أزمة الصحة النفسية للشباب المسلم.. من اليأس للانتحار

لم يعد الانتحار في عالم اليوم قضية فردية أو حالات معزولة، بل ظاهرة متنامية تُنذر بأزمة إنسانية وأخلاقية عميقة، وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن أكثر من 700 ألف إنسان ينهون حياتهم سنويًا؛ أي حالة انتحار واحدة كلّ 40 ثانية تقريبًا(1)، وأن الانتحار يُعدّ رابع سبب للوفاة بين الشباب من سن الخامسة عشرة إلى التاسعة والعشرين(2).

المقلق أكثر أنه حتى في المجتمعات الإسلامية كذلك، بدأت هذه الظاهرة تتسلّل إلى النفوس التي يفترض أنها محفوظة بالإيمان بالحق، لتطرح سؤالًا خطيرًا: كيف يصل من يؤمن بالله إلى مرحلة يختار فيها الموت على الحياة؟!

هذا السؤال استفهامي واستنكاري معًا، فالاستفهام يكمن في وجود دوافع حقيقية لتلك الخواطر، وهي وإن لم تكن تبريرًا إلا أنها رصد لواقع مضطرب يحتاج إلى فهم لا إلى تبرئة، وأما الاستنكار فمبناه على أن الإيمان الحق إذا تحقق يحجز صاحبه عن التردي لتلك الهاوية معنويًّا قبل فيزيائيًّا.



الأسباب والدوافع: 4 هزائم للواقع المعاصر

من حيث الأسباب، فأبرزها:

1- أزمة الواقع المادي: البطالة وغلاء المعيشة وانسداد الأفق الوظيفي من أبرز أسباب الشعور بالعجز وانعدام الجدوى، حيث يعيش كثير من الشباب اليوم في قلقٍ دائم على مستقبلهم، لا يملكون أدوات الاستقرار ولا ضمانات الكفاف، فيتسلّل إلى قلوبهم الإحباط، وتخفت ثقتهم في أنفسهم وفي الحياة.

وقد سجّل البنك الدولي أنّ معدلات البطالة بين الشباب في بعض الدول العربية تجاوزت 25% عام 2024م(3)، بينما ربطت دراسات اقتصادية عديدة بين ارتفاع معدلات البطالة وزيادة معدلات الانتحار في الفئات العمرية الشابة(4).

2- اضطرابات الصحة النفسية: تزداد حالات الاكتئاب والاضطرابات النفسية في العالم العربي، لكنّ أغلبها يظلّ بلا علاج بسبب وصمة العار المرتبطة بالطب النفسي، وبسبب اهتزاز معالم تشخيص المرض النفسي والمرض الإيماني.

ووفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2023م، فإنّ أقلّ من 20% من المصابين باضطرابات نفسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتلقّون علاجًا متخصصًا(5)، بينما تعاني بعض الدول من نقصٍ حاد في عدد الأطباء النفسيين، بمعدل طبيب نفسي واحد لكل 100 ألف شخص فقط(6).

3- ضغوط العالم الافتراضي: تُضاعِف وسائل التواصل الاجتماعي الضغط على الأفراد بسبب المعايير الزائفة للسعادة والمقارنات المستمرة، فكلما تصفّح الشاب تلك الصور المثالية للحياة؛ ازداد بُعدًا عن واقعه، حتى يجد نفسه يعيش عزلة رقمية، يغيب فيها التواصل الحقيقي ويستفحل الشعور بالنقص واللاجدوى.

وقد ربطت دراسة أجرتها جامعة هارفارد عام 2022م بين الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بنسبة 60% لدى فئة الشباب(7).

4- أزمة المعنى والغاية: أو ما يسمّى الشعور بالفراغ الوجودي، فلم تعد الحياة عند كثيرين ذات غاية واضحة، وصار الإنسان المعاصر يطارد المتعة العابرة لا المعنى الباقي، وفي ظل تبدّل القيم واختلاط الهويات، يفقد الشاب المسلم بوصلته، ويغيب عن ذهنه أن وجوده نفسه امتحانٌ لا عبث.

اليأس في ميزان العقيدة: كبيرة أم مجرد ضعف؟

والآن بعد تقرير أبرز الدوافع، يلزم النظر في معنى التفكير في الانتحار ذاته، إذ إننا غالبًا للاكتئاب والإحباط واليأس وصولًا لرغبة الانتحار على أنهم سلسال ضعف وانكسار متتالٍ، والحق أنهم سلسالٌ من الانفصام عن الله، وانقطاع أمل اليائس من جهة الرب كما قطعها من جهة العبد سواء بسواء، والإصرار على ضرب الحائط بوعود الله وأحكامه، ولهذا سمّى الله تعالى اليأس من رحمته كفرًا؛ (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: 87).

إذ لا يبقى من الإيمان شيء عند من ينكر ربَّه في ساعة البلاء بعد أن زعم الإيمان به في ساعة الرخاء، وإلا فلم يصدق في رخائه كما لم يثبت في بلائه! ولهذا كان الانتحار كبيرة وكانت عقوبة المنتحر تعذيبه بما قتل به نفسه، لا استقباله بالأحضان؛ «مَن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة» (متفق عليه)؛ لأنه ليس ضعفًا نفسيًّا أو إيمانيًّا فحسب، بل طعنٌ في قضاء الله وعدله ورحمته من منظور الاعتقاد، كما في الحديث القدسيّ: «بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (رواه البخاري).

من جهة أخرى، فهو جريمة في حقّ النفس أكبر من كل الصعوبات والدوافع التي أوصلت صاحبها له، لكونه تضييعاً للفرصة في اغتنام الحياة، والاستزادة من الصالحات، والفوز بالعتق من النار؛ لذلك اشتدّ الوعيد الإلهي فيه: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً {29} وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً) (النساء).

بنية الإيمان مقابل بنية اليأس: كيف يحدث الانهيار؟

وكما أن الإيمان الحقيقي والحيّ الذي يُمكِن أن يخوض به الإنسان مخاضة الحياة هو بنية متكاملة تُبنى وتُتعهد على مدار العمر، لا مجرد انفجارات شعورية مؤقتة؛ كذلك الانتحار ليس خاطرة عابرة، بل بنية متراكمة من التصورات الشائهة، والأفهام الخاطئة، وسوداوية الوجدان، فإذا اجتمع على من يُسمّى المؤمن ضعف بنية الإيمان وتمكّن بنية السوداوية من نفسه، وصل إلى نفس منتهى غير المؤمن أصلًا، ولم ينفعه النور الذي أنعم الله به عليه! أما إذا كان الإيمان صحيحًا في أصله، رسخ في القلب ما يمنع صاحبه من السقوط في هذه الهاوية، ولو ضعُف لحظة أو تزلزل.

وها هنا تقع اللائمة على مرتكب الكبيرة بالأساس، لكن لا ريب يشترك آخرون في المَلامَة كلٌّ بقَدْر، ومن أكبر الملامين في زماننا فجوة الخطاب الديني السائد على الساحة والذي يكتفي بترداد الوعظيات المعلومة دون ملامسة هموم الشباب وقضاياه الساخنة، ويوم يقاربها فبسطحية وعلى عجالة وتخوّف، وإنّ الله تعالى حين نهى عن القنوط قال: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) (الزمر: 53)، فهو خطاب يُبشّر قبل أن يُزجُر.

ولذلك يجب أن يتحوّل الخطاب الديني من مجرد التوبيخ إلى التوجيه العميق، والتوعية بالثواب والعقاب معًا، ويعلمهم حق الله على عباده واحترام حرماته، كما يطمّعهم في حق العباد الذي جعله الله لهم عليه من جنة وحرير، ذلك أنّ الذين يقفون على حافة الانتحار لا يفتقرون إلى مخرج فقهيّ، بل إلى إرشاد يردّهم إلى الحق بحق.

حين يكون قبْر الروح أشد من قبْر البَدَن

إنّ بلاء المؤمن في الحياة أشدّ من غيره، إذ يُنعِم ربّه عليه بنور ليستضيء به في الحياة، فيَطمره ويَطمِسه، ويَمضي في ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض كمن ذهب الله بنورهم! فغير المؤمن يقتل بدنه هربًا من معضلة الحياة، أما المؤمن حين يستسلم لليأس وهو يعلم أن له ربًّا أقرب إليه من حبل الوريد، فهو يقبُر روحه حتى وإن تورّع كفاية عن قَبْرِ بَدَنِه!

 

 

 

_____________________

(1) World Health Organization، Suicide Worldwide in 2019: Global Health Estimates، Geneva: WHO, 2021.

(2) World Health Organization، World Suicide Report 2023: Mental Health and Suicide Prevention.

(3) World Bank Data، Youth Unemployment Rates in the Middle East and North Africa, 2024.

(4) Economou, A، et al، Economic Recession and Suicide in Europe: Cross-National Analysis، BMJ, 2019.

(5) WHO Regional Office for the Eastern Mediterranean، Mental Health Atlas 2023.

(6) Arab Youth Mental Health Report, UNICEF & WHO Joint Study, 2022.

(7) Harvard School of Public Health، Social Media Use and Mental Health Outcomes among Youths, 2022.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة