السمعة أم النزاهة.. الاختيار بعد وقوع الخطأ

يتضمن التصميم رجلاً مهموماً بمكتبه وصورة للكاتب

السمعة أم النزاهة؟ الأخطاء جزء لا مفرّ منه في الحياة المهنية؛ فقد يسيء المرء فهم التعليمات، أو يغفل عن تفصيل، أو يخطئ في التقدير رغم بذله جهدًا صادقًا، غير أن الخطأ ليس كذبًا، والسؤال الأجدر بالاهتمام: ماذا يفعل الموظف بعد أن يتبيّن له خطؤه؟

وتزداد أهمية هذا التمييز لدى المهنيّ المسلم، لأن سلوكه في العمل يقوم على الصدق والأمانة، وعلى المحاسبة بين يدي الله تعالى.

أولًا: ثلاثة أنواع من التقصير:

الخطأ العفوي خطأ غير مقصود وقع رغم بذل العناية المعقولة، كتقرير أُعدّ بإتقان ثم سقط منه رقم واحد سهوًا، وهو مسألة تعلّم لا مسألة نزاهة، والتصرف السليم حياله؛ الإقرار به، وتصحيحه، والاستفادة منه، والحيلولة دون تكراره.

الخطأ الناتج عن الإهمال خطأ كان يمكن تفاديه لولا التقصير في بذل العناية الواجبة، من غير نية للخداع؛ كتجاهل تعليمات واضحة، أو تجاوز إجراء معتمد، أو تكرار خطأ سبق التنبيه إليه، وغياب نية الخداع لا يُسقط المسؤولية، والتصرف السليم حياله؛ الإقرار، وتحمّل المسؤولية، والتصحيح، والتحسين.

الكذب تحريف متعمَّد للحقيقة، فالموظف الذي لم يسلّم التقرير ثم يقول لمديره: «سلّمته أمس» قد انتقل من دائرة الأداء إلى دائرة النزاهة، والتصرف الواجب حينئذ؛ التوقف، وتصحيح الادعاء الكاذب، وتحمّل المسؤولية، وإصلاح ما ترتّب عليه.

ثانيًا: لحظة الاختيار:

قد يكون الخطأ الأول عفويًا، أما ما يلي اكتشافه فاختيار، وأمام الموظف طريقان:

  • طريق النزاهة: إقرار ← تصحيح ← تعلّم ← تحسّن.
  • طريق الخداع: إنكار ← إخفاء ← إلقاء اللوم ← اختلاق ← تصعيد.

وقد يجرّ الصدق حديثًا محرجًا أو عواقب مشروعة، أما الكذب فقد يمنح راحة مؤقتة، لكنه يصنع مشكلة أكبر يصعب احتواؤها.

ثالثًا: لماذا يكذب الموظفون؟

ينشأ الكذب في بيئة العمل عادة عن 3 ضغوط: الخوف (من العقوبة أو فقدان الوظيفة أو خيبة أمل المدير)، والخجل (من الاعتراف بالتقصير)، وحماية الذات (الظن بأن الإخفاء أيسر من المواجهة)، وقد تفسّر هذه الضغوط السلوك، لكنها لا تسوّغه.

والمسار مألوف؛ يبدأ بحديث النفس: «إن اعترفتُ وقعتُ في مشكلة»، ثم «لعلّ أحدًا لا ينتبه»، وينتهي بـ«صار عليّ أن أحمي ما قلته»، وعندئذ يغدو الكذب مغذّيًا لنفسه.

رابعًا: صور الخداع المهني:

تتعدد صور الخداع، وغايتها واحدة: تجنّب حقيقة غير مريحة.

  • الإنكار: نفي المسؤولية عن أمر يعلم صاحبه أنه فعله.
  • الإغفال: كتمان واقعة جوهرية عمدًا لإيهام المدير بخلاف الحقيقة.
  • الاختلاق: ابتداع وقائع أو تبريرات أو محادثات أو مستندات.
  • التهوين: التقليل من خطورة الحدث أو عواقبه.
  • التضخيم: المبالغة في الدور أو الجهد أو الإنجاز.

خامسًا: فخّ التصعيد:

إذا وقع الكذب احتاج إلى أكاذيب أخرى تحرسه؛ خوف، فإخفاء، فتبرير كاذب، فأسئلة، فمزيد من التضليل، فعواقب أشدّ، ويثقل العبء النفسي، إذ يجب على الكاذب أن يتذكر ما قاله، وأن يحافظ على اتساق روايته، وأن يتوقع الأسئلة، وأن يعيش هاجس الانكشاف، وقد يصبح الخطأ الأول أهون شأنًا من الكذب الذي سُتر به.

وترافق ذلك عادةً تبريرات ذاتية من قبيل: «الجميع يفعل ذلك»، «لم يكن الأمر من مسؤوليتي»، «كنت أحمي نفسي فحسب»، وهي تيسّر الاستمرار في الكذب، لأن صاحبها لا يخدع غيره فحسب، بل يقنع نفسه أيضًا.

والبديل الصحي هو المحاسبة، وذلك بأن يسأل المرء نفسه: ماذا حدث؟ وما مسؤوليتي عنه؟ وماذا كنت أعلم؟ وماذا فعلت بعد أن علمت؟

سادسًا: كيف تنكشف التناقضات؟

لا يحتاج المدير عادة إلى استجواب ليعرف ما جرى؛ فالمؤسسات تنتج الأدلة تلقائيًا؛ رسائل البريد، والتوقيتات، وسجلات الأنظمة، ومحاضر الاجتماعات، وروايات الزملاء، وملاحظات العملاء، والنتائج الفعلية، وقد يكون التناقض الواحد بريئًا، أما تراكم الشواهد المستقلة فيرسم صورة أوضح.

والخلاصة: الحقيقة لا تحتاج إلى من يحفظها، أما القصة الكاذبة فتحتاج دائمًا إلى من يحرسها.

سابعًا: كلفة فقدان الثقة:

أفدح ما يخسره الكاذب مهنيًا هو الثقة، فإذا تضررت المصداقية شدّد المدير رقابته، وصارت حتى الروايات الصادقة موضع تدقيق إضافي، فالسمعة المهنية لا تقوم على الكفاءة وحدها، بل على الموثوقية والنزاهة أيضًا.

ولهذا لا ينبغي أن تُعالَج مشكلة بصناعة مشكلة أشدّ منها؛ فالتقرير المعيب مسألة أداء، والكذب في كيفية إعداده يضيف إليها مسألة نزاهة، ولا يُحمى خطأ بارتكاب خطأ أخلاقي أفدح.

ثامنًا: الثلاثة الذين خُلِّفوا:

وأوضح مثال على هذا المبدأ قصة كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، رضي الله عنهم، فحين دعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى غزوة «تبوك»، تخلّف هؤلاء الثلاثة من غير عذر مشروع، وعند عودته جاءه أكثر من ثمانين رجلًا يعتذرون إليه، فقبل ظاهر أقوالهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله.

أما الثلاثة فاختاروا طريقًا آخر؛ إذ صرّح كلٌّ منهم للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا عذر له، وقال كعب رضي الله عنه: إنه لم يكن قطّ أقوى ولا أيسر حالًا منه حين تخلّف، وقد كلّفهم الصدق ثمنًا باهظًا؛ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بهجرهم، ودام ذلك 50 ليلة، حتى ضاقت الأرض على كعب بما رحبت، وجاءه كتاب من ملك غسّان يعرض عليه الإكرام واللجوء، فلم يتزعزع، وأدرك أنه ابتلاء آخر فأحرق الكتاب.

ثم أنزل الله توبتهم، فقال سبحانه: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة: 118).

وذكر كعب رضي الله عنه أن من أعظم نعم الله عليه، بعد الإسلام، أنه صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكذب كما كذب الآخرون، فمن اعتذروا بأعذار مريحة نالوا راحة عاجلة، أما الصادقون فقد احتملوا الشدة أولًا، ثم خلّد الله ذكرهم في كتابه، يُتلى إلى يوم القيامة.

تاسعًا: المعيار الإسلامي.. الصدق والأمانة:

الصدق عند المهنيّ المسلم ليس خيارًا تنظيميًا، بل هو جزء من حسابه بين يدي الله، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: 58).

والمسؤوليات المهنية داخلة في هذه الأمانة، وقد جاءت الآية التي تلي آية الثلاثة مباشرةً تأمر بلزوم الصادقين، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: 119).

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم عاقبة الصدق والكذب، فقال: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» (رواه مسلم).

والإسلام لا يطلب من الإنسان أن يكون معصومًا من الخطأ، بل أن يواجه خطأه بالصدق وتحمّل المسؤولية والتصحيح.

عاشرًا: طريق العودة.. التوبة والإصلاح:

التوبة الصادقة أكثر من ندم القلب؛ فإذا تضرر الآخرون بالخطأ لزم أن يقترن بها الإصلاح، أي تدارك ما فسد وردّ الحقوق، وفيما يلي أبرز الممارسات المهنية الفضلى في هذا الباب:

1- الإقرار بالخطأ فور العلم به، دون تأخير أو مواربة.

2- الكفّ عن الخداع وعدم الاستمرار في تبرير ما قيل.

3- قول الحقيقة كاملةً لمن يعنيهم الأمر.

4- تدارك الضرر وإصلاح ما ترتّب على الخطأ أو على الكذب.

5- تحمّل المسؤولية المناسبة دون تهرّب أو مبالغة.

6- استخلاص الدرس والمضيّ قُدمًا بسلوك أفضل.

ولا يعني ذلك التفريط في الحقوق المشروعة أو تعريض النفس لأكثر مما يلزم؛ فالدفاع عن الحق بالوسائل المشروعة يختلف تمامًا عن الخداع، وحين تكون العواقب الوظيفية أو القانونية جسيمة، فقد يحسن استشارة مختص قانوني.

حادي عشر: ما تنتظره المؤسسة السليمة:

ينبغي للمؤسسات أن تتعامل مع كل نوع من السلوك بما يناسبه:

  • الخطأ العفوي: تعلّم ودعم.
  • الخطأ الناتج عن الإهمال: مساءلة وتحسين.
  • الإهمال المتكرر: إدارة أداء مناسبة.
  • الخداع المتعمَّد: إجراءات تأديبية وتقويم للنزاهة.

وبهذا التوازن يستطيع الموظفون الإبلاغ عن أخطائهم الحقيقية دون خوف، مع الحفاظ على معايير معقولة من المسؤولية والصدق، فالأخطاء يمكن تصحيحها، أما الخداع فيهدم الثقة التي تقوم عليها العلاقات المهنية.

لا تخلو حياة مهنية من الأخطاء، ولحظة الحسم تأتي حين يدرك المرء ما حدث، فليس المعيار ألّا نخطئ، بل كيف نتصرف حين يصبح الصدق مكلفًا، والصدق والأمانة والتقوى التزامات باقية على المهنيّ المسلم، حتى حين تكون الحقيقة مُرّة، فالصدق منجى والكذب هلاك.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (1)

Alaa Ali
منذ أسبوعين

بارك الله فيك دكتور خيار على هذا السرد الجميل جدا تناولت المشكلة و اخذت اسبابها بموضوعية و طرحت حلول عملية لو أخذ بها العاملون و مدراء المؤسسات كانت ستكون بيئة العمل صحية و أكثر انتاجاً . ضمير المسلم بوصلته في كافة شؤون حياته الشجاعة بلا تهور و تحمل مسؤولية اخطائه تجعل الإنسان كبير في نفسه اولاً قبل أي تقييم من مؤسسة او صاحب عمل


تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة