السُّنة القبلية في صلاة الجمعة.. مشروعيتها - وأحكامها

السُّنة القبلية في صلاة الجمعة.. مشروعيتها - وأحكامها

مسألة السنة القبلية لصلاة الجمعة من المسائل الفقهية الشائكة والمتشابكة، وقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية إلى مشروعية واستحباب الصلاة قبل الجمعة بوصفها سُنة قبلية، بينما ذهب آخرون إلى أنها ليست سُنة راتبة بخصوصها وإنما هي نافلةٌ مطلقة.

الأدلة من السُّنة النبوية المطهرة

1- الاستدلال بالعموم المتناول لجميع الصلوات المكتوبة: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ، أَنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ» (متفق عليه)؛ فلفظ «أَذَانَيْنِ» في لسان الشرع وفي عرف الفقهاء يُطلق على الأذان والإقامة من باب التغليب.

وصلاة الجمعة فريضةٌ ينادى لها بأذانٍ وتُقام بإقامة، فيشملها هذا العموم الشامل لكل صلاةٍ مكتوبة، ومقتضى هذا النص الثابت استحباب التنفل بالصلاة للفصل بين النداء وإقامة الصلاة، وسواء أُخذ الأذان الأول الذي زاده عثمان رضي الله عنه أو الأذان الذي يكون بين يدي الإمام، فإن أصل مشروعية التنفل بين النداءين ثابت بالمطابقة والإشارة.

2- الترغيب الصريح في التنفل المقدر قبل خروج الإمام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ مَعَهُ؛ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» (رواه مسلم).

وقوله صلى الله عليه وسلم: «فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ» نصٌّ صريحٌ في ندب واستحباب الصلاة قبل الجمعة وقبل صعود الإمام على المنبر.

3- القياس الجلي على صلاة الظهر: صلاة الجمعة هي البديل الشرعي عن صلاة الظهر في يومها بالنسبة للمكلفين بها؛ ولذا تشترك الجمعة مع الظهر في جل الأحكام، كالوقت، واشتراط الطهارة، والستر، وغيرها من الشروط والأركان، وقد ثبت بالنصوص الصحيحة المستفيضة أن لصلاة الظهر سُنة قبلية وهي ركعتان أو أربع ركعات.

الأدلة من آثار الصحابة والتابعين

لم تكن مشروعية الصلاة قبل الجمعة مجرد استنباطٍ نظري، بل كانت واقعاً عملياً مشهوداً في عصر الصحابة والتابعين، وهو ما يُعرف بالسنة التقريرية والآثار الموقوفة التي لها حكم الرفع أو العَضُد للأدلة العامة:

1- فعل عبدالله بن عمر: عَنْ نَافِعٍ قَالَ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُطِيلُ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ، وَيُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِك» (رواه أبو داود).

2- هدي عبدالله بن مسعود: عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَأْمُرُنَا أَنْ نُصَلِّيَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعاً، وَبَعْدَهَا أَرْبَعاً» (رواه عبدالرزاق في المصنف وغيره).

3- الأذان الأول في عهد عثمان بن عفان: ثبت في صحيح البخاري عن السائب بن يزيد أن الأذان الأول زادَه عثمان لما كَثُر الناس بالمدينة.

القواعد الأصولية والفقهية المؤيدة للمشروعية

تتضافر القواعد الأصولية والفقهية على تقرير مشروعية هذه الصلاة ونفي صفة البدعية عنها عبر الأحكام التالية:

القاعدة الأولى: «الأصل في العبادات والمواقف النفلية الإباحة والاستحباب ما لم يرد نهي»: لم يثبت نهيٌ صريح عن الصلاة قبل الجمعة، بل ورد الترغيب الصريح بقوله صلى الله عليه وسلم: «فصلّى ما قُدّر له»، فالأصل بقاء الطلب والاستحباب وعدم حظر الصلاة في هذا الوقت.

القاعدة الثانية: «ما كان له أصلٌ في الشرع فلا يُسمى بدعة»: البدعة المذمومة هي ما أُحدث على غير مثالٍ سابق ولا دليل يخصه أو يعضده، والسنة القبلية تندرج تحت أدلة تحية المسجد، والنفل المطلق، والصلاة بين الأذانين.

القاعدة الثالثة: «استثناء يوم الجمعة من أوقات الكراهة»: ذهب الشافعية وجماعة من السلف إلى أن وقت الاستواء (عند منتصف النهار) تُكره فيه الصلاة في جميع الأيام إلا يوم الجمعة؛ وذلك للترغيب بالتبكير والتنفل فيه والتأهب للخطبة.

مناقشة الشبهات والرد عليها

قد يطرح بعض الباحثين بعض الاعتراضات حول المسألة، ويحسن إيرادها ومناقشتها بالمنهج العلمي الفقهي:

الاعتراض الأول: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج فيصعد المنبر فيؤذن المؤذن ثم يبدأ بالخطبة، فلم يكن هناك وقتٌ لصلاتهم سُنة قبلية»:

والجواب: إن عدم نقل صلاةٍ محددة بعد الأذان الذي يلي صعود المنبر مباشرة لا ينفي وجود الصلاة قبله؛ فقد كان المسلمون يسبقون إلى المسجد فيصلون ما قُدّر لهم قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم، كما بيّنت الأحاديث، بالإضافة إلى أن الأذان الأول الذي استقرت عليه الأمة في عهد عثمان رضي الله عنه أفسح المجال وأوجد الوقت المعين لافتتاح الصلاة والتطوع قبل الجمعة.

الاعتراض الثاني: «إنها ليست سنة راتبة ذات عددٍ محدد كالظهر»:

والجواب: حتى لو قيل بعدم التحديد الصارم لعدد ركعاتها كسنن الرواتب المحض، فإن النزاع لفظي؛ إذ المتقرر عند الكافة هو استحباب الصلاة والتقرب بها قبل الجمعة. فمن صلاها ركعتين أو أربعاً أو أكثر بنية التنفل والتقرب، فقد أصاب السنة وأخذ بالأجر المرتب على حديث أبي هريرة رضي الله عنه في مسلم.

والخلاصة؛ صلاة السُّنة قبل صلاة الجمعة (السُّنة القبلية) صلاة مشروعة ومستحبة يثاب فاعلها ولا يُعاب تاركها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة