التضليل الرقمي ضد الروهنجيا.. الشائعات وخطاب الكراهية

امرأة مسلمة أمام مدينة رقمية مستقبلية

في 4 أكتوبر 2026م، دعا «المجلس الاستشاري للمنظمات الإسلامية الماليزية» (MAPIM)، الذي يضم عشرات المنظمات والجمعيات الإسلامية، إلى اتخاذ إجراءات ضد المحتوى الزائف والمحرض على الكراهية ضد الروهنجيا، واقترح إنشاء فريق وطني متعدد الجهات لرصد الكراهية والتضليل الرقمي، يضم هيئة الاتصالات والوسائط المتعددة الماليزية والشرطة ووزارة الداخلية وخبراء الأدلة الرقمية ومؤسسات المجتمع المدني.

ووثقت وكالة «فرانس برس»، خلال عام 2026م، سلسلة من الادعاءات الكاذبة التي استهدفت الروهنجيا في ماليزيا؛ من بينها تصريحات مختلقة، ومقاطع فيديو معدلة، وإحصاءات مفبركة، ومحتوى مولد بالذكاء الاصطناعي، كما رصدت الوكالة منشورات تزعم أن الروهنجيا يسعون إلى الحصول على أراضٍ أو حقوق خاصة أو الجنسية الماليزية بطرق غير قانونية.

وفي أحد التصريحات، انتشر ادعاء بأن مليوني طفل وُلدوا في ماليزيا نتيجة زيجات بين الملايو والروهنجيا، مصحوباً بأرقام سكانية مختلقة، وخلص التحقيق إلى أن الأرقام الواردة في المنشور غير ممكنة، وأن المادة المنشورة استندت إلى تقرير إخباري مزيف.

وعند تكرار مثل هذه الادعاءات تظهر إحدى أخطر وظائف التضليل الرقمي ضد الروهنجيا؛ تحويل الاستثناء إلى قاعدة، والحادثة الفردية إلى صفة جماعية، والادعاء غير المثبت إلى «حقيقة» يتداولها الآلاف.

التضليل الرقمي ضد الروهنجيا لم يعد مجرد مشكلة تتعلق بالأخبار الكاذبة، بل أصبح وسيلة يمكن أن تتحول من خلالها الشائعة إلى صورة نمطية، ومن الصورة النمطية إلى خطاب كراهية يستهدف مجتمعاً بأكمله.

التضليل الرقمي ضد الروهنجيا.. من «خبر كاذب» إلى كراهية على أرض الواقع

وفي يونيو 2026م، أعربت لجنة حقوق الإنسان الماليزية (SUHAKAM) عن قلقها من تصاعد العداء والخطاب التمييزي والهجمات الإلكترونية الموجهة ضد مجتمع الروهنجيا، وحذرت من أن انتشار التعليقات المسيئة والسرديات القائمة على الكراهية يمثل اتجاهاً خطيراً نحو نزع الإنسانية عن مجتمع شديد الهشاشة.

وهذا ليس خطراً نظرياً بالنسبة إلى الروهنجيا، فالأمم المتحدة وثقت في سياق مختلف، داخل ميانمار، كيف استُخدمت شبكات التواصل الاجتماعي في نشر خطاب الكراهية ضدهم.

وفي تقرير نشرته «الآلية الدولية المستقلة للتحقيق في ميانمار» عام 2024م، جرى تحليل أكثر من 10 آلاف منشور على 43 صفحة «فيسبوك»، وخلص التقرير إلى أن هذه الصفحات كانت جزءاً من شبكة منسقة مرتبطة بالجيش في ميانمار، وأنها نشرت خطاب كراهية ضد الروهنجيا في الفترة التي شهدت أعمال العنف الجماعي ضدهم.

لماذا نشر الأكاذيب أسرع من تصحيحها؟

المعلومة المثيرة للغضب أو الخوف غالباً ما تكون أكثر قابلية للمشاركة من المعلومة التي تحتاج إلى قراءة سياقها، ويزداد الأمر تعقيداً عندما يجتمع المحتوى العاطفي مع حسابات وهمية أو شبكات منسقة أو أدوات ذكاء اصطناعي قادرة على إنتاج كميات كبيرة من الصور والفيديوهات والنصوص.

وفي حالة ماليزيا، أشارت «MAPIM» إلى وجود محتوى يتضمن حسابات مزيفة، ومعلومات مضللة مولدة بالذكاء الاصطناعي، وإحصاءات مختلقة، ومقاطع فيديو معدلة، كما طالبت بالتحقيق في احتمال وجود شبكات منظمة تعمل على التأثير في الرأي العام.

ولم تعد المشكلة مرتبطة بقدرة شخص واحد على اختلاق منشور ما؛ فالذكاء الاصطناعي خفض تكلفة إنتاج المحتوى المزيف، وأصبح من الممكن إنشاء صور وأصوات ومقاطع مقنعة بسرعة أكبر.

ولهذا، فإن التضليل الرقمي ضد الروهنجيا لا ينتشر من خلال الادعاءات الكاذبة وحدها، بل يستفيد من سرعة تداول المحتوى الرقمي وقدرته على إعادة تشكيل تصور الجمهور عن جماعة كاملة قبل أن تصل الحقائق إلى العدد نفسه من المتلقين.

مسؤولية المنصات ليست اختيارية

إذا كان المستخدم مسؤولاً عن عدم نشر محتوى غير متأكد من صحته، فإن المنصات التي توفر البنية التي ينتشر من خلالها المحتوى تتحمل أيضاً مسؤولية الحد من الأضرار التي يمكن توقعها.

وقد وضعت الأمم المتحدة مكافحة خطاب الكراهية ضمن مسؤولية مشتركة تشمل الحكومات والمجتمعات والقطاع الخاص، بما في ذلك شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي، كما تؤكد إستراتيجيتها بشأن خطاب الكراهية أهمية التعاون بين هذه الأطراف، إلى جانب بناء جيل من المستخدمين القادرين على التعرف على الخطاب المحرِض ورفضه.

وفي ماليزيا نفسها، دخلت قواعد تنظيمية جديدة حيز التنفيذ ضمن إطار قانون السلامة على الإنترنت لعام 2025م، وأعلنت وزارة الاتصالات أن مقدمي الخدمات المرخصين مطالبون باتخاذ إجراءات في الوقت المناسب ضد المحتوى الضار، مع اشتراط حجب المحتوى المصنف عالي الأولوية خلال 24 ساعة في الحالات التي ينطبق عليها ذلك.

ولا يعني هذا أن حذف المحتوى الحل الوحيد، أو أن كل محتوى مثير للجدل يجب أن يُحذف، لكن التجربة تؤكد أن مسؤولية المنصات لا ينبغي أن تقتصر على استقبال الشكاوى بعد انتشار المحتوى؛ بل تشمل اكتشاف الشبكات المنسقة، والتحقق من الحسابات المشبوهة، والحد من انتشار المحتوى الذي يجمع بين التضليل والتحريض.

وبالتالي، يصبح التضليل الرقمي ضد الروهنجيا اختباراً لقدرة المنصات على التعامل مع المحتوى الذي لا يكتفي بتقديم معلومات مضللة، بل قد يسهم في ترسيخ خطاب يستهدف أقلية بأكملها.

حماية الأقلية تبدأ من دقة المعلومة

تستحق قضية الروهنجيا في ماليزيا اهتماماً خاصاً أيضاً بسبب حجم المجتمع الذي يعيش في البلاد؛ فوفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كان في ماليزيا نحو 215600 لاجئ وطالب لجوء مسجلين حتى نهاية فبراير 2026م، من بينهم 126144 من الروهنجيا، كما كان نحو 64680 من اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين أطفالاً دون الثامنة عشرة.

وهنا تبرز أهمية ما قاله رئيس «MAPIM» في دعوته إلى عدم السماح بتحول الكراهية ضد الروهنجيا إلى أمر طبيعي في المجال الرقمي، مؤكداً أن النقاش حول الهجرة أو أمن الحدود أو تطبيق القانون يمكن أن يكون مشروعاً، لكن هذه المطالب يجب أن تستند إلى الحقائق والعدل.

دور المؤسسات الإسلامية.. من رد الفعل إلى الوقاية

الموقف الذي اتخذته «MAPIM» يحمل دلالة تتجاوز الحالة الماليزية نفسها، فالمؤسسات الإسلامية لا ينبغي أن تنتظر حتى تتحول الشائعة إلى أزمة اجتماعية ثم تبدأ في الرد عليها، فمواجهة التضليل الرقمي ضد الروهنجيا تحتاج إلى الانتقال من تصحيح الشائعة بعد انتشارها إلى بناء آليات تمنع تحولها إلى خطاب عام.

ويمكن للمؤسسات أن تنشئ وحدات للتحقق من الأخبار المتعلقة بالمسلمين والأقليات، وأن تتعاون مع الصحفيين وخبراء الأدلة الرقمية، وأن توفر للجمهور منصات واضحة لتفنيد الادعاءات المنتشرة.

والأهم أن يكون الخطاب الإسلامي نفسه واضحاً في التفريق بين الدفاع عن حقوق المسلمين وتبرير الظلم للآخرين.

ومن هنا يمكن للمؤسسات الإسلامية أن تؤدي دوراً مزدوجاً؛ الدفاع عن الفئات المستهدفة بالتضليل، وتعليم الجمهور كيف يميز بين الخبر والدعاية، والنقد المشروع والتحريض، والمسؤولية الفردية والتعميم على جماعة كاملة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة