربة، سمي شجاعة، وإن كان في إمساك الكلام سمي كتمانًا، وإن كان عن فضول العيش سمي زهدًا وإن كان عن شهوة الفرج سمي عفة، (۲) هذا، وقد ذكر الله سبحانه الصبر في كتابه في أكثر من تسعين موضعاً، وقرنه بالصلاة في قوله تعالى: ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ 40﴾ (البقرة). وجعل الإمامة والريادة موروثة عن الصبر واليقين فقال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ 24﴾ (السجدة).
وسئل الشافعي رضي الله عنه فقال: «يا أبا عبد الله أيهما أفضل للرجل أن يمكن فيشكر الله عز وجل، أو يبتلى بالشر فيصبر؟ فقال الشافعي: لا يمكن حتى يبتلى، فإن الله تعالى ابتلى نوحاً وإبراهيم ومحمداً صلوات الله عليهم أجمعين، فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم ألبتة». (۳) هذا وقد أبان القرآن الكريم أن في الصبر الخير الكثير من ذلك.
(1) أنه دلالة استحقاق رضاء الله ودخول جنته وعلامة على صدق الإيمان، قال تعالي: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ 142﴾ (آل عمران).
﴿وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ 22﴾ (الرعد).
(2) اختبار وامتحان ليميز الله الخبيث من الطيب: ﴿لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ 186﴾ (آل عمران).
﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ 155﴾ (البقرة).
قد يكون الاختبار حصاراً اقتصادياً، وقد يكون حصاراً حربياً، في كل ذلك جوع وخوف ونقص في المال وفتنة للناس وتأليب لهم على المصلحين ولكن الصبر هو النجاة.. الصبر والعمل والكفاح والتعب في وسط هذه الأجواء الصعبة هو الخلاص.
(3) التغلب على كيد الأعداء بصبر الكفاح والجهاد والعمل قال تعالى: ﴿إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ 120﴾ (آل عمران).
فالقلوب الحاقدة، والتدبير السيئ لا يثبت أمام صبر الرجال وكفاحهم، نعم ستكون جراح ضحايا، ولكنهم يألمون كما نألم ويخسرون كما خسر ولكننا سنربح ولا يربحون، ونفوز ولا يفوزون، وصبر الإيمان لا يحد، وجهاد أصحاب العقائد لا ينكسر، وهذا هو الطريق الذي لا بديل عنه، والذي سار فيه العاملون المخلصون فانتصروا : ﴿وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 34﴾ (لأنعام)، ﴿فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: ٣٥).
والأمة اليوم تحتاج في تلك الأزمة الشرسة إلى الثبات والصبر الصادق الذي يزلزل الأعداء ويقوي السواعد، ويشد العزائم، ولئن كان المسلم مستباحاً اليوم أمام ترسانة الأسلحة المهولة التي لا قبل له بها، فإن كفاح الصابرين وثبات المجاهدين قد هز كيان الباغي وعصف باستقراره، فصار يهزي ولا يعقل، ويضرب ولا يعي، ويقصف ولا يفكر، كأنه ملتاث أو مجنون، وإن أمة تفتقد إلى كل شيء وضيعت كل شيء، يخرج منها اليوم قلة من المجاهدين الصامدين لا يهابون ولا يكترثون بهذا العدوان هنا وهناك ويستطيعون تغيير سياسات دول كبرى وتبديل مخططات وتوجهات قوى عالمية ويخوضون أعتى الأزمات في ظروف غاية في الصعوبة بكفاءة أربكت كل الأعداء وكل الحسابات، لهي أمة واعدة إن صبرت وصابرت وائتمرت بأمر ربها، ﴿فَٱصۡبِرُواْ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ بَيۡنَنَاۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ﴾.
الهوامش
(1) مفردات الراغب، ص527
(2) بصائر ذوي التمييز 3/383
(3) الفوائد لابن القيم، بتصرف
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل