حين يطول العتاب وتضيق المودة..

متى يحفظ التغافل الصداقة؟ حكمة رجاء بن حيوة

رسم تصويري يجسد منهج رجاء بن حيوة في الحث على التغافل من أجل حفظ الصلة بين الأصدقاء

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، أن رَجَاء بن حَيْوَةَ، قَالَ: مَنْ لَمْ يُؤَاخِ إِلَاّ مَنْ لَا عَيْبَ فِيْهِ، قَلَّ صَدِيْقُهُ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ مِنْ صَدِيْقِهِ إِلَاّ بِالإِخْلَاصِ لَهُ، دَامَ سَخَطُهُ، وَمَنْ عَاتَبَ إِخْوَانَهُ عَلَى كُلِّ ذَنْبٍ، كَثُرَ عَدُوُّهُ(1).

تجمع هذه الكلمات بين حاجتنا إلى الأصدقاء وعجزنا أحيانًا عن احتمال بشريتهم؛ فنطلب المودة، ثم نضع لها شروطًا تكاد تجعلها مستحيلة، وليس المقصود صناعة علاقات بلا معايير، بل التمييز بين النقص الذي يُحتمل، والخطأ الذي يُصلح، والعدوان الذي يجب ألا يصبح التسامح ستارًا له.

وقد كان رجاء بن حيوة من كبار التابعين في الشام، ووصفه الذهبي بأنه «الإمام، القدوة، الوزير العادل، رجاء بن حيوة»، وذكر منزلته عند سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، ودوره في عقد الخلافة لعمر، وهذه السيرة تضع الحكمة المروية عنه في أفق عالم عرف الناس ومواقع المسؤولية، لا في صورة واعظ منفصل عن شؤونهم.

كيف نفرق بين نقد السلوك ومحو الفضائل؟

يفترض طلب الصديق الخالي من العيوب أن العلاقة لا تستحق البقاء إلا إذا خلت من كل ما يزعجنا، وفي مقابل هذه النظرة جاء التوجيه النبوي في الحياة الزوجية: «‌لَا ‌يَفْرَكْ ‌مُؤْمِنٌ ‌مُؤْمِنَةً، ‌إِنْ ‌كَرِهَ ‌مِنْهَا ‌خُلُقًا ‌رَضِيَ ‌مِنْهَا ‌آخَرَ»(2)، أي ينبغي ألا يبغضها لأنه إن وجد فيها خلقا يكره؛ ‌وجد ‌فيها ‌خلقا ‌مرضيا بأن تكون شرسة الخلق لكنها ديِّنة أو جميلة أو عفيفة أو رفيقة به أو نحو ذلك(3).

وفي موقف يجمع المحاسبة والإنصاف، أُتي برجل من الصحابة بسبب شرب الخمر، فعوقب، ثم لعنه أحد الحاضرين لتكرر إتيانه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن لعنه، وشهد له بمحبة الله ورسوله، لم تُلغَ مسؤولية الرجل عن معصيته، ولم تُمحَ فضيلته بسببها، فعَنْ ‌عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَاللهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «‌لَا ‌تَلْعَنُوهُ ‌فَوَاللهِ ‌مَا ‌عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ»(4).

وهذا التمييز مهم في الأسرة والتربية؛ فيمكن الاعتراض على فعل الابن دون وصف شخصيته كلها بالفشل، ومناقشة تقصير الزوج دون إنكار سنوات إحسانه، وتصحيح خطأ الزميل دون تحويله إلى تعريف دائم له.

ومن هذا الوجه تُقرأ حكمة رجاء بن حيوة بوصفها دعوة إلى عدالة النظر، لا إلى تبرير السلوك، فالمحاسبة تتناول الخطأ، أما الإنصاف فيمنع أن يبتلع الخطأ بقية الصورة، وليس من الدقة تفسير كل غضب بأنه اضطراب نفسي؛ وإنما السؤال النافع: هل غضبنا متناسب مع الواقعة، أم أضفنا إليها مطالبة الآخر بألا يخطئ أبدًا؟

ضوابط الحكم بالظاهر في التعامل مع الأصدقاء: رجاء بن حيوة نموذجاً

تحتاج عبارة رجاء بن حيوة «ومن لم يرض من صديقه إلا بالإخلاص له» إلى فهم يحفظ قيمة الصدق والوفاء، فلا يصح جعلها دعوة لقبول الخيانة، وإنما يمكن حملها على التحذير من استقصاء صفاء الصديق في كل خاطر وموقف، أو مطالبته بأن تكون رغباته وأوقاته كلها تابعة لنا.

وقد نهى القرآن عن كثير من الظن، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا ‌كَثِيرًا ‌مِنَ ‌الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (الحجرات: 12)، وقد فسّر ابن كثير ذلك بأنه التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله(5)، فموضع الذم هو الاتهام بغير مسوّغ، لا التثبت من الوقائع التي تتعلق بها الحقوق.

وترجم عمر بن الخطاب هذا الأصل إلى منهج معلن في التعامل مع الناس بعد انقطاع الوحي، فقال: «وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم»، وبيّن أن السرائر إلى الله، مع اعتبار ما يظهر من الخير أو الشر في الثقة بالإنسان(6).

وفي واقع العلاقات اليوم، يمكن تطبيق ذلك بالتفريق بين المعلومة وتأويلها: تأخر الصديق في الجواب واقعة، أما الجزم بأنه يحتقرنا فحكم على نيته، واختلافه معنا معلوم، أما اتهامه بزوال المودة فزيادة تحتاج إلى دليل.

والبديل عن التفتيش ليس السذاجة، بل وضوح الاتفاقات، والسؤال المباشر، وتقويم السلوك المتكرر، بذلك يبقى الوفاء مطلوبًا، دون تحويل الصداقة إلى امتحان لا تنتهي أسئلته.

حكمة التغافل والتجاوز.. رجاء بن حيوة نموذجاً

ليست المشكلة في العتاب نفسه، بل في استغراقه «كل ذنب»؛ حتى لا تبقى بين الأصدقاء مساحة للصفح أو الرجوع الهادئ، وفي تفسير قوله تعالى: (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) (التحريم: 3)، نقل البغويّ عن الحسن البصري قوله: «ما استقصى كريم قط»(7)، فليس الاستقصاء في كل ما يقع علامة كمال، وقد يكون ترك بعضه أليق بالمروءة.

ومن شواهد ضبط النفس موقف عمر حين خاطبه عيينة بن حصن بغلظة واتهمه في العطاء والحكم، فغضب عمر، فذكّره الحر بن قيس بقوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: 199)، فتوقف عند التذكير، ووصفه ابن عباس بأنه كان وقافًا عند كتاب الله(8).

لم يكن الحلم هنا عجزًا عن الرد، بل قدرة على إيقافه، وهذا فارق يحتاجه الأب والمعلم والمسؤول؛ إذ ليس كل ما يمكن التعليق عليه جديرًا بالتعليق، ولا كل هفوة تستحق استدعاء تاريخ العلاقة كله.

ومن تنزيل هذا المعنى أن يكون العتاب محددًا، متعلقًا بالسلوك، ومفتوحًا على الإصلاح: ما الذي وقع؟ وما أثره؟ وكيف نتجنبه؟ أما تحويل الحديث إلى تعداد شامل للزلات، فإنه يبتعد عن مقصد النصيحة إلى محاكمة الشخص، والتغافل النافع لا يكتم مشكلة تتفاقم، وإنما يترك ما لا يضر تركه.

الخلاف الذي لا يقطع الأخوة.. مناظرة الشافعي والصدفي نموذجاً

قد يتحول طلب الإخلاص إلى اشتراط الموافقة: لا يكون صديقي صادقًا عندي إلا إذا تبنى رأيي، ودافع عن اختياري، ورأى الناس كما أراهم، وهنا يصبح الاختلاف امتحان ولاء، مع أنه قد يكون اختلاف اجتهاد أو خبرة.

وقد نقل الذهبي عن يونس الصدفي أنه ناظر الإمام الشافعي في مسألة، ثم افترقا، فلقيه الشافعي وأخذ بيده وقال: ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة(9)، وعلّق الذهبي مثنيًا على عقله وفقه نفسه، وقال: «فما زال النظراء يختلفون»(10).

لم يُرِد الشافعي إلغاء البحث أو التسوية بين الأقوال، وإنما فصل بين استمرار المناظرة واستمرار الأخوة، ومن هنا تتضح قيمة هذا الموقف في حلقات العلم ومجالس العمل: حيث أوضح رجاء بن حيوة أنه يمكن رفض الحجة دون احتقار صاحبها، ومناقشة القرار دون اتهام النية، والإقرار بفضل المخالف دون الموافقة على خطئه.

وتلفت حكمة رجاء بن حيوة النظر إلى عواقب التشدد في العلاقات بثلاثة أفعال: قلّ، دام، كثر؛ قلة في الأصدقاء، واستمرار في السخط، وزيادة في الخصوم، وهذه قراءة بلاغية لتوازن العبارة، لا إحصاء اجتماعي ولا قانون حتمي، لكنها تستدعي سؤالًا عمليًا: كم خلافًا كان يمكن أن يبقى في حدود المسألة، لولا أننا أضفنا إليه الخصومة الشخصية؟

حدود التسامح.. الرحمة لا تعطل حماية الحقوق

حتى لا ينقلب التغافل إلى ذريعة للتستر على الأذى، لا بد من وضعه في حدوده، فقد فرّق ابن رجب بين مستور تقع منه هفوة، وبين شخص مشهور بالمعاصي معلن بها لا يبالي، ونقل عن مالك، في سياق الشفاعة، قوله: «وأما من عرف بشر أو فساد فلا أحب أن يشفع له أحد»(11)، والمقصود في هذا السياق ألا تتحول الشفاعة إلى حماية للشر من المعالجة والردع.

وعليه، لا تُوضع الكلمة العابرة والاعتداء المتكرر في مرتبة واحدة، ولا يُستعمل احتمال النقص لتبرير الاحتيال أو الإيذاء أو إهمال السلامة، كما لا يملك مسؤول أن يتنازل عن حقوق المتضررين باسم التسامح الشخصي.

وفي تنزيل الحكمة على هذه الحالات، يلزم التفريق بين الصفح عن إساءة تخص المرء، وإعادة الثقة، وتمكين المسيء من تكرار الضرر، فقد يصفح الإنسان، ويظل محتاجًا إلى حدود واضحة أو وساطة أو مراجعة جهة مختصة، فالرحمة لا تستلزم تعطيل الحماية، وحفظ الأخوة لا يوجب إبقاء كل علاقة بالصورة نفسها.

فضل العفو عن الإساءة ونيل المغفرة الإلهية

تبلغ الحكمة عمقها التربوي حين لا يكون احتمال الناس مجرد وسيلة لتكثير الأصدقاء، بل عبادة يتذكر بها الإنسان حاجته إلى العفو، قال تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) (النور: 22)، وفسّر ابن كثير هذا الترغيب بقوله: فَإِنَّ ‌الْجَزَاءَ ‌مِنْ ‌جِنْسِ ‌الْعَمَلِ، فَكَمَا تَغْفِرُ عَنِ الْمُذْنِبِ إِلَيْكَ نَغْفِرُ لَكَ، وَكَمَا تَصْفَحُ نَصْفَحُ عَنْكَ(12).

وفي سبب نزول الآية موقف سيدنا أبي بكر رضي الله عنه مع مسطح بن أثاثة؛ فقد كان ينفق عليه لقرابته وفقره، ثم حلف أن يقطع عنه النفقة بعدما تكلم في حادثة الإفك، فلما نزلت الآية قال أبو بكر: «بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي»، وأعاد النفقة إليه(13).

لم يكن الأذى يسيرًا، لكن أبا بكر لم يجعل إساءة الآخر مانعًا دائمًا من الإحسان، ومن هذا الموقف يمكن أن يبدأ إصلاح النفس: قبل استقصاء تقصير الصديق، يسأل المرء عن تقصيره هو؛ وقبل المطالبة باعتذار كامل، يتذكر ما يحتاجه من ستر ومغفرة.

وليس المطلوب إلزام كل متضرر بصورة واحدة من المصالحة، وإنما فتح أفق يتجاوز الانتقام واستدامة الخصومة، فقد تكون بداية الإصلاح كلمة عادلة، أو كفًّا عن التشهير، أو قبول اعتذار، أو إحسانًا لا يُستعمل لإذلال صاحبه.

من خلال ما سبق يتبين أن المعاني السابقة تلتقي عند ميزان واحد؛ ألا نطالب البشر بما ليس من طبيعتهم، وألا نهدر باسم بشريتهم ما يجب عليهم، فالصديق يُرى بحسناته وعيوبه، والوفاء يُعرف بأدلته لا بتفتيش السرائر، والعتاب يُقدّر بقدر الإصلاح، والحقوق تُصان دون تشفٍّ، عندئذ لا تصبح الصداقة انتظارًا لإنسان لا يخطئ، بل صحبة يتسع فيها العدل والرحمة لخطأ يُصحَّح، وعذر يُقبل، ومودة لا تُهدم عند أول امتحان.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (4/ 558).
  • 2 صحيح مسلم (1469).
  • 3 شرح النووي على مسلم (10/ 58).
  • 4 صحيح البخاري (6780).
  • 5 تفسير ابن كثير (7/ 352).
  • 6 صحيح البخاري (2641).
  • 7 تفسير البغوي (8/ 164).
  • 8 صحيح البخاري (4642).
  • 9 تاريخ دمشق: ابن عساكر (51/ 302).
  • 10 سير أعلام النبلاء (10/ 17).
  • 11 جامع العلوم والحكم (2/ 293).
  • 12 تفسير ابن كثير (6/ 29).
  • 13 صحيح البخاري (4750).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة