هل تستطيع الآلة أن تساعد المفتي؟
قراءة في كتاب «توظيف الذكاء التوليدي في الاجتهاد والفتوى»
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية تساعد الإنسان على إنجاز المهام اليومية، بل امتد حضوره إلى
مجالات تتصل بالمعرفة والقيم وصناعة القرار، وصولًا إلى المجال الديني، حيث باتت
تطبيقات المحادثة الذكية تجيب عن أسئلة تتعلق بالعبادات والمعاملات والأحوال
الشخصية.
لكن، هل تعني
قدرة هذه التطبيقات على إنتاج إجابات تبدو مقنعة أنها مؤهلة للاجتهاد وإصدار
الفتاوى؟ وأين تنتهي حدود الاستفادة منها، ويبدأ خطر الاعتماد عليها في مسائل تتصل
بعلاقة الإنسان بربه، أو حتى علاقته بأسره ومجتمعه؟
هذه الأسئلة
تمثل مدخلًا إلى كتاب «توظيف الذكاء التوليدي في الاجتهاد والفتوى: الإمكانات
والتحديات.. برامج المحادثة الذكية أنموذجًا»، للدكتورة سمر حمودة السعفي، الذي
يتناول واحدة من أبرز النوازل المعاصرة، جامعًا بين التأصيل الأصولي والنظر الفقهي
والاختبار التطبيقي للتقنيات الحديثة.
الإفتاء.. بين الاجتهاد والآلة
ينطلق الكتاب من
حقيقة أساسية؛ أن الاجتهاد والإفتاء ليسا مجرد عملية لاسترجاع المعلومات أو تركيب
الإجابات، وإنما وظيفتان شرعيتان تتطلبان فهم النصوص، وإدراك الواقع، والنظر في
مقاصد الأحكام، ومراعاة اختلاف أحوال الناس والظروف التي تحيط بالمسائل المعروضة.
ومن هنا، لا
تكتفي المؤلفة باستعراض إمكانات الذكاء التوليدي، بل تبحث مدى قدرته على أداء
الوظائف التي يتطلبها الاجتهاد، والفارق بين معالجة المعلومات المتاحة في قواعد
البيانات وامتلاك الأهلية العلمية والمنهجية اللازمة للنظر في النوازل.
وتكتسب هذه
المسألة أهمية خاصة مع انتشار تطبيقات المحادثة الذكية، التي بات بعض المستخدمين
يلجؤون إليها للحصول على إجابات فورية عن أسئلتهم الدينية، دون التحقق دائمًا من
مصادر تلك الإجابات أو مدى دقتها.
من التأصيل إلى الاختبار
يقع كتاب توظيف
الذكاء التوليدي في الاجتهاد والفتوى، في 200 صفحة، وصدر عن دار المالكية للطباعة
والنشر والتوزيع في تونس، وتقوم معالجته على الانتقال من تحرير المفاهيم والضوابط
النظرية إلى اختبار أداء التطبيقات الذكية في مسائل فقهية متنوعة.
وتتناول المؤلفة
في أحد فصول الكتاب حقيقة الاجتهاد والفتوى وشروطهما، بما يسمح بتحديد المعايير
التي ينبغي الاحتكام إليها عند تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي.
كما تبحث حدود
الإفادة من هذه الوسائل في العمل الفقهي، والتمييز بين استخدامها في جمع المعلومات
وترتيبها وتيسير الوصول إليها، وبين تفويضها بمهمة استنباط الأحكام الشرعية.
أما الجانب
التطبيقي، فيختبر عددًا من برامج المحادثة الذكية، من بينها «ChatGPT» و«Gemini» و«Claude» و«DeepSeek».. وغيرها،
من خلال أسئلة ومسائل تتصل بالعبادات والمعاملات والعادات والأحوال الشخصية.
ولا يقف هذا
الاختبار عند ظاهر الإجابات، بل يمتد إلى دقة المعلومات، وسلامة الاستدلال، وأمانة
النقل عن المصادر، وقدرة التطبيقات على التعامل مع المسائل التي تتعدد فيها
الأقوال والتكييفات الفقهية.
وتكشف هذه
المقاربة أهمية الانتقال من الانبهار بالإمكانات التقنية إلى فحص نتائجها الفعلية،
إذ قد تبدو الإجابة متماسكة في صياغتها، بينما تتضمن خطأ في النقل أو خللًا في
الاستدلال أو قصورًا في فهم الواقعة.
الاستفادة بضوابط شرعية
لا يقوم الطرح
الذي يقدمه الكتاب على رفض التقنية لمجرد حداثتها، كما لا يتعامل معها باعتبارها
بديلًا جاهزًا عن العلماء، وإنما يبحث عن المساحة التي يمكن أن تسهم فيها الأدوات
الذكية في خدمة البحث الفقهي، مع إبقاء الاجتهاد والإفتاء ضمن مقتضيات الأهلية
العلمية والمسؤولية الشرعية.
وفي هذا السياق،
يميز الكتاب بين الاستفادة من التطبيقات في تيسير الوصول إلى الفتاوى المعتمدة،
وترتيب المعلومات وترجمتها وتصنيفها، والاعتماد على إجاباتها بوصفها أحكامًا شرعية
موثوقة دون مراجعة.
كما يلفت إلى
أهمية التحقق من النصوص والمراجع، وعدم التسليم بالمخرجات لمجرد أنها صيغت بلغة
واثقة أو بدت مستوفية لعناصر الإجابة.
ويكتسب هذا
التمييز أهمية عملية للمؤسسات الإفتائية، التي تستطيع الإفادة من التطور التقني في
تحسين خدماتها وتيسير وصول الجمهور إلى المعرفة الشرعية، دون التفريط في دور
المفتي في فهم السؤال، وتصوير الواقع، وتحقيق المنوط، والنظر في اختلاف الأشخاص
والظروف والمآلات.
المفتي في عصر الذكاء التوليدي
تتجاوز أهمية
الكتاب حدود السؤال عن إمكانات برنامج أو قصوره؛ فهو يفتح بابًا للنظر في مستقبل
صناعة الفتوى نفسها، وما تتطلبه من تطوير أدوات البحث والتأهيل، وتعزيز الوعي
الرقمي لدى المستفتين، ووضع ضوابط واضحة لاستخدام التقنيات الحديثة في المجال
الديني.
وتبرز الحاجة
إلى أن تتولى المؤسسات الشرعية تطوير تطبيقات متخصصة، تستند إلى مصادر موثوقة،
وتخضع لإشراف علمي وتقني، وتُوظَّف في خدمة العلماء والباحثين، لا في إلغاء دورهم
أو إيهام الجمهور بأن الآلة تمتلك أهلية الإفتاء.
ويقدم كتاب «توظيف
الذكاء التوليدي في الاجتهاد والفتوى» إضافة مهمة إلى النقاش حول العلاقة بين
المعرفة الشرعية والتطور التقني؛ إذ يعيد وضع السؤال في إطاره الصحيح: ليست القضية
مجرد قدرة الآلة على الإجابة، بل مدى صحة ما تجيب به، وسلامة منهجها، وحدود
الاعتماد عليها.
وفي زمن تتزايد
فيه سرعة الوصول إلى المعلومات، تظل الحاجة قائمة إلى من يحسن فهمها وتمحيصها
وتنزيلها على الواقع؛ فالتقدم التقني قد يوسع أدوات البحث، لكنه لا يعفي من
مسؤولية التثبت، ولا يجعل كل إجابة مقنعة فتوى صحيحة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً