فقه الاتزان في العلاقات..
كيف نصنع الشخصية المتزنة؟ من وصايا الأحنف بن قيس
صورة تعبيرية تجسد الحكمة والاتزان وضبط النفس مستوحاة من شخصية الأحنف بن قيس وتراث الحكماء العرب.
قال الذهبي: قال
الأحنف بن قيس: «ثَلَاثٌ فِيَّ مَا أَذْكُرُهُنَّ إِلَّا لِمُعْتَبِرٍ: مَا
أَتَيْتُ بَابَ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ أُدْعَى، وَلَا دَخَلْتُ بَيْنَ اثْنَيْنِ
حَتَّى يُدْخِلَانِي بَيْنَهُمَا، وَمَا أَذْكُرُ أَحَدًا بَعْدَ أَنْ يَقُومَ
مِنْ عِنْدِي إِلَّا بِخَيْرٍ»(1).
يأتي هذا القول
عن الأحنف بن قيس في سياق شخصية عُرفت بالحلم وبعد النظر وقوة ضبط النفس، فقد كان
الأحنف من سادات العرب المشهورين برجاحة العقل، وكان عصره مليئًا بالتجاذبات
السياسية والاجتماعية، حيث كان القرب من أصحاب السلطة بابًا للمصالح كما كان بابًا
للفتن، ومن هنا تكشف كلماته الثلاث عن منهج متكامل في صيانة الإنسان لنفسه ومكانته
وعلاقاته.
ولم يكن الأحنف
يعرض فضائل شخصية مجردة، وإنما يقدم قواعد عملية في التعامل مع السلطة، وإدارة
النزاع، وضبط الكلام، وهي قواعد يجمعها معنى واحد: أن الإنسان كلما امتلك زمام
نفسه، أحسن تقدير مواقفه، فلم يجعل القرب من النفوذ غاية، ولم يدخل في خصومة بغير
موضع، ولم يجعل غياب الآخرين فرصة للكلام عنهم.
وقد جاء في وصف
النبي صلى الله عليه وسلم لهذه القدرة: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا
اللَّهُ؛ الْحِلْمُ، وَالأَنَاةُ»(2)، فالحلم والأناة ليسا مجرد سمتين
شخصيتين، وإنما قدرة على ضبط الاستجابة وتأخيرها حتى يتبين للإنسان موضع الفعل
المناسب.
وتنبني وصايا
الأحنف على إدراك أن الرشد لا يكون بمجرد امتلاك القدرة، وإنما بحسن استعمالها؛
فقد يقدر المرء على دخول أبواب كثيرة، والتدخل في خصومات متعددة، والحديث عن أشخاص
غائبين، لكن الحكمة أن يعرف متى يتقدم ومتى يمسك، ولذلك جاء في الحديث: «مِنْ
حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»(3)، فليست
العبرة بكثرة الحضور أو التدخل أو الكلام، وإنما في أن يكون حضور الإنسان وكلامه
وتدخله في موضع المصلحة، وأن يكون انكفافه حيث يكون الانكفاف أحفظ لدينه ومكانته
وعلاقاته.
حين يصبح الاستغناء عن أبواب النفوذ مصدرًا للقوة
قول الأحنف: «ما
أتيت باب سلطان إلا أن أُدعى» يكشف عن وعي دقيق بحدود العلاقة بين صاحب الرأي
وصاحب السلطة؛ فمن جعل القرب من النفوذ غايةً له، عرّض استقلاله للتأثر، أما من
استغنى عنه، بقي أقدر على إبداء الرأي والنصيحة دون أن يتحول القرب إلى تبعية.
ولا يعني ذلك
الانعزال عن الشأن العام أو ترك المسؤولية، وإنما يعني ألا يكون طلب القرب من
السلطة غايةً في ذاته، وقد وضع القرآن حدًّا أخلاقيًّا واضحًا لهذه العلاقة بقوله
تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا
إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (هود: 113)؛ فالركون
يتجاوز مجرد التعامل إلى الميل والاعتماد والتعلق، بما قد يضعف استقلال الإنسان
وموقفه من الحق.
ويؤكد هذا
المعنى النبوي النهي عن التطلع إلى الولاية والحرص عليها؛ فعَنْ أَبِي مُوسَى
قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَرَجُلَانِ
مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ،
أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ الْآخَرُ
مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ
أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ»(4)، ويدل الحديث على
أن المسؤولية لا ينبغي أن تتحول إلى مجال للتنافس على النفوذ، وإنما تُنظر فيها
الأهلية والمصلحة، بعيدًا عن التطلع الشخصي إلى المكانة.
ومع ذلك، فإن
الاستغناء عن أبواب النفوذ لا يعني الصمت عن الحق أو ترك النصيحة؛ فقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ
سُلْطَانٍ جَائِرٍ»(5)، فالقوة الأخلاقية لا تتمثل في القرب من السلطة
ولا في الابتعاد عنها مطلقًا، وإنما في القدرة على التعامل معها دون أن يفقد
الإنسان استقلاله؛ فينصح حين تدعو الحاجة، ويبتعد حين يصبح القرب بابًا للتبعية.
وفي واقع
المؤسسات، يظهر هذا المعنى في استقلال صاحب الخبرة عن دوائر المصالح الشخصية؛
فالقيمة الحقيقية للمستشار أو القائد لا تقاس بكثرة ظهوره عند أصحاب القرار، وإنما
بقدرته على أن يقول رأيه حين تدعو الحاجة إليه، وأن يبقى رأيه قائمًا على المصلحة
لا على طلب المكانة.
ومن ثم، فإن
الهيبة الحقيقية لا تُصنع بكثرة الأبواب التي يدخلها الإنسان، وإنما بقدرته على
ألا يجعل أبواب النفوذ شرطًا لقيمته أو مكانته؛ فمن استغنى عن القرب حين لا تدعو
إليه حاجة، كان أقدر على أن يتكلم حين تكون للكلمة حاجة، وأن يحافظ على استقلاله
حين يقترب من مواضع القوة.
فقه الوساطة وأثر القبول بين الخصوم
أما قوله: «ولا
دخلت بين اثنين حتى يدخلاني بينهما» فهو قاعدة دقيقة في فقه العلاقات الإنسانية؛
إذ يدرك الأحنف أن الرغبة في الإصلاح لا تكفي وحدها، بل لا بد أن يكون التدخل في
موضعه، وأن يحظى المصلح بقبول أطراف النزاع، حتى لا يتحول من مصلح إلى طرف فيه، فالدخول
غير المطلوب قد يُفهم على أنه انحياز أو تدخل في غير موضعه، بينما يهيئ القبول
للمصلح مساحة أوسع لسماع الأطراف والتأثير فيهم.
وقد وضع القرآن
الإصلاح بين المتخاصمين في إطار العدل والتجرد، فقال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا
عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ
اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الحجرات: 9)؛ فالآية تجعل الإصلاح غاية
التدخل، والعدل أساسه؛ ومن ثم فالحكمة ليست في مجرد الدخول في النزاع، وإنما في
حسن تقدير موضع التدخل وكيفيته.
ويظهر معنى
القبول الذي يسبق التدخل الناجح في موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين اختلفت قريش
فيمن يضع الحجر الأسود، فاتفقوا على تحكيم أول من يدخل عليهم، فلما دخل النبي صلى
الله عليه وسلم قالوا: «هذا الأمين، رضينا به»(6)، ثم قبلوا حكمه، وتكشف
هذه الواقعة أن الثقة بالمصلح وتجرده عنصران أساسيان في نجاح تدخله؛ فحين تطمئن
الأطراف إلى نزاهته، يصبح تدخله عاملًا في جمع الكلمة لا سببًا في زيادة النزاع.
ويتأكد هذا
المعنى في موقف عبيدة السلماني، إذ كان يمتنع عن القضاء بين اثنين أو الدخول بين
الخصوم إلا إذا حكَّماه وأتياه طائعين راضيين بتدخله(7)، وهذا التطبيق
العملي يجسد دقة منهج الأحنف؛ فالمصلح لا يفرض حضوره على الخصومة، وإنما يدخلها
حين يُمنح القبول الذي يتيح له أن يسمع ويتجرد ويصلح.
ومن هنا، فإن
المصلح الحقيقي لا يبحث عن الخصومة ليظهر فيها، ولا يفرض نفسه على أصحابها، وإنما
يعرف متى يتقدم ومتى يترك المساحة لأصحاب الشأن؛ فإذا دُعي إلى الإصلاح دخل بعقل
المتجرد، وعدل المستمع، وقصد إزالة النزاع لا الانتصار لأحد أطرافه.
لماذا تعد عفة اللسان معيارًا للثقة؟
الثالثة من
وصايا الأحنف: «وما أذكر أحدًا بعد أن يقوم من عندي إلا بخير» تمثل منزلة رفيعة من
حفظ اللسان وصيانة الغائبين؛ إذ لا يقتصر الخلق هنا على ترك الإساءة، بل يمتد إلى
أن يأمن الإنسان على كرامته بعد مغادرته المجلس، فلا يتحول غيابه إلى فرصة
للانتقاص منه.
وقد نهى القرآن
عن الغيبة تحذيرًا بالغًا، فقال تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ
لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) (الحجرات: 12)، فالآية تؤسس لحرمة
الغائب، وتجعل صيانة عرضه من الكلام الذي يكرهه أصلًا من أصول حفظ كرامة الإنسان،
وهو المعنى الذي تتجلى دقته في وصية الأحنف.
ويأتي التوجيه
النبوي مؤكدًا مسؤولية الإنسان عن كلامه، فقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»(8)،
فليس المقصود مجرد الامتناع عن الغيبة، وإنما أن يزن الإنسان كلامه قبل أن يقوله،
فلا يتحدث إلا بما فيه خير أو مصلحة معتبرة؛ وبذلك تصبح عفة اللسان وسيلة لحفظ
الثقة، لا مجرد تجنب للإساءة.
ويتجسد هذا
المعنى بوضوح في موقف زينب بنت جحش رضي الله عنها حين سألها النبي صلى الله عليه
وسلم عن عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك، فقالت: «أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي،
وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْرًا»(9)، فحين أتيحت لها
فرصة الحديث عن غائبة، لم تستثمر الموقف في الانتقاص منها، وإنما التزمت بما تعلمه
من الحق، ويكشف موقفها أن عفة اللسان تبلغ كمالها حين يحفظ الإنسان للغائب حقه،
حتى في المواضع التي قد يجد فيها ما يدفعه إلى الكلام عنه.
ومن ثَمَّ، فإن
وصية الأحنف لا تدعو إلى مجاملة الناس أو السكوت عن الخطأ مطلقًا، وإنما تؤسس لأدب
أعمق؛ أن يكون الإنسان مأمونًا في حضوره وغيابه، وأن يعلم من يجالسه أن كرامته
محفوظة بعد انصرافه كما كانت محفوظة في حضوره، فالثقة لا تُبنى بما يقوله الإنسان
أمام الناس فحسب، وإنما بما يمتنع عن قوله حين يغيبون.
3 قواعد لصناعة الشخصية المتزنة
تكشف وصية
الأحنف عن بناء سلوكي دقيق يقوم على 3 ضوابط متكاملة؛ ضبط العلاقة مع السلطة، وضبط
العلاقة مع النزاعات، وضبط العلاقة مع الكلام، وهي مجالات تتكرر فيها اختبارات
الإنسان، ويظهر فيها مدى قدرته على الموازنة بين الحضور والانكفاف، وبين المبادرة
والتريث، وبين التعبير والصمت.
فالاقتراب من
مواطن القوة والنفوذ يحتاج إلى وعي يحول دون التبعية، والدخول في الخلافات يحتاج
إلى بصيرة تمنع التحول إلى طرف فيها، والكلام عن الآخرين يحتاج إلى أمانة تضبط
اللسان عن أن يصبح مصدرًا للخصومات، ومن هنا يتبين أن الحلم عند الأحنف لم يكن
مجرد صفة خلقية، بل كان منهجًا في إدارة المواقف وضبط الاستجابة لها؛ فالشخصية
المتزنة لا تندفع مع كل حدث، ولا تطلب كل موقع، ولا تشارك في كل حديث، وإنما تقدر
متى يكون الحضور نافعًا، ومتى يكون الانكفاف أحكم.
ويجمع النبي صلى
الله عليه وسلم هذه المعاني في أصل أخلاقي جامع، فقال: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ
الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»(10)، فالحديث يربط استقامة
الإنسان بأثره في الآخرين، فلا يكون اتزانه مجرد قدرة على ضبط ذاته، وإنما يظهر
كذلك في أن يأمن الناس جانبه، وتسلم علاقاته من الأذى والاضطراب، وهذا ينسجم مع
وصايا الأحنف الثلاث؛ إذ إن ضبط العلاقة مع السلطة يمنع التبعية، وضبط العلاقة مع
الخصومة يمنع التورط، وضبط العلاقة مع الكلام يمنع الإيذاء.
وتتأكد مسؤولية
الإنسان عن كلامه في قوله تعالى: (مَا
يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق: 18)، فالكلمة
في التصور القرآني ليست أمرًا عابرًا، بل فعلًا يتحمل الإنسان مسؤوليته؛ ومن ثم
فإن التثبت قبل القول، والتريث قبل الموقف، والامتناع عن الكلام أو التدخل حين لا
تدعو الحاجة، كلها صور من صور ضبط النفس، وهنا تتضح الصلة بين هذه الآية ووصية
الأحنف في أن الإنسان لا ينبغي أن يجعل لسانه أو اندفاعه سببًا في اضطراب علاقاته
أو إضعاف مكانته.
ولا تقف دلالة
الحلم عند حدود التأصيل النظري، بل يكشف قول الأحنف عن قيس بن عاصم عن النموذج
الذي تعلّم منه هذا الخلق؛ فقد سُئل: «مِمَّنْ تَعَلَّمْتَ الْحِلْمَ؟» فقال:
«مِنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيِّ»(11)، وقد ارتبط قيس في
الروايات بمواقف من الثبات عند الشدائد، ومن أشهرها صبره عند مقتل ابنه، فلم يسمح
لشدة المصاب أن تسلبه توازنه أو تدفعه إلى رد فعل متعجل، وتكمن أهمية هذا الشاهد
في أنه يفسر الحلم عند الأحنف بوصفه سلوكًا مكتسبًا وقدرة عملية على امتلاك النفس
حين تشتد دواعي الانفعال، لا مجرد هدوء في الطبع أو حسن في العبارة.
ومن ثَمَّ، فإن
القواعد الثلاث التي تكشف عنها وصية الأحنف لا تدعو إلى الانسحاب من الحياة، وإنما
إلى حسن اختيار مواضع الحضور وحدود المشاركة، فلا يجعل الإنسان قربه من السلطة
والنفوذ مصدرًا لقيمته، ولا يجعل الخصومة مجالًا لإثبات ذاته، ولا يجعل غياب الناس
فرصة للحديث عنهم، وبذلك تتشكل الشخصية المتزنة التي لا تقيس فاعليتها بكثرة
حضورها، وإنما بحسن اختيارها لمواضع الحضور والانكفاف؛ فتحضر حين يكون للحضور أثر،
وتتأنى حين يكون التريث أحكم، وتصمت حين يكون الصمت أبلغ، وتحافظ في جميع ذلك على
مبدئها وأثرها ومكانتها.
معايير الأهلية والنزاهة في إدارة المؤسسات
لا تزال القيم
التي جسدها الأحنف بن قيس ذات صلة مباشرة بالقيادة المعاصرة؛ لأن نجاح المؤسسات لا
يعتمد على امتلاك السلطة وحده، وإنما على كيفية ممارسة هذه السلطة، وعلى أهلية من
يتولاها، وعلى قدرته على اتخاذ القرار بعيدًا عن الأهواء والمصالح الشخصية، ومن
هذا المنظور، يصبح الاتزان الذي اتسم به الأحنف قيمة قيادية تتجاوز سياقها
التاريخي إلى واقع المؤسسات الحديثة.
ويضع القرآن
أساسًا جامعًا للأهلية في قوله تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26)،
فالقائد الفاعل يحتاج إلى قدرة تمكّنه من أداء مهمته، وإلى أمانة تمنع توظيف هذه
القدرة في غير موضعها؛ ومن ثم فإن صلاحية الإنسان للمسؤولية لا تُقاس بمكانته أو
رغبته فيها، وإنما بمدى اجتماع الكفاءة والنزاهة فيه.
ويأتي موقف
النبي صلى الله عليه وسلم من طلب أبي ذر رضي الله عنه للولاية ليؤكد أن حسن المقصد
وحده لا يكفي لتولي المسؤولية، فقد قال له: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ،
وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا
مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا»(12)، فالمسؤولية،
وفق هذا المعيار، تُسند إلى من تتوافر فيه القدرة المناسبة لها، لا إلى من يطلبها
لمجرد الرغبة في ممارستها.
ويكتمل هذا
المعنى في موقف الأحنف بن قيس حين أشار على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله
عنه في بعض شؤون الفتوحات، فاستحسن عمر رأيه وأخذ به(13)، وتكشف هذه
الواقعة عن قيمة عملية في القيادة المؤسسية، هي إتاحة المجال للرأي المتزن، وقبول
النصيحة ولو خالفت الرأي الأولي لصاحب القرار؛ فالمؤسسة القوية ليست التي يخشى
أفرادها مخالفة المسؤول، وإنما التي تسمح بتقديم الرأي الذي يخدم المصلحة، ثم تزن
الآراء بمعيار الصواب.
وبذلك، يقدم الأحنف نموذجًا لا يزال صالحًا للاستلهام في البيئة القيادية المعاصرة؛ اختيار المسؤول على أساس الأهلية، وربط السلطة بالأمانة، وتهيئة المجال للرأي المسؤول، وهذه ليست فضائل شخصية فحسب، بل مقومات تساعد المؤسسات على ترشيد القرار، والحد من الشخصنة، وتعزيز الثقة في ممارسة السلطة.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 92).
- 2 أخرجه مسلم (17).
- 3 أخرجه أحمد بسند صحيح (1737).
- 4 متفق عليه، أخرجه البخاري (7149)، ومسلم واللفظ له (1456).
- 5 أخرجه الترمذي في سننه بسند صحيح (2174).
- 6 جمل من أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى البَلَاذُري (1/ 100).
- 7 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 43).
- 8 متفق عليه، أخرجه البخاري (6475)، ومسلم (47).
- 9 أخرجه البخاري (2661).
- 10 أخرجه البخاري (10)، ومسلم (41).
- 11 العقد الفريد: ابن عبد ربه الأندلسي (2/ 136).
- 12 أخرجه مسلم (1825).
- 13 البداية والنهاية: ابن كثير (4/ 70).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً