مقاييس الفصاحة وجماليات البيان (1 - 3)
مفهوم الفصاحة ومعاييرها بين الموروث التراثي واللغة العصرية
ارتبط مفهوم
الفصاحة –لغويًّا واصطلاحيًّا– بالنقاء والظهور والوضوح، ولذا يقال: «يومٌ مفصحٌ»
إذا صفا جوه وخلا من الغبار، ويقال: «لبن فصيح» إذا أُخذتْ عنه الرغوةُ، فانكشف ما
تحتها، كما يقال: «أفصح الصبح» إذا بدا ضوء الشمس واستبان، ويقال للرجل: «أَفْصِح
عمَّا في نفسِكَ» أي: أظهر ما تخفيه من النوايا المـُضمرة.
مفهوم الفصاحة بين سلامة اللفظ وجمال التعبير
ومن المفارقة أن هذه الجمل التي استخدمناها لشرح
مفهوم الفصاحة باستثناء الجملة الأخيرة: «أفصح عمَّا في نفسك» ليست مما هو دارج في
لغتنا العصريّة؛ أو لنقل بمعنى آخر: ليست فصيحةً بمقاييس عصرنا؛ إذا أردنا
بالفصاحة: «الظهور والبيان»، فقد تجاوزت العربيّة الفصحى المُعاصرة هذه
الاستخدامات التاريخيّة ولا تسوغ للمتحدث العصريّ عبارة من قبيل: «يوم مفصح»، ولا
«لبن فصيح»، وإنما يقول في مثل هذه المعاني عبارات عصريّة من قبيل: «يومٌ مشرقٌ»،
و«لبن نقي»؛ على أنَّ العربيّة الفصحى المعاصرة قد استبقت دلالة مصطلح: الفصاحة
والإفصاح على ما يتعلق بأمور من قبيل: الوضوح والنقاء والظهور في اللغة والكلام؛
فمِن الكلمات التي ورثناها عن القدماء وهي تسوغُ وتحسنُ في لغتنا العصريّة قولهم:
«أفصح الرجل»، و«قال الرجل كلامًا فصيحًا»، و«تلك عبارة مُفصحة»، و«هذا رجل فصيح»،
وهي عبارات دارجة سيَّارة تتردد على مسامعنا في مواضع شتى، ونقرؤها في صحفنا
ومجلاتنا وكتبنا إلى يوم الناس هذا دون أدنى إنكار لها، ومثل هذه التعبيرات التي
نرددها في كلامنا المألوف الدارج لا تختلفُ معانيها كثيرًا عمَّا اصطلح عليه
البلاغيون في شأن تعريف الفصاحة؛ فالفصاحة عندهم –مهما اختلفت وتنوعت تعريفاتهم
لها– تكمنُ في: السهولة والجزالة والوضوح والسلاسة والظهور والبيان على مستوى
الكلمة المفردة، أو على مستوى الكلام المؤلف في مجموعه.
وهذا مما يجعلنا
نتساءل عما يمكن أن تحظى به صفة الفصاحة التي تتسم بها بعض الكلمات أو العبارات أو
الأبنية الأدبيّة من ديمومة أو تحول؛ فضلا عن طرح هذا السؤال عينه فيما يتعلق
بمعايير الفصاحة نفسها.
الفصاحة ضدّ الغموض
والمتكلمُ
يستطيعُ -إذا كان فصيحًا– أن يُظهرَ مراده من الكلام للمتلقي (سامعًا أو قارئًا)
بيسر وسهولة، وفي وسع الأديب الفصيح إبانةُ مقاصده في وضوح تام دون تكلّف أو تعقيد
أو غموض، وإنما سُمي الكلامُ الفصيح فصيحًا «لإعرابه عمَّا عبّر عنه، وإظهاره له
إظهارًا جليًّا» كما يقول ابن سنان الخفاجي في كتابه "سر الفصاحة": وهذا
الوصف ناجز على مستويات الفصاحة المتعددة، سواء أكانت كلمةً منفردةً فصيحةً، أو
كلامًا مؤلفًا فصيحًا (مسموعًا أو مقروءًا)، وقد يوصف به المـُتكلّم نفسه إذا كان
في وسعه التعبير بطلاقة ووضوح وجلاء عمَّا أراد من المعاني، وعندئذٍ يقال له:
«كاتب فصيح»، أو «خطيب فصيح».
شروط المفاضلة بين فصاحة الكلمات
أشرنا إلى أنَّ
الفصاحة تُوصف بها الكلمة المفردة، ويوصف بها الأسلوب أو الكلام، غير أنَّ
المفاضلة بين لفظتين منفردتين خارج السياق لتكون إحداهما جيدةً فصيحة وتكون الأخرى
نابيةً قبيحة إنما يكون من خلال ضابطين هما وحدة المعنى، ومدى مناسبة السياق.
1- وحدة المعنى:
المفاضلة في الفصاحة لا تقع بين الألفاظ
المختلفة المعاني، فليس في وسعنا أن نقول – مثلًا - إن كلمة: «طبيب» أفصح من كلمة:
«بئر»، إذ لا مجال للتفاوت بينهما في الدلالة على معنى مشترك، واعتمادًا على هذا
القياس المذكور قد يصح القول بأن كلمة «الطبيب» أفصح من كلمة: «النطاسيّ»؛ لأن هذه
الأخيرة كلمة مجهولة وغير شائعة، وقد لا يفهمها الكثيرون على الأخص في لغتنا
العصريّة، وأحسب أن كلمة: «خادم» أفصح –في لغتنا العصريّة- من كلمة: «خدَّام»؛ لأن
هذه الكلمة الأخيرة قد ابتذلها العوام وأشاعوها في لغتهم الدارجة؛ وإن صحَّت
لغويًّا.
2- مناسبة السياق:
قد تكون الكلمة
فصيحةً بديعةً خارج السياق، لكنها قد توضع في سياق معين فتبدو فيه غير فصيحة؛
لأنها لا تتناسب مع المعنى العام المقصود داخل هذا السياق تحديدًا، ونضرب لذلك
مثلًا بكلمة: «جثمان»، وهي كلمة فصيحة جيدة لا غبار عليها، لكنها ثقيلة معيبة في
بيت لعباس محمود العقّاد، جاء في سياق قصيدة غزليّة يقول فيه:
يا أملح الناس،
هلاَّ كنتَ أكبرهم روحًا؛ فيتفقا: روحٌ
وجثمانُ؟
وقد دفعت
القافية شاعرنا إلى استخدام كلمة «جثمان» عوضًا عن «جسد»، ولا يخفى على القارئ ما
في هذه الكلمة من الثِقَلِ، وما يمكن أن تشيعه هذه الكلمة من النفور؛ لأننا اعتدنا
في لغتنا المعاصرة استخدام هذه الكلمة للدلالة على أجساد الموتى على وجه الخصوص؛
وإن صحت دلالتها على أجساد الأحياء في لغة القدماء؛ ولذا نقول: إن كلمة جثمان ليست
بالكلمة الفصيحة في هذا السياق بمقاييس لغتنا العصريّة؛ لأنها حالت دون إظهار
الحبيب في المظهر الفاتن الذي يريد الشاعر إبرازه.
فصاحة الكلمة المنفردة دون اعتبار لمعناها
إن المحكّ الأول
في مقارنة الألفاظ وبيان فصاحتها إنما هو السياق؛ أمَّا الكلمات المنفردة فلا
يعوّل على فصاحتها إلا من خلال ألفة استعمالها، وخفّة مخارجها، وعدم استعصاء النطق
بها، وذلك مما يتعلق بحروفها ووزنها الصرفيّ، ومدى تمكُّنها في العربيّة، ونحن
–ساعتئذٍ– نحكم عليها بالفصاحة أو عدم الفصاحة لذاتها دون أي اعتبار خارجيّ يتعلق
بالمعنى. والكلمة الفصيحة -تبعًا لذلك- سَلِسَة مطاوعة يسيرة النطق، متآلفة
المخارج، لا تشوبها شوائب أعجميّة ولا عَاميّة، أمَّا الكلمة التي لا تتسم
بالفصاحة فهي ثقيلة في نطقها، عصيّة المخارج، لا تنطبق عليها المقاييس النحويّة أو
الصرفيّة للغة العربيّة السليمة، ومما ذكره البلاغيون القدماء ممَّا يكدُّ اللسان
في النطق به كلمة: «هُعْخُع» وهو اسم لعشب صحراوي، وكلمة: «مستشزرات» بمعنى:
مرفوعات.
نماذج للكلمات غير الفصيحة في عصرنا
وفي العربيّة
المعاصرة بعض ألفاظ مستجدة تجافي الفصاحة للسبب نفسه الذي ذكرناه آنفًا، وهو:
كونها عصيّةً على النطق، مثل قولهم: «تقوقعوا، استقطابهم، الرقمنة،
الكهرومغناطيسيّة»، وأغلب ما يكون من تلك الألفاظ مُعرّبٌ منقول عن لغات أجنبيّة،
ولا تزال شوائب أعجمية تعلق به، ومن ذلك المعرَّب: «ارستقراطيين، شيزوفرينيا،
ليبرالية، الجرافيك، مُوتُور»، فضلًا عن أسماء الفنادق والمتاجر وغيرها، تلك التي
تغص بها العواصم العربيّة وتدور على ألسنة الناس في حديثهم بالفصحى، كما تتسلل إلى
كتاباتهم، لا سيما الكتابات الصحفيّة، ومن هذا القبيل: «كنتاكي، هايبر ماركت،
كارفور، ماكدونالدز، شيراتون، هوتيل، بنك، دريم بارك... إلخ». وكل تلكم الكلمات
التي ذكرناها وغيرها مما يدور على ألسنة الناس ومما تغصُّ به كتاباتهم ليست من
الفصاحة في شيء، وما ذلك إلا لطبيعة تكوين الكلمة نفسها دون معناها؛ إذ إنها كلمات
غير سلسة النطق، تشوبها شوائب الأعجمية والعاميّة.
شروط فصاحة الكلمة عند البلاغيين
وقد كان مما
اشترطه البلاغيون لفصاحة الكلمة ألَّا تكون مُفرطةً في طولها، ولذا عابوا كلمة:
«سُوَيْداواتِها» وهي جمع: «سويداء» التي تعني موضع اجتماع الدم في القلب، وذلك في
قول المتنبي:
إنَّ الكريمَ
بلا كِرامٍ منهمُ مثلُ القلوبِ بِلا
سُوَيْداواتِها
والحقَّ أن هذه
الكلمة –بالفعل– غير فصيحة، بيد أن الأمر لا يتعلق بطولها المفرط فقط؛ وإنما لثقل
النطق بها مع هذا الإفراط في طولها، لوقوع ياء بين واوين فيها، ثم وقوع كسر بعد
الواو الثانية، وهو مما يؤدي إلى توالي حركات الضم والكسر ومن ثَم ثِقَل الكلمة
وصعوبتها.
الطول المفرط
ليس عيبا لو كانت الكلمة سهلة طيِّعة النطق
وليس الطول
المفرط مدعاةً لاستهجان الكلمة وثقل النطق بها في كل حال من الأحوال، وفي لغتنا
الفصحى المعاصرة ألفاظ كثيرة الأحرف؛ ومع ذلك فهي كلمات فصيحة طيّعة؛ منها العربيّ
الخالص مثل: انتهازيّة، استقلاليّة، ومنها المـُعرَّب مثل: إمبراطورية،
دكتاتوريّة، إستراتيجية، ومنها أسماء أعلام مثل: إندونيسيا والقسطنطينيّة. ونخلص
من هذا كله إلى أن طول الكلمة لا يحول دون فصاحتها مالم يكن مؤديًا إلى تعذّر
نطقها.
من أسباب عدم الفصاحة الخروج عن القياس اللغويّ في التراث وفي لغتنا العصريّة
ومن ناحية أخرى
لا تكون بعض الكلمات فصيحةً لأنها لا تجري على القياس اللغوي، وهذا أمر يتعلق
ببناء الكلمة نفسها لا بمعناها، ومما وُصِف بعدم الفصاحة عند القدماء لمخالفة
القياس كلمة: «ضَنَنُوا» والأصل الصحيح فيها «وإن ضنّوا»، وقد خالف الشاعر القياس
بفكه للتضعيف في قوله:
مهلًا، أعاذلَ
قد جَرَّبْتِ من خُلُقي أني أجودُ لأقوام
وإنْ ضنِنوا
ومخالفة القياس
اللغويّ شائعة جدًّا في لغتنا العربية المعاصرة، وأمثلتها لا تكاد تعد ولا تحصى،
ومنها على سبيل التمثيل:
- تلك مسألة ملفتة للنظر، والفصيح: «لافتة
للنظر»؛ لأنها من الثلاثي لفت، فهو لافت.
- البضائع
مُباعة، والفصيح «مبيعة»؛ لأنها من الثلاثي: باع يبيع مبيع.
- فلانٌ له أنفٌ
ضخمة، وأذن عريض، والفصيح: «له أنف ضخم، وأذن عريضة»؛ لأن أعضاء الجسد الثنائيّة
من قبيل: «اليد والعين والأذن» مؤنثة، وأعضاء الجسد المفردة من قبيل: «الأنف،
والرأس، والفم» مذكرة.
فصاحة الكلمة المفردة باعتبار معناها
وقد تكون الكلمة
في تكوينها ومبناها حسنةً فصيحة؛ فهي تجري على القياس اللغوي في صوغها، وهي خفيفة
الحركات يسيرة النطق، إلا أن معناها لا يتناسب مع الجملة التي وضعت فيها، ويغيّر
المعنى إلى نحو مخالف لما يبتغيه المتكلم أو الكاتب، وعندئذٍ تفقد فصاحتها أثناء
وجودها في الجملة أو البيت، ولا بأس أن يكون الكلام الذي يتضمن تلك الكلمة –في
مجموعه–كلامًا فصيحًا حسن الأسلوب، إلا أنه مختلٌّ من جهة هذه الكلمة تحديدًا، فهي
في سياق الكلام أشبه ما تكون بجوهرةٍ شاذة نافرة وسط عقد جميل النظم بديع المنظر،
مع أنها جميلة في حد ذاتها وهي منفردة، لكنها تفقد جمالها وهي مختلفة اللون والحجم
عمَّا يحيط بها من جواهر، وكان حريًّا بناظم العقد أن يتمم نظمه بجوهرة مناسبة
تتجانس مع ما يتضمنه من جواهر، ونمثل لهذا الأمر بكلمة (قَسَطَ) في قول البحتريّ:
شَرْطِيَ
الإنْصافُ إنْ قيلَ اشْتَرِطْ
وَصَدِيقِي مَنْ إذا قَالَ قَسَطْ
وكان حريًّا
بالشاعر أن يقول: (أقسط)؛ لأنه يقصد اشتراط العدل من صديقه، أما قَسَطَ فمعناها
ظلم وجار، وكلمة «قَسَطَ» فصيحة بالفعل، لكنها ليست فصيحةً في هذا البيت؛ لأنها
حالت دون بيان المعنى المقصود، وفي لغتنا المعاصرة بعضٌ من هذا الخطأ اللغوي الذي
يحول دون فصاحة الكلمة في سياقها، ومن ذلك قولهم:
- هذا رجل أفَّاق يخادعنا، والفصيح «أفَّاك»؛ لأن
الأفَّاق هو السائح الجوَّاب للآفاق، أما الأفَّاك فهو الكذاب المخادع.
- سأكون متواجدًا غدًا في المكتبة، والفصيح
«موجود»؛ لأن متواجد معناها «حزين بائس»، ومن معانيها أيضًا: «في حالة من الحب أو
الطرب».
- مبروك فوزك بالجائزة، والفصيح: «مُبارك»؛ لأن
مبروك من بركَ أي رقد، أما مبارك فهي من بَارَك الشيء أي جعل فيه الخير والبَرَكة
والنماء.
فصاحة الكلمة باعتبار طبيعة تداولها بين الناس
واللغة شديدة
الارتباط بالمجتمع، وتداول الناس لكلمات بعينها يجعلها واضحة جليّة فصيحة، وعزوفهم
عن كلمات أخرى مما يجعل من تلك الكلمات المهجورة غامضة عصيّة على الفهم؛ لأنها
ليست متداولة بينهم، بل إن طبيعة تداول المجتمع للكلمات قد يجعل من كلمةٍ ما
راقيةً جليلةً ومن ثَمَّ «فصيحة»، ومن أخرى ساقطة منحطة. وعلى دارس الفصاحة أن
يميز بين مستويين مهمين جدًّا من مستويات الفصحى يتعايشان الآن في مجتمعاتنا
العربيّة، هما: فصحى التراث، وفصحى العصر، وتُسْتَقى مفردات فصحى التراث –بطبيعة
الحال- من تراثنا العربيّ القديم، ومن الألفاظ الموروثة التي قد يصعب فهم بعضها في
زماننا، ونحن نستمع إلى فصحى التراث –في أحيان كثيرةٍ– من الدعاة والفقهاء في
حلقات الدعوة، وفي البرامج التلفزيونيّة الدينيّة، أما فصحى العصر فهي الأكثر
شيوعًا، وهي تَسْتَقِي بعضَ مفرداتها من فصحى التراث، وتَسْتَقِي جُلّ مفرداتها من
ألفاظ الحضارة الحديثة التي تم ابتكارها، ومما عُرِّب من مصطلحات أجنبيّة، ونحن
نستمع إليها في نشرات الأخبار، وفي حلقات البحث العلميّ، ونقرؤها في الصحافة، وفي
غير ذلك من أوجه الحياة المتعددة من حولنا.
ليس من الإنصاف تطبيق مقاييس الأقدمين على فصحانا العصريّة
ومما يجدر بالذكر –هنا– أنه من غير الإنصاف أن
ننظر إلى لغة عصرنا الحاضر بمقاييس الأقدمين، وإنَّهُ لمن الحَيْف أن نُسقطَ كل
التراكيب والألفاظ المـُستحدَثَة التي شاعت وتمكَّنت وفرضت وجودها على زماننا بحيث
أصبح من العسير استبدال التراكيب القديمة الموروثة بها، والحق أن لكل كلام فصاحته
الخاصة، فلكل مقام مقال، وعلينا أن ندرك أن لكل طبقة من طبقات الفصاحة استعمالاً
يحدده السياق والمقام والموقف في حياتنا العصريّة المتجددة، أو وفق ما تقتضي
الطبيعة الفنيّة للعمل الأدبي، وعلى هذا الأساس تكون بعض الكلمات التي اعْتُبِرت
في العصور السابقة فصيحةً ليست على ما هي عليه من فصاحتها التراثيّة في عصرنا
الحاضر؛ لأن أهل زماننا قد هجروها، ولم تعد متداولةً بينهم.
مقارنة بين فصحى التراث وفصحى العصر الحديث
ومن هذا القبيل
مثلًا ما جاء في وصيّة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمن يُسْتَخْلَفُ من بعده:
«أوصيك بأهل الأمصارِ خيرًا، فإنَّهم رِدْءُ العدو، وجباةُ الأموالِ والفيءِ، لا
تَحْمِلْ فيئَهُم إلا عن فَضْلٍ مِنْهُم»، ولو أن هذه الفقرة قد أُعيد صوغها
–مجدَّدًا– بفصحى العصر لكانت على النحو التالي: «أوصيك بمواطني الدول الإسلاميّة
خيرًا، فإنهم عونٌ لك على الأعداء، ومصدرُ تمويلٍ حيويّ تستمدُّه من الغنائم، ولكن
لا تأخذ غنائمهم إلا بموافقتهم ورضاهم».
وليس ثمة مجال
للمفاضلة بين النصين، فلكل نص منهما سياقه التاريخي والحضاريّ، وإنما وضعنا كلَّ
واحدٍ منهما في مواجهة الآخر لنوضِّح للقارئ أنَّ لكل زمان فصاحته الخاصة، وأنَّ
لكل جيلٍ من الأجيال لغته المتداولة، وأن الكلمة الفصيحة عند القدماء تغدو فصاحتها
تاريخيّةً إذ لم تكن متداولةً بين الناس في عصرنا الحاضر، ولذا في وسعنا أن نزعمَ
أنَّ كلماتٍ من قبيل: «الأمصار، ردء، جباة، فيء، تحمل أموالهم»؛ تلك التي كانت
معدودةً من الكلمات الفصيحة؛ إنما هي -الآن- من الألفاظ المهجورة غير
المـُتَدَاولة في زماننا، وليس من سبيل إلى الفصاحة حين يتتبع الأديبُ الكلمات
الغريبة المهجورة ليظهر نباهته اللغويّة، وإنه لمن الخطأ البين أن يستحسن المرء
كلامًا لأنه عاجز عن فهمه!
قد تصبح الكلمة
الفصيحة عاميةً إذا تداولها العوام، وكذلك إذا تغير معناها:
وحين توضع مسألة
التداول في الاعتبار نلاحظ أن بعض الألفاظ الفصيحة عند القدماء قد تصبحُ عاميّةً
شائعةً مـُكَرَّرة لا فصاحة فيها إذا تداولها المعاصرون في أحاديثهم اليوميّة
المتداولة فيما بينهم، مثل: كلمة: «قُدَّام»، وكلمة: «نسوان»، وكلمة: «خدَّام»
التي أشرنا إليها آنفًا، وقد كانت تلك الكلمات وأمثالها مما يشيع في شعر القدماء
وأدبهم؛ لكن العاميّة العصريّة قد أشاعتها وانتهكتها فأزالت عنها فصاحتها.
وقد يتداول
الناس كلمةً فصيحةً بمعنى جديد مختلفٍ عن معناها الذي وضعت له، وربما كان المعنى
الجديد مما يستقبح، فتبدو غير فصيحة لكراهتها للمتلقي الحديث، وإن لم تكن على هذا
النحو قديمًا. ومن هذا القبيل كلمة: «غائط» التي تعني في أصل وضعها اللغويّ:
الحفرة في بطن الأرض، إلا أنه استُعمل فيما بعد ليدل على ما تَلْفِظُهُ الأمْعاءُ
عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ، ومهما حاول الأديب استخدامه في أصل وضعه فلن يستطيع صرف
معناه المستحدث الذي ترسّخ في أذهان الناس، ومن الطريف – في هذا المضمار– أن
المستشرق الفرنسيّ لويس ماسينيون ألقى كلمة فصيحة بليغة في حفل تأبين الأديب
المصريّ الكبير أحمد أمين أشاد فيها بعلمه وبكتبه، وجاء في سياق هذه الكلمة قوله:
«ولطالما أتحفنا من خَرَّارَةِ فكره وعلمه وفضله»، فما راعه إلا ضحكات الحاضرين،
وما كان هذا المستشرق يقصد بكلمة: «خَرّارَة» إلا معناها المعجميّ، فهي في أصلها
المعجميّ الفصيح: «عين الماء الجارية»، ولم يفطن ذلك المستعرب الذي قضى عمره بين
أروقة المكتبات بعيدًا عن ضجيج الحياة.. لم يفطن إلى أنَّ الناس يتداولون هذه
الكلمة في العاميّة المصريّة بمعنى كريه، فهي تعني بِرْكةً آسنة قذرة تُصرف فيها
فضلاتُ دورات المياه؛ ولذا كان استخدامها في هذا السياق أبعد ما يكون عن الفصاحة!
وللحديث بقية إن
شاء الله تعالى.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً