من القول إلى الأثر..
كيف تكتمل القيمة الإنسانية في حكمة الأحنف بن قيس؟
أورد الذهبي
عَنْ الأحنف بن قيس، قَالَ: «رَأْسُ الأَدَبِ آلَةُ المَنْطِقِ، لَا خَيْرَ فِي
قَوْلٍ بِلَا فِعْلٍ، وَلَا فِي مَنْظَرٍ بِلَا مَخْبَرٍ، وَلَا فِي مَالٍ بِلَا
جُوْدٍ، وَلَا فِي صَدِيْقٍ بِلَا وَفَاءٍ، وَلَا فِي فِقْهٍ بِلَا وَرَعٍ، وَلَا
فِي صَدَقَةٍ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَلَا فِي حَيَاةٍ إِلَّا بِصِحَّةٍ وَأَمْنٍ»(1).
يمثل هذا الأثر
المنقول عن الأحنف بن قيس نموذجًا من الحكم العربية التي لم تنشأ في فراغ فكري،
وإنما تبلورت في سياق تجربة رجل عُرف بالحلم وسداد الرأي وحسن إدارة المواقف، وتكشف
كلمات الأحنف عن رؤية متكاملة للإنسان؛ فالقيمة عنده لا تقوم بمجرد وجود الشيء،
وإنما بوجود الغاية التي تمنحه معناه، وبالأثر الذي يثبت حقيقته في الواقع.
وتنبني الحكمة
على قاعدة مركزية مؤداها أن الأشياء تفقد كمال قيمتها إذا انفصل ظاهرها عن حقيقتها
وأثرها؛ فالقول يحتاج إلى فعل يصدقه، والمنظر إلى مخبر يكشف حقيقته، والمال إلى
جود يحقق نفعه، والصداقة إلى وفاء يحفظها، والفقه إلى ورع يضبطه، والصدقة إلى نية
تزكيها، والحياة إلى صحة وأمن يمكنان الإنسان من الاستقرار والعمل والعطاء، ومن ثم
لا يقدم الأحنف القيم بوصفها صفات منفردة، وإنما بوصفها علاقات تكاملية؛ إذ يحدد
لكل قيمة ما يجعلها صادقة مكتملة.
وهكذا تنتقل
الحكمة من مجرد تعداد فضائل متفرقة إلى بناء تصور للإنسان الذي لا يكتمل بما يحوزه
من صفات أو إمكانات، وإنما بقدر ما يحولها إلى آثار صادقة في نفسه وعلاقاته
ومجتمعه، وهذه هي الدلالة المركزية التي تجعل الحكمة جديرة بالقراءة بوصفها تصورًا
متكاملًا لاكتمال القيمة الإنسانية.
متى يكون العمل البرهان الحقيقي للقول؟
افتتح الأحنف بن
قيس حكمته بقوله: «لا خير في قول بلا فعل»، وهي قاعدة تتجاوز مجرد النقد الأخلاقي
إلى بناء معيار لتمييز الحقيقة من الادعاء؛ فالكلمات، مهما بلغت من جمال، لا تكتسب
تمام قيمتها إذا لم تتحول إلى سلوك يجسد المبدأ الذي تنادي به، ومن هنا يصبح العمل
هو البرهان العملي الذي يكشف مدى صدق القول، فلا يكون الإنسان بما يعلنه عن نفسه
فحسب، وإنما بما يترجمه من مبادئ في أفعاله.
وهذا المعنى
يلتقي مباشرة مع قول الله تعالى: (كَبُرَ
مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف: 3)؛
فالقرآن لا يذم القول من حيث هو قول، وإنما يكشف خلل القول حين ينفصل عن التطبيق،
لأن الإنسان لا يُقاس بما يعلنه فقط، وإنما بما يحققه في الواقع.
ويؤكد هذا
المعنى الحديث النبوي الذي يصور عاقبة من يأمر بالمعروف ولا يأتيه، فعن أسامة بن
زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل الذي يعذب يوم القيامة: «كُنْتُ
آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ»(2)،
فالشاهد النبوي يجسد عمليًا ما قررته الآية من ذم انفصال القول عن الفعل، ويبين أن
المسؤولية الأخلاقية لا تتحقق بمجرد الدعوة إلى المبدأ، وإنما تبدأ من التزام
صاحبه به؛ إذ إن مخالفة السلوك لما يدعو إليه القول تكشف الفجوة بين الخطاب
والممارسة، وتضعف القيمة الأخلاقية للقول.
ولا يقتصر هذا
المعيار على المجال الديني؛ فهو حاضر في مختلف مجالات الحياة المعاصرة، فالقائد
الذي يتحدث عن المسؤولية ولا يتحملها، والمعلم الذي يدعو إلى الانضباط ولا يلتزم
به، والمسؤول الذي يعلن النزاهة بينما يناقضها سلوكه، جميعهم يقدمون نموذجًا
للفجوة بين القول والفعل، ومن ثم فإن الحكمة تؤسس لمعيار جوهري في بناء الشخصية؛
أن صدق القول لا يكتمل إلا حين يصبح صاحبه أول من يجسد ما يقول.
خطورة الانخداع بالمظاهر عند غياب صلاح الباطن
وقوله: «ولا في
منظر بلا مخبر» ينقل الحكمة من العلاقة بين القول والفعل إلى العلاقة بين الظاهر
والباطن؛ فالمظاهر قد تجذب الأبصار، لكنها لا تكشف بالضرورة حقيقة النفوس، وقد
يكون حسن الهيئة أو قوة الحضور أو جمال الخطاب ستارًا يخفي ضعفًا في الداخل، ولذلك
فإن قيمة المظهر لا تكتمل إلا إذا كان معبرًا عن جوهر صالح يصدقه.
وقد نبه القرآن
إلى خطورة الانخداع بالظاهر الخاوي عن الجوهر في وصف المنافقين: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ
أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ
مُّسَنَّدَةٌ) (المنافقون: 4)، فالصورة قد تكون جاذبة، والخطاب قد يكون
مؤثرًا، لكنهما لا يكفيان للحكم على حقيقة الإنسان؛ إذ قد ينفصل حسن الظاهر عن
حقيقة الباطن.
ويتأكد هذا
المعنى في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى
صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ
وَأَعْمَالِكُمْ»(3)، فالحديث ينقل معيار التقويم من مجرد الصورة
الظاهرة إلى ما يستقر في القلب وما يترجم عنه العمل، بما يؤكد أن القيمة الحقيقية
للإنسان لا تستمد من هيئته أو ماله، وإنما من حقيقة باطنه وآثار ذلك في سلوكه، ولا
يعني ذلك إلغاء قيمة المظهر الحسن؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله
جميل يحب الجمال»(4)، وإنما المقصود ألا يتحول حسن المظهر إلى بديل عن
صلاح الجوهر.
ويجسد هذا
المعنى موقف الحسن البصري رحمه الله حين رأى شابًا معجبًا بشبابه وجماله وثيابه،
فقال له: «إيه يا ابن آدم، معجب بشبابك، معجب بجمالك، معجب بثيابك، كأن القبر قد
وارى بدنك، وكأنك قد لاقيت عملك، فداوِ قلبك؛ فإن حاجة الله إلى عباده صلاح
قلوبهم»(5)، ويكشف هذا الموقف أن جمال الهيئة، مهما بلغ، يظل قيمة
ظاهرية لا تستكمل دلالتها إلا بصلاح القلب؛ فالمظهر قد يجذب النظر، لكن الجوهر هو
الذي يمنح الإنسان قيمته الحقيقية ويكشفها عند العمل والتعامل.
وعليه، فالحكمة
لا تدعو إلى إهمال المظهر، وإنما تمنع اختزاله في الحكم على الإنسان؛ إذ إن اكتمال
القيمة الإنسانية يتحقق حين يتوافق حسن الظاهر مع صلاح المخبر، ويصبح المظهر
تعبيرًا عن الجوهر لا ستارًا يحجبه.
كيف يتحول الامتلاك المالي إلى أثر نافع؟
قال الأحنف بن
قيس: «ولا في مال بلا جود»، فالمال لا يستمد قيمته الأخلاقية من مجرد امتلاكه،
وإنما من الطريقة التي يتحول بها إلى نفع وإحسان وإعمار، ومن هنا ينتقل الأحنف من
الحديث عن امتلاك القيمة إلى حسن توظيفها؛ فالقدرة المالية التي لا تنتج أثرًا
نافعًا تبقى قدرة ناقصة من منظور القيمة الإنسانية.
وقد جعل القرآن
الإنفاق مما يحبه الإنسان طريقًا إلى البر، فقال تعالى: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا
تُحِبُّونَ) (آل عمران: 92)، فالإنفاق هنا لا يمثل مجرد إخراج للمال، وإنما
يمثل انتقالًا من التعلق بالملكية إلى القدرة على البذل، ومن المنفعة الفردية إلى
الخير المتعدي، وبذلك يصبح المال وسيلة تتجاوز حدود صاحبه حين يوجَّه إلى ما يحقق
النفع ويعود بالخير على الآخرين.
ويتجسد هذا
المعنى في موقف طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه حين جاءه مال جم من حضرموت، فبات
متقلبًا، ثم قال: «ما ظن رجل بربه يبيت وهذا المال في بيته؟»، فلما أصبح دعا
بالجفان فقسم المال بين المهاجرين والأنصار، ولم يترك منه درهمًا(6)، ويكشف
هذا الموقف عن تصور يتجاوز النظر إلى المال باعتباره ملكية خاصة إلى إدراك وظيفته
الأخلاقية؛ فالمال الذي كان في حوزته لم تكتمل قيمته بمجرد امتلاكه، وإنما اكتسب
معناه حين تحول إلى جود ونفع للآخرين، ومن ثم يصدق في هذا الموقف قول الأحنف: «ولا
في مال بلا جود»؛ إذ اقترن وجود المال بالبذل، فتحولت الثروة من قدرة كامنة إلى
أثر إنساني واجتماعي ملموس.
ولا يعني الجود
إهدار المال أو فقدان التوازن، وإنما يعني إدراك أن الثروة وسيلة وليست غاية، وأن
قيمتها تزداد حين تُحسن إدارتها وتوجيهها إلى ما ينفع الإنسان والمجتمع، فليس
المقصود أن يفقد المال صاحبه، وإنما أن يخرج من دائرة الامتلاك المجرد إلى دائرة
النفع المسؤول؛ وبذلك يصبح المال مكتمل القيمة عندما ينتقل من الامتلاك إلى النفع،
ومن القدرة إلى العطاء.
دور الوفاء في بناء الثقة بين البشر
وقوله: «ولا في
صديق بلا وفاء» يكشف أن الصداقة عند الأحنف بن قيس ليست مجرد قرب أو معاشرة، وإنما
رابطة تقوم على الثبات وحفظ الود؛ إذ إن حقيقة الصديق لا تظهر في أوقات الرخاء
وحدها، وإنما تتكشف عندما تتغير الظروف وتصبح العلاقة أمام اختبار يكشف مدى صدقها
وقدرة أصحابها على حفظ ما بينهم من مودة وثقة، وقد عظّم القرآن قيمة الوفاء، فقال
تعالى: (وَأَوْفُوا
بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء: 34)، فجعل الوفاء
مسؤولية أخلاقية تحفظ الحقوق وتصون ما تقوم عليه العلاقات من ثقة والتزام.
ويتجسد هذا
المعنى في موقف عبد الله بن أُرَيْقِط، الذي ائتمنه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو
بكر رضي الله عنه على دلالتهما في طريق الهجرة(7)، مع اختلاف الدين،
فحفظ الأمانة وأدى ما اؤتمن عليه، وتكشف هذه الواقعة أن الوفاء ليس ثمرةً للمصلحة
المشتركة أو التشابه بين الأشخاص، وإنما قيمة أخلاقية تجعل الإنسان جديرًا بالثقة،
وتمنح العلاقات قدرًا من الأمان والاستقرار حتى حين لا تكون المصلحة المباشرة
حاضرة.
ويتأكد المعنى
في وفاء النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة رضي الله عنها بعد وفاتها؛ فقد ظل يذكرها
ويصل صديقاتها إكرامًا لها، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «مَا غِرْتُ عَلَى
أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى
خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً،
ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ»(8)، فهنا يتجاوز الوفاء
مجرد حفظ عهد قائم إلى استمرار المودة وحفظ أثر العلاقة بعد غياب صاحبها، وهو ما
يكشف عمق الوفاء بوصفه قيمة مستقرة في السلوك لا موقفًا عابرًا تفرضه الظروف.
ومن ثم يضع
الأحنف بن قيس الوفاء في صميم العلاقة الإنسانية؛ فهو الذي ينقل الصداقة من مجرد
المعاشرة أو المنفعة المتبادلة إلى رابطة تقوم على الثقة والثبات، وتحفظ المودة
عند تغير الظروف، وتصون الأمانة حين تغيب المصلحة.
أخطار انفصال المعرفة عن الخشية والمسؤولية الأخلاقية
ومن أدق عبارات
الأحنف بن قيس قوله: «ولا في فقه بلا ورع»؛ فهو لا ينتقص من قيمة العلم، وإنما
يربطه بالخلق الذي يضبط استعماله؛ لأن المعرفة إذا انفصلت عن خشية الله والمسؤولية
الأخلاقية قد تتحول من وسيلة للهداية إلى أداة للجدل أو الشهرة أو تبرير الأهواء.
وقد أصل القرآن
لهذا الارتباط بين العلم والخشية، فقال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر:
28)، فجعل الخشية أثرًا دالًّا على حقيقة العلم، بما يدل على أن المعرفة
التي لا تثمر خشيةً وانضباطًا لا تبلغ تمام غايتها الأخلاقية، فكلما ازداد الإنسان
معرفةً بالله وأمره، كان ذلك أدعى إلى مراقبته والوقوف عند حدوده.
ويترجم هذا
الأصل القرآني إلى سلوك عملي ما نُقل عن الإمام مالك بن أنس رحمه الله من قوله: «إِنَّ
حَقًّا عَلَى مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَقَارٌ، وَسَكِينَةٌ وَخَشْيَةٌ»(9)؛
فالعلم، في هذا التصور، لا يقتصر أثره على زيادة المعارف، وإنما ينبغي أن ينعكس
على هيئة صاحبه وسلوكه وموقفه من الحق، ومن ثم فإن الورع ليس أمرًا خارجًا عن
العلم، بل هو من أبرز ثماره العملية، وعلامة على انتقال المعرفة من الذهن إلى
السلوك.
غير أن خطورة
انفصال العلم عن الورع تتجاوز فساد صاحبه إلى إمكان إفساده لغيره، وهو ما يتضح في
قول هرم بن حيان: «إيّاكم والعالِمَ الفاسق، ثم بيّن مراده بقوله: يكون إمامٌ
يتكلم بالعلم ويعمل بالفسق، فيُشبَّه على الناس فيضلوا»(10)، فالعلم
إذا لم يصحبه التزام بما يقتضيه قد يفقد وظيفته الإصلاحية، بل قد يتحول إلى وسيلة
لإضلال الناس، ولا سيما حين يكون صاحبه موضع اقتداء وثقة.
ومن هنا تتضح
دقة حكمة الأحنف بن قيس؛ فالورع هو الذي يمنح الفقه ضابطه الأخلاقي، ويحول دون أن
تتحول المعرفة إلى مجرد قدرة على القول والجدل، وفي عصر تتسع فيه المعرفة وتتعدد
مصادر المعلومات، تزداد الحاجة إلى هذا المعنى؛ فليس كل من امتلك معلومة امتلك
حكمة، وليس كل من عرف الحكم أحسن تنزيله، ولذلك تكتمل قيمة الفقه حين تتحول
المعرفة إلى بصيرة، والبصيرة إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى سلوك.
شروط اكتمال العمل الصالح بين القصد والفعل
وقوله: «ولا في
صدقة إلا بنية» يقرر أن قيمة العمل لا تستمد من صورته الظاهرة وحدها، وإنما من
القصد الذي يوجهه ويمنحه معناه الأخلاقي، فالصدقة، وإن اتحدت صورتها في ظاهرها، قد
تختلف قيمتها باختلاف الباعث عليها؛ إذ قد تكون ابتغاءً لوجه الله، وقد تكون طلبًا
للثناء أو تحصيلًا لمكانة اجتماعية، ومن ثم فإن صلاح العمل في ظاهره لا يكتمل إلا
بصلاح المقصد الذي يقف وراءه.
وقد أصّل النبي
صلى الله عليه وسلم لهذا المعنى في الحديث المشهور عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»(11)؛
فالحديث يجعل النية معيارًا أساسًا في اعتبار العمل وتحديد وجهته، ويكشف أن
التشابه في الصورة الخارجية لا يعني بالضرورة التماثل في القيمة؛ لأن اختلاف
المقاصد يؤدي إلى اختلاف منزلة العمل وآثاره.
وتتضح هذه
القاعدة بصورة تطبيقية في قصة قُزمان يوم أُحد؛ فقد قاتل قتالًا شديدًا وأبلى
بلاءً ظاهرًا، حتى ظن من حوله أن ذلك مما يوجب له الفضل، فلما قيل له: «أبشر
بالجنة»، كشف عن حقيقة قصده فقال إنه لم يقاتل إلا حمايةً لقومه، ثم انتهى أمره
إلى أن قتل نفسه(12)، فلم ينفعه ما ظهر من شدة القتال؛ لأن الباعث الذي
حرّك فعله لم يكن ابتغاء وجه الله، وتكشف هذه القصة أن عظمة الصورة الظاهرة للعمل
لا تكفي وحدها لمنحه القيمة الأخلاقية، ما لم تستند إلى مقصد صالح.
وبذلك تتضح
دلالة حكمة الأحنف بن قيس: فالنية ليست أمرًا باطنيًا منفصلًا عن العمل، وإنما هي
التي تحدد وجهته وتكشف حقيقته الأخلاقية، ولذلك لا يكفي أن يكثر الإنسان من أعمال
الخير، بل ينبغي أن يراجع المقصد الذي يحركه فيها؛ إذ قد يتساوى العملان في
الظاهر، ثم يفترقان في القيمة لاختلاف ما وراءهما من نيات، ومن هنا يكتمل العمل
الصالح باجتماع صلاح القصد وصحة الفعل، فتتحول الصورة الظاهرة إلى قيمة حقيقية،
ويتوافق باطن الإنسان مع ظاهره، والقصد مع العمل.
حين تصبح العافية والأمان شرطين لبناء العمران
وختم الأحنف بن
قيس حكمته بقوله: «ولا في حياة إلا بصحة وأمن»، فينتقل بذلك من بيان مقومات اكتمال
الإنسان الأخلاقية إلى بيان الشروط التي تتيح له أن يمارس تلك القيم في واقع
الحياة، فالعلم والمال والقدرة لا تؤتي ثمارها ما لم يجد الإنسان بيئة تحفظ وجوده،
وصحة تمكنه من أداء وظائفه، وأمنًا يصون نفسه ويتيح له العمل والاستقرار والإنتاج.
وتتجلى دقة هذا
المعنى في الحديث النبوي الذي جمع في عبارة موجزة أهم مقومات الحياة المستقرة،
فقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى
فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»(13)،
فالحديث يجمع بين الأمن والعافية والكفاية، بوصفها مقومات أساسية لاستقرار الحياة،
إذ لا يستطيع الإنسان توظيف قدراته ما لم تتوافر له هذه المقومات الأولية.
ويتحول هذا
المعنى إلى ممارسة عملية في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند وقوع طاعون
عمواس؛ فحين بلغه انتشار الوباء في الشام، استشار الصحابة، ثم قرر الرجوع، وقال: «نَفِرُّ
مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ»(14)، ويكشف هذا الموقف أن
حفظ الصحة العامة من مقتضيات الأخذ بالأسباب وتحمل المسؤولية عن حياة الناس.
ومن ثم تتجاوز
عبارة الأحنف حدود العافية الفردية إلى معنى أوسع يتصل بالعمران الإنساني؛ فالصحة
تحفظ للإنسان قدرته على العمل والعطاء، والأمن يوفر البيئة التي تمكنه من ممارسة
تلك القدرة دون خوف أو اضطراب، ولذلك لا يمكن أن يستقيم بناء اجتماعي أو اقتصادي
مستقر في بيئة تهدد صحة الإنسان أو أمنه.
وهكذا تأتي
خاتمة حكمة الأحنف بن قيس منسجمة مع بنائها الكلي؛ فبعد أن قرر شروط اكتمال العلم
بالورع، والمال بالجود، والصداقة بالوفاء، والعمل بالنية، ختم بشروط البيئة التي
تجعل هذه القيم قابلة للتحقق في الحياة: الصحة التي تحفظ القدرة، والأمن الذي يحفظ
الاستقرار، وبذلك لا تكتمل قيمة الإنسان في ذاته فحسب، وإنما تكتمل كذلك بتوافر
الظروف التي تمكنه من تحويل قيمه وقدراته إلى عمل نافع وعمران إنساني.
تكامل القيمة الإنسانية في حكمة الأحنف بن قيس
تكشف كلمات
الأحنف بن قيس في مجموعها عن تصور متكامل لبناء الإنسان؛ قول يصدقه العمل، ومظهر
لا ينفصل عن المخبر، ومال يتحول إلى نفع، وصداقة تقوم على الوفاء، وفقه يقوده
الورع، وصدقة تزكيها النية، وحياة تحفظها الصحة والأمن، وبذلك لا تبدو الحكمة مجرد
مجموعة من الوصايا المتجاورة، وإنما بناءً تتساند عناصره؛ إذ يكمل كل عنصر منها ما
يقيه من النقص أو الانحراف.
ويؤكد هذا
المعنى قول ابن قيم الجوزية في الفوائد: «كمال الإنسان إنما يتم بهاتين القوتين؛
قوة علمية تبصره، وقوة عملية ترغبه وتدفعه، ولا كمال لأحدهما إلا بالصحبة التامة
للأخرى»(15)، فالكمال الإنساني لا يتحقق بالمعرفة المجردة، ولا بالعمل
المنفصل عن البصيرة، وإنما بتكاملهما؛ وهو ما ينسجم مع البناء الذي أقامه الأحنف
بين القول والعمل، والفقه والورع، والنية والفعل.
ويأتي الحديث
النبوي مؤكدًا لهذا التكامل من جهة أخرى، في قوله صلى الله عليه وسلم: «أَلَا
وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا
فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ»(16)، فصلاح
القلب يمثل الأساس الداخلي الذي ينعكس أثره على السلوك الظاهر، وبذلك يلتقي الحديث
مع حكمة الأحنف بن قيس في تأكيد ضرورة التوافق بين الباطن والظاهر، والقصد والعمل.
ومن هذا المنظور تتضح وحدة الحكمة كلها؛ فهي لا تقدم خصالًا أخلاقية متفرقة، وإنما تؤسس لمنظومة متكاملة تتفاعل فيها سلامة الباطن مع استقامة السلوك، وتتجه فيها المعرفة والقدرة والمقدرات الإنسانية نحو النفع والإصلاح، وبذلك تنتقل الحكمة من مجرد توجيهات جزئية إلى رؤية متكاملة في بناء الإنسان؛ إذ تتحقق قيمته بقدر ما تنتظم مكوناته الداخلية والخارجية في شخصية متوازنة قادرة على تحويل ما تملك من معرفة وخلق وقدرة إلى عمل نافع وعطاء مستمر.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 93).
- 2 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (3267)، ومسلم (2989).
- 3 أخرجه مسلم (2564).
- 4 المرجع السابق (91).
- 5 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم (2/ 48).
- 6 تاريخ دمشق: ابن عساكر (25/ 99).
- 7 المعجم الكبير: الطبراني (23/24)..
- 8 متفق عليه، أخرجه البخاري (3818)، ومسلم (2435).
- 9 ما رواه الأكابر عن مالك بن أنس: محمد بن مخلد (63).
- 10 أخرجه الدارمي في سننه بسند صحيح (308).
- 11 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (1)، ومسلم (1907).
- 12 السيرة النبوية: ابن هشام (2/ 88).
- 13 أخرجه الترمذي في سننه بسند حسن (2346).
- 14 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (2729)، ومسلم (2219).
- 15 الفوائد: ابن قيم الجوزية (25)، بتصرف .
- 16 متفق عليه، أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً