«الورقة السويسرية».. عندما قررت إيران بيع محور المقاومة!
في 9 أبريل 2003م،
كانت شاشات التلفزة في طهران تنقل مشهداً لم يكن يتخيله أكثر جنرالات الحرس الثوري
تفاؤلاً، شاهد حكام إيران تمثال صدام حسين وهو يهوي في ساحة الفردوس ببغداد تحت
جنزير دبابة أمريكية، لم يكن ذلك مجرد سقوط دكتاتور مناوئ لهم، بل كان إعلاناً
صريحاً بأن الإعصار الأمريكي قد اقترب من إيران، في تلك اللحظة، اختلط الفرح
بالخوف، لم يكن خوفاً من الديمقراطية التي وعدت بها واشنطن، بل من تصريح جورج بوش
الابن الشهير الذي وضع إيران في قلب محور الشر.
كان السؤال الذي
يتردد في كواليس السلطة الإيرانية: من التالي؟ ومن هذا الرحم المشحون بالتوتر،
ولدت واحدة من أخطر الوثائق السرية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، التي كشف
تفاصيلها المثيرة الأكاديمي تريتا بارسي في كتابه الصادم «تحالف الغدر»، إنها قصة «الورقة
السويسرية»، المحاولة الإيرانية لبيع كل الأوراق، من النووي إلى القدس، مقابل بقاء
النظام.
بيع محور المقاومة
بعد سقوط بغداد،
بدأت إيران تشعر ببرد العزلة القاتل، كانت القوات الأمريكية تتمركز شرقاً في
أفغانستان وغرباً في العراق، وكانت أساطيلها تجوب الخليج جنوباً، في هذا الجو
المشحون، بدأت مجموعة من الواقعيين في النظام الإيراني، بقيادة محمد خاتمي، ووزير
خارجيته كمال خرازي، وبدعم من هاشمي رفسنجاني، في صياغة عرض لا يمكن رفضه.
لم يكن العرض
مجرد هدنة، بل كان تصفية حساب شاملة، فقد قررت إيران فجأة أن تضع كل مقدساتها
السياسية على الطاولة، وبما أن العلاقات الدبلوماسية مع واشنطن كانت مقطوعة منذ
اقتحام السفارة عام 1979م، كان لا بد من وسيط موثوق، هنا دخلت السفارة السويسرية
في طهران على الخط، لتبدأ رحلة الوثيقة التي عُرفت لاحقاً بـ«الورقة السويسرية».
يصف بارسي هذه
اللحظة بأنها كانت أكبر فرصة ضائعة في تاريخ العلاقات الإيرانية الأمريكية، لم تكن
إيران تتفاوض من موقف قوة، ولكنها كانت مثل رجل يرى حبل المشنقة يقترب، وكان
المستهدف بالبيع هو محور المقاومة بأكمله.
المقاومة مقابل الاعتراف
حين وصلت الورقة السويسرية إلى أروقة وزارة الخارجية الأمريكية، لم يصدق بعض الدبلوماسيين ما قرؤوه،
الوثيقة المكونة من صفحة واحدة، والتي صيغت بعناية فائقة، تضمنت تنازلات لم تكن
واشنطن تحلم بها.
أولاً: تصفية الملف النووي:
عرضت طهران
شفافية كاملة وبروتوكولات تفتيش صارمة تضمن عدم تحول برنامجها إلى الطابع العسكري،
وهو ما كان يمثل جوهر الصراع الدولي معها.
ثانياً: تصفية قضية فلسطين:
في تحول
دراماتيكي، أبدت إيران استعدادها للاعتراف بـ«حل الدولتين»؛ وهو ما يعني ضمنياً
الاعتراف بوجود دولة «إسرائيل»، وطي صفحة إزالة «إسرائيل» من الوجود.
ثالثاً: بيع محور المقاومة:
وهنا كانت
الصدمة الكبرى؛ وافقت طهران على وقف كل أشكال الدعم العسكري والمالي لحركتي «حماس»
والجهاد الإسلامي، والأدهى أنها تعهدت بالضغط على «حزب الله» اللبناني لتحويله إلى
مجرد حزب سياسي منزوع السلاح ينخرط في الدولة اللبنانية.
يقول محسن
رضائي، القائد السابق للحرس الثوري، في اعتراف يعكس مرارة تلك المرحلة: كنا
مستعدين لتنازلات مؤلمة، لأننا كنا نرى أن بقاء النظام أهم من الشعارات، ففي
السياسة، البقاء هو الحقيقة الوحيدة، وما دونه مجرد أدوات تفاوضية.
لا نتفاوض مع الأشرار!
بينما كانت
الورقة السويسرية تشق طريقها عبر القنوات الدبلوماسية، كانت واشنطن تعيش نشوة الانتصار
الإمبراطوري، كان تيار المحافظين الجدد بقيادة ديك شيني ودونالد رامسفيلد يسيطر
على البيت الأبيض، وكان شعارهم: نحن لا نتفاوض مع الأشرار، نحن نسحقهم.
وصلت الورقة إلى
مكتب وزير الخارجية آنذاك كولن باول، الذي رأى فيها فرصة تاريخية، لكن الصقور في
إدارة بوش كان لديهم رأي آخر، فبالنسبة لهم، كانت إيران ثمرة ناضجة على وشك أن
تسقط عاجلاً أم آجلاً، ولا داعي لتقديم أي تنازلات لها مقابل ما يمكن أخذه بالقوة.
يروي لورانس
ويلكرسون، مدير مكتب كولين باول، بمرارة كيف تم وأد المبادرة قائلاً: كانت لدينا
فرصة ذهبية لحل كافة مشكلاتنا مع إيران، من الإرهاب إلى النووي، لكن اللوبي المؤيد
لـ«إسرائيل» وجماعة ديك تشيني قتلوا العرض قبل أن يلمسه الرئيس بوش، فقد وبّخوا
السفير السويسري لأنه تجرأ على نقل الرسالة!
لم يكن هذا
الرفض نابعاً من شكوك في جدية العرض الإيراني، بل من رغبة في تغيير النظام بالكامل
وليس تغيير سلوكه.
لماذا أفشلت «تل أبيب» الصفقة؟
السؤال الجوهري
الذي يطرحه بارسي في كتابه: لماذا أفشلت «إسرائيل» صفقة تنهي دعم إيران لـ«حماس» و«حزبالله»؟ الإجابة تكمن في الجيوبوليتيك، بالنسبة للقيادة «الإسرائيلية»، كانت إيران عدواً
مفيداً يساعد في تبرير التحالف الإستراتيجي المتين مع واشنطن وفي توجيه الأنظار
بعيداً عن القضية الفلسطينية.
تقارب
إيراني-أمريكي كان يعني أن تفقد «إسرائيل» صفة الحليف الوحيد الموثوق في المنطقة، ويقتبس
بارسي عن شيمون بيريز قوله: بمجرد اختفاء التهديد العراقي، كان علينا أن نقنع
العالم بأن النظام الإيراني هو الخطر الأكبر على السلم العالمي، فوجود عدو خارجي
كبير في نظر الإستراتيجيين «الإسرائيليين» ضرورة إستراتيجية لبقاء التوازن القائم.
يصرح بذلك ديفيد
كيمحي، مدير عام الخارجية «الإسرائيلية» سابقاً، قائلاً: لم نكن نرى في إيران
تهديداً وجودياً حقيقياً في تلك اللحظة، لكننا أردنا أن يظل العالم يراها كذلك
لضمان استمرار الضغوط الدولية عليها.
اللوبي يصر على عدم التصالح
تتوالى الشهادات
في كتاب تحالف الغدر لترسم صورة لمأساة دبلوماسية بطلها الفرص الضائعة، جواد ظريف،
الذي كان العقل المدبر لصياغة تلك الورقة في نيويورك، يقول بلهجة لا تخلو من
الإحباط: الورقة كانت تعبيراً عن رغبة حقيقية في إنهاء العداء وبناء علاقة تقوم
على الاحترام المتبادل، لكن واشنطن لم تكن تريد شركاء، كانت تريد تابعين أو أعداء.
ومن الجانب
الأمريكي، يعترف مارتين إنديك، الدبلوماسي المخضرم، بأن السياسة الداخلية
الأمريكية هي التي تحكمت في المشهد: الضغوط الداخلية في واشنطن، وتأثير جماعات
الضغط، تجعل من المستحيل تقريباً التعامل مع إيران كدولة طبيعية، حتى لو قدمت أغلى
التنازلات.
فشل العرض الانتحاري
عندما تأكدت
إيران أن عرضها الانتحاري قد رُفض بازدراء، حدث تحول جذري في عقيدة النظام، فقد
اضطرت لتغيير سياستها تغييراً جذرياً:
1- فداخلياً:
سقط تيار الإصلاحيين بقيادة خاتمي، وصعد تيار المتشددين بقيادة محمود أحمدي نجاد
في عام 2005م، الذي تبنى لغة الصدام وتوسيع البرنامج النووي.
2- وإقليمياً قررت
إيران بدلاً من بيع محور المقاومة، استمرار الاستثمار فيه بأقصى قوة، فتحول «حزب
الله» من قوة دفاعية إلى قوة إقليمية، وتمدد النفوذ الإيراني في العراق ليصبح
اللاعب الأقوى هناك.
3- وبالنسبة
للملف النووي: رفعت إيران سقف التخصيب وعدد أجهزة الطرد المركزي، لتجبر العالم
لاحقاً على التفاوض معها في عام 2015م من منطلق قوة، لا من منطلق الورقة السويسرية
الضعيفة.
يلخص فرانسيس
فوكوياما المشهد قائلاً: كانت الورقة السويسرية كانت صارخاً على كيف يمكن للواقعية
السياسية أن تُهزم أمام الأيديولوجيا العمياء، فرفضُ واشنطن لتلك الورقة هو الذي
صنع إيران التي نراها اليوم.
لحظة فارقة
لم تكن الورقة
السويسرية، كما يصورها بارسي، مجرد وثيقة دبلوماسية، بل كانت لحظة فارقة كان يمكن
أن تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط، لكنها ضاعت بسبب الحسابات الأمريكية الضيقة،
لتصبح رمزًا لـ«تحالف الغدر» الذي يحكم العلاقات الثلاثية بين إيران و«إسرائيل»
والولايات المتحدة.
يعترف ريتشارد
هاس، مدير تخطيط السياسات في الخارجية الأمريكية آنذاك، بمرارة قائلاً: لقد كانت
لحظة نادرة أبدى فيها الإيرانيون استعداداً لمناقشة كل شيء، بما في ذلك «إسرائيل»
و«حزب الله»، لكن الإدارة كانت في حالة سكر بالقوة العسكرية ولم ترَ داعياً
للتفاوض، ويذهب فلاينت ليفيريت، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي، إلى أبعد من
ذلك بوصفه الرفض الأمريكي بأنه خطأ إستراتيجي فادح، حيث قامر المحافظون الجدد بكل
شيء مقابل وهم تغيير النظام، فأضاعوا فرصة احتواء إيران سلمياً للأبد.
وتظل الورقة السويسرية الشاهد الصامت على لحظة كان يمكن فيها للشرق الأوسط أن يسلك طريقاً مختلفاً تماماً، لحظة ضاعت بين رعب طهران وعنجهية واشنطن ودهاء «تل أبيب».
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً