تجريد السلطة الفلسطينية من السلاح.. خطوة لابتلاع الضفة الغربية؟

د. أمجد بشكار

12 أكتوبر 2026

56

عناصر أمنية بزي عسكري وأقنعة سوداء يحملون أسلحة

لا يمكن التعامل مع الدعوات «الإسرائيلية» المتكررة إلى تجريد الأجهزة الأمنية الفلسطينية من السلاح باعتبارها مجرد تصريحات إعلامية أو مواقف انتخابية هدفها استرضاء القواعد اليمينية داخل دولة الاحتلال.

صحيح أن هذه الدعوات تحقق مكاسب سياسية مباشرة وتنسجم مع الخطاب الشعبوي الذي تتبناه شخصيات مثل إيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش، إلا أن وضعها في سياق أوسع يكشف أنها تتقاطع بصورة واضحة مع رؤية أيديولوجية وإستراتيجية تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها ساحة مفتوحة أمام مشروع الضم والتمدد الاستيطاني، وليس باعتبارها أرضاً يفترض أن تكون جزءاً من تسوية سياسية مع الفلسطينيين.

المسألة في جوهرها لا تتعلق بتجريدها من السلاح فقط، وإنما بموقع السلطة الفلسطينية ودورها ووظائفها وقدرتها على الاستمرار، بالسنوات الأخيرة تتعرض الأجهزة الأمنية الفلسطينية لضغوط سياسية وأمنية واقتصادية متزامنة، ليس بإضعاف قدرتها الأمنية فحسب، وإنما العمل على إضعاف أحد أهم مكونات البنية السياسية الفلسطينية القائمة منذ «اتفاق أوسلو».

تجريد السلطة الفلسطينية من السلاح وإضعاف دورها

لفهم هذا المسار لا بد من العودة إلى ما طرحه وزير المالية «الإسرائيلي» سموتريتش ِفيما عُرف بـ«خطة الحسم»، فهذه الرؤية لم تكن يوماً مقترحاً سياسياً منفصلاً عن سياق الصراع، وإنما عبّرت عن تصور يقوم على إنهاء فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وتعزيز السيطرة «الإسرائيلية» على الأرض وإضعاف المؤسسات السياسية الفلسطينية التي يمكن أن تشكل نواة لكيان فلسطيني ذي سيادة.

في الحقيقة، إضعاف السلطة الفلسطينية هدف قائم بذاته، وبالرغم من محدودية صلاحياتها، فإنها ما زالت تمثل إطاراً سياسياً وإدارياً فلسطينياً قائماً في أجزاء من الضفة الغربية، وتمتلك مؤسسات وأجهزة أمنية وموظفين وشبكة من العلاقات الدولية، وبالتالي فإن إضعافها أو تفكيك قدرتها على العمل يفتح المجال أمام إعادة تعريف العلاقة بين «إسرائيل» والفلسطينيين، بحيث تتحول الضفة تدريجياً إلى مناطق منفصلة تخضع بدرجات مختلفة للسيطرة «الإسرائيلية».

ولذلك، فإن الضغط على السلطة لا يجري بالضرورة من خلال قرار واحد يؤدي إلى إسقاطها، وإنما عبر عملية تراكمية تستهدف مفاصل قدرتها على الاستمرار، ويأتي المال في مقدمة هذه الأدوات، فاحتجاز أموال المقاصة أو تقليص تدفق الموارد المالية إلى السلطة يمكن أن يؤدي إلى أزمة سيولة خانقة، تنعكس على دفع رواتب الموظفين وتمويل الخدمات العامة وقدرة المؤسسات الرسمية على القيام بواجباتها الأساسية.

وهنا تظهر خطورة ما يمكن وصفه بسياسة «التآكل التدريجي»، فبدلاً من إسقاط السلطة بصورة مباشرة يكون الهدف دفعها إلى حالة من الضعف المستمر، بحيث تبقى موجودة شكلياً لكنها تفقد تدريجياً قدرتها على ممارسة وظائفها السياسية والأمنية والاقتصادية، وفي مثل هذه الحالة، تصبح السلطة أمام معادلة صعبة، فالمؤسسات قائمة من الناحية القانونية والإدارية لكنها عاجزة عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الاستمرار.

ضم الضفة الغربية يبدأ بتفكيك الجغرافيا الفلسطينية

لا يتوقف الأمر عند العامل الاقتصادي، فالتضييق على حركة الأجهزة الأمنية الفلسطينية يمثل مساراً آخر يمكن أن يحد من قدرتها على العمل، وترافقت هذه القيود مع زيادة الاقتحامات «الإسرائيلية» وإقامة وتوسيع المستوطنات وإقامة المزيد من الحواجز والطرق الالتفافية؛ لذا فالبيئة الجغرافية التي تعمل فيها السلطة تصبح أكثر تفككاً.

أكثر المفارقات وضوحاً في المشهد الحالي، أن الفلسطينيين هم الذين يعيشون عملياً داخل كانتونات متقطعة، وليس «الإسرائيليين»، فالضفة الغربية لم تعد فضاءً جغرافياً متصلاً بالمعنى العملي، وإنما أصبحت مجموعة من التجمعات السكانية التي تفصل بينها الحواجز والطرق العسكرية والمستوطنات والمناطق الخاضعة للسيطرة «الإسرائيلية»، وكلما ازداد هذا التفكيك الجغرافي تقلصت قدرة السلطة على إدارة المجال الفلسطيني باعتباره وحدة سياسية وإدارية واحدة.

ومن هذه الزاوية، فإن استهداف الأجهزة الأمنية لا ينبغي فصله عن استهداف الجغرافيا نفسها، فالأمن والاقتصاد والحركة والجغرافيا عناصر مترابطة في بنية السلطة الفلسطينية، فإضعاف أحدها ينعكس على الأخرى وصولاً إلى إنتاج سلطة محدودة القدرة، تعتمد في مواردها وحركتها ووجودها على شروط تضعها «إسرائيل».

أما البعد الأخطر فيتمثل في إمكانية ارتباط هذه السياسة بفكرة التهجير، فحين تضيق الظروف الاقتصادية والاجتماعية والأمنية على الفلسطينيين، وتصبح قدرة المؤسسات المحلية على توفير الخدمات والعمل محدودة، فإن الضغط قد يتحول إلى عامل يدفع قطاعات من السكان إلى التفكير في الهجرة أو البحث عن ظروف معيشية أفضل خارج مناطقهم، وهنا يصبح ما يسمى «التهجير الطوعي» نتيجة محتملة لسياسات ضغط متراكمة، حتى من دون إعلان رسمي عن مشروع تهجير مباشر.

وهذا تحديداً ما يجعل الحديث عن ابتلاع الضفة الغربية أكثر أهمية من التعامل مع كل إجراء «إسرائيلي» باعتباره حادثة منفصلة، فالمشروع لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان رسمي عن ضم كل شبر من الضفة في يوم واحد، فيمكن أن يتحقق تدريجياً من خلال توسيع الاستيطان ومصادرة الأراضي وتقطيع الجغرافيا، وإضعاف المؤسسات الفلسطينية وربط الاقتصاد الفلسطيني بالقرار «الإسرائيلي»، وتغيير طبيعة السيطرة على الأرض.

ومن هنا، فإن الدعوات إلى نزع سلاح الأجهزة الأمنية الفلسطينية تكتسب دلالة تتجاوز موضوع السلاح نفسه، فإذا كانت السلطة مطالبة بالتخلي عن أدوات القوة في الوقت الذي تتوسع فيه السيطرة «الإسرائيلية» على الأرض ويزداد الاستيطان وتستمر الاقتحامات والقيود، فما الوظيفة التي يُراد للسلطة أن تؤديها بعد تجريدها من أدواتها الأساسية.

قد يكون السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال المرحلة المقبلة استمرار سياسة التآكل التدريجي بدلاً من الانهيار المفاجئ؛ أي إبقاء السلطة قائمة لكن مع تقليص مواردها، وتقييد حركتها وإضعاف أجهزتها وتضييق هامشها السياسي، بحيث تصبح قدرتها على التأثير في الواقع الفلسطيني محدودة للغاية.

ولا تبدو في الأفق مؤشرات على حدوث حلحلة حقيقية في ملف السلطة الفلسطينية، أو على اتجاه «إسرائيلي» لإبقاء صلاحياتها، بل إن الاتجاه الأكثر وضوحاً يتمثل في محاولة إعادة تعريف دورها ضمن حدود ضيقة دون أن تمتلك القدرة الفعلية على التأثير في قضايا الأرض والسيادة والأمن.

هل يمهد إضعاف السلطة الفلسطينية لابتلاع الضفة الغربية؟

خطورة المرحلة المقبلة تكمن في أن إضعاف السلطة قد لا يكون هدفاً منفصلاً عن مشروع الاستيطان والضم، بل أحد شروطه، فكلما ضعفت المؤسسات الفلسطينية أصبحت السيطرة «الإسرائيلية» على الأرض أقل تكلفة سياسياً وأمنياً، وكلما تراجعت قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم أصبح مشروع فرض الأمر الواقع أكثر سهولة.

لذا، فان التعامل مع الدعوات «الإسرائيلية» لتجريد الأجهزة الأمنية الفلسطينية من السلاح لا يمكن اعتبارها مجرد خطاب انتخابي، صحيح أن بن غفير، وسموتريتش، وغيرهما، يوظفون هذه القضايا لتحقيق مكاسب داخلية، لكن الخطاب السياسي لا يعيش منفصلاً عن المشروع الإستراتيجي الذي يتحرك داخلهـا.

فالمسألة في جوهرها تتعلق بمستقبل الضفة الغربية بإبقاء سلطة فلسطينية تمتلك الحد الأدنى من القدرة على إدارة المجال الفلسطيني ودفعها تدريجياً نحو حالة من الضعف تجعلها مجرد إطار إداري محدود الصلاحيات، بينما تتوسع السيطرة «الإسرائيلية» على الأرض مع استمرار ضغط متدرج مالياً وأمنياً وجغرافياً وتقطيع أوصال الضفة، وسياسياً عبر تقليص مكانة السلطة ودورها، فجوهر المعركة المقبلة تكمن بمستقبل الوجود السياسي والجغرافي الفلسطيني في الضفة الغربية.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة