النساء المعيلات في غزة.. تحديات مضاعفة بين الفقد ومسؤولية الأسرة

مريم أحمد

11 مايو 2026

62

النساء المعيلات في غزة.. تحديات مضاعفة بين الفقد ومسؤولية الأسرة

 

تعيش آلاف النساء في قطاع غزة، اللواتي وجدن أنفسهن فجأة في مواجهة واقع قاس بعد فقدان أزواجهن خلال عدوان الاحتلال «الإسرائيلي» الأخير على قطاع غزة، في 7 أكتوبر 2023م، يعشن حياة صعبة وواقعاً مريراً؛ حيث لا تنتهي الحكاية عند دفن الشهداء، بل تبدأ فصول جديدة في الحياة بطلتها امرأة أجبرتها الظروف على التحول من شريكة في بناء الأسرة إلى عمودها الوحيد والمعيل الرئيس لها.

فقد أشارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن هناك أكثر من 58600 أسرة في غزة أصبحت تقودها نساء، وهذا التحول لم يكن مجرد رقم، وإنما شكل انقلاباً في البنية الاجتماعية في قطاع غزة، حيث باتت المرأة الغزية تؤدي دور الأم والأب معاً في ظل غياب المعيل.

قصص من قلب المأساة

في أحد مخيمات النزوح، تعيش أم رمضان إيهاب، وهي أم لـ7 أطفال، واقعاً قاسياً منذ استشهاد زوجها قبل عدة أشهر.

تقيم الأسرة داخل خيمة مهترئة على شاطئ البحر، وتعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية وتكايا الطعام التي لا تكفي لسد احتياجاتهم، تقول الأم لـ«المجتمع»: حلمي أن أعوض أطفالي عن غياب أبيهم، وأن أكون سندهم مدى الحياة.

إنه في الحقيقة حلم بسيط، لكنه في واقع غزة يبدو معركة من أجل البقاء.

كما التقت «المجتمع» بعدد من النساء اللواتي يتولين إعالة أسرهن داخل أحد مخيمات النزوح المخصص للأرامل، حيث أكدن أنهن يواجهن ظروفاً معيشية بالغة الصعوبة، ويكابدن أعباء الحياة اليومية بمفردهن في ظل غياب أزواجهن وما خلفه ذلك من مسؤوليات مضاعفة، حيث شكلت حقيقة استشهاد أزواجهن منعطفاً قاسياً في حياتهن، إذ تضاعفت معاناتهن مع تحمل مسؤوليات الأسرة كاملة وسط واقع النزوح وشح الإمكانات.

المشاريع الصغيرة بارقة أمل المعيلات

وفي مواجهة قسوة الحياة، بدأت أرامل غزة بتنفيذ مشاريع صغيرة كمحاولة لتوفير لقمة العيش وضمان الحد الأدنى من احتياجات أسرهن مثل خياطة وتصليح الملابس، وخبز المعجنات، وتغليف البهارات، وإعداد المخللات.. وغيرها.

السيدة أم محمد (45 عاماً)، وهي أم لـ5 أطفال من قطاع غزة، فقدت زوجها خلال العدوان «الإسرائيلي» الأخير على قطاع غزة، فاختارت أن تواجه قسوة الواقع بإطلاق مشروع بسيط من داخل خيمتها في مخيم النزوح، لتروي كيف تحول جهدها المتواضع إلى وسيلة للصمود وإعالة أطفالها في ظل ظروف إنسانية بالغة التعقيد، حيث بدأت مشروعاً صغيراً لإعداد وبيع المعجنات المنزلية وأنواع الخبز من داخل خيمتها.

وتوضح أن المشروع بدأ بإمكانات وأدوات محدودة جداً، حيث كانت تعد كميات بسيطة من الفطائر والخبز وتبيعها لسكان المخيم، قبل أن يتوسع تدريجياً ويصبح مصدر دخل يساعدها على توفير الحد الأدنى من احتياجات أطفالها اليومية.

ضرورة الدعم الاجتماعي للمعيلات

وفي السياق، يرى مختصون نفسيون أن الضغط النفسي الواقع على النساء المعيلات لأسرهن بعد استشهاد أزواجهن يعد من أخطر أشكال الصدمات النفسية المركبة، لأنه يجمع بين صدمة الفقدان المفاجئ وتحمل مسؤوليات معيشية واجتماعية مضاعفة في وقت قصير؛ ما يضع المرأة تحت عبء نفسي قد يفوق قدرتها على التكيف إذا لم تحظ بالدعم الكافي.

وبدورها، أكدت الاختصاصية النفسية جنة بركات لـ«المجتمع» أن النساء المعيلات يتعرضن لضغوط نفسية هائلة نتيجة تحمل مسؤولية إعالة الأسرة بمفردهن، وهذا الواقع يسبب مستويات مرتفعة من التوتر والقلق المستمر، كما أن تراكم الأعباء الاقتصادية والأسرية يؤدي إلى إنهاك نفسي وجسدي إضافي، كما أشارت إلى أن غياب الدعم الاجتماعي يزيد من خطورة هذه الضغوط ويعمق الإحساس بالوحدة للمعيلات؛ لذلك يبقى توفير الدعم المجتمعي عاملاً أساسياً في تحسين صحتهن النفسية وجودة حياتهن.

وأوضحت أنه يمكن التخفيف من الضغوط النفسية لدى النساء المعيلات من خلال تعزيز الدعم الاجتماعي من العائلة والمجتمع لما له من دور في تقليل الشعور بالوحدة، كما يساعد الوصول إلى خدمات الدعم النفسي والإرشاد في التعامل مع القلق والضغط، ويساهم تنظيم الوقت وتوزيع المسؤوليات في تخفيف العبء اليومي، إضافة إلى ذلك، فإن توفير فرص عمل أو دعم مادي يقلل من الضغوط عليهن.

وتبقى نساء غزة المعيلات نموذجاً للصبر والإصرار والثبات في مواجهة أقسى الظروف، إذ استطعن تحويل الألم إلى قوة، والحرمان إلى دافع للعمل والإنتاج، حيث تواصل هؤلاء النساء رسم ملامح حياة جديدة بوسائل بسيطة وإمكانات محدودة، مؤكدات أن الإرادة قادرة على صنع الأمل وحياة أفضل.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة