...
في ذكرى «يوم الأرض»..

7 أعمدة ترسخ ثوابت السردية الفلسطينية

ندى جمال

22 أبريل 2026

107

ليست السردية الفلسطينية مجرد خطاب سياسي عابر أو شعار يُرفع في المناسبات، نحن أمام رواية شعب كاملة، تشكلت تحت الضغط، ونضجت في المنافي والمخيمات وتحت الاحتلال، هذه السردية لم تُكتب في برج عاجي، بل نُحتت بالدم والذاكرة والمفتاح المعلق على جدران البيوت، ورغم اختلاف الفصائل وتعدد المنابر، تبقى هناك سبع سمات كبرى تميز هذه السردية وتمنحها تماسكها وقدرتها على البقاء جيلاً بعد جيل.

السردية الفلسطينية ليست خطابًا سياسيًا طارئًا، بل بنية وعي جماعي تشكّلت منذ أكثر من قرن، وتحوّلت إلى أحد أطول السرديات المقاومة في التاريخ الحديث، إنها رواية شعب عاش الاقتلاع عام 1948، والاحتلال عام 1967، والحصار منذ 2007، وواجه أكثر من 11 حربًا على غزة وحدها منذ عام 2008م، ومع ذلك حافظ على وحدة روايته الأساسية، هذه السردية، رغم اختلاف الفصائل والمنابر، تستند إلى 7 ثوابت تشكّل عمودها الفقري.

1- «النكبة» نقطة الارتكاز:

لا يمكنك أن تفهم السردية الفلسطينية دون المرور على عام 1948م، حين تآمر ما يسمى بالعالم الحر الآثم مع العصابات الصهيونية المجرمة لاقتلاع شعب كامل من أرضه وتاريخه وذكرياته، فـ«النكبة» ليست مجرد تاريخ في كتاب مدرسي، بل هي لحظة التأسيس للوجدان الفلسطيني الحديث، منها يبدأ العدّ، وإليها يعود كل ألم لاحق، التهجير القسري، والقرى المدمرة، واللجوء والمذابح والجرائم التي ارتكبتها العصابات الصهيونية المجرمة.

كل هذه المآسي هي التي صنعت الجرح الجمعي الذي لا يزال العالم يعاني من تبعاته، لذلك تجد أن أي نقاش عن الحل يصطدم فورًا بسؤال: وماذا عن عام 1948م؟ السردية الفلسطينية تصر أن العلاج لا يبدأ بتجاوز السبب، بل بالاعتراف به.

يقول المؤرخ الصهيوني بيني موريس: إن النكبة ليست حدثًا عابرًا، بل لحظة تأسيسية للصراع كله.

أما الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات فكان يكرر دائماً: «النكبة» ليست ذكرى، وإنما جرح مفتوح في جسد الأمة.

لهذا تصر السردية الفلسطينية على أن أي حل سياسي لا بد أن يبدأ من الاعتراف بالجرح الأول، الذي لا يمكن تجاوزه.

2- القدس بوصلة السردية:

إذا كانت «النكبة» هي الجذر، فالقدس هي التاج، لا توجد سردية فلسطينية دون أن تكون القدس في قلبها، فالمسجد الأقصى الأسير وكنيسة القيامة جعلا من القضية همًّا يتجاوز الجغرافيا الفلسطينية إلى بعد عربي وإسلامي ومسيحي عالمي، عندما تُمس القدس، تُمس السردية كلها، لذلك كان أي اعتداء صهيوني آثم عليها، وما أكثرها، كفيلًا بتوحيد خطاب كل الفلسطينيين، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، القدس تمنح السردية بعدها المقدس، وتحوّل الصراع، مع المحتل الصهيوني المدعوم أوروبياً وأمريكياً، الغادر القاتل، من نزاع على حدود إلى دفاع عن معنى.

3- حق العودة استحقاق ثابت غير قابل للتنازل:

يعيش اليوم أكثر من 6.4 ملايين لاجئ فلسطيني مسجلين لدى «الأونروا» في غزة والضفة والأردن ولبنان وسورية، وفي كل بيت فلسطيني تقريبًا مفتاح قديم، أو وثيقة ملكية عثمانية أو بريطانية، يرمز إلى أن العودة ليست شعارًا، وإنما تعريف للعدالة، وقد نص القرار الأممي (194) عام 1948 صراحة على حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وتعويض من لا يرغب بالعودة.

يقول المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد: العودة ليست جغرافيا، بل استعادة للكرامة، يحاول الكيان الصهيوني تغيير الخرائط، لكن خارطة الذاكرة الفلسطينية باقية مرسومة بأسماء القرى الأصلية مثل: لوبيا، إجزم، دير ياسين، وهذا الإصرار هو ما يجعل العودة حاضرا لا يغيب في الشعر والأغنية والمناهج وحتى في أسماء المواليد.

4- الأرض.. هوية لا مجرد عقار:

حين يقول الفلسطيني بلادي فهو لا يعني مساحة جغرافية مجردة، الأرض هنا تُختزل في شجرة زيتون عمرها 500 سنة، في حجر من بيت الجد، في رائحة الزعتر البري، العلاقة بالأرض علاقة وجودية، لذلك كان اقتلاع الناس منها يعني اقتلاعهم من أنفسهم، لهذا السبب تحتل قصص مصادرة الأراضي وهدم البيوت مساحة مركزية في السردية، فالخسارة ليست عقارًا، وإنما فقدان لجزء من التعريف الذاتي.

الأرض في المخيال الفلسطيني ليست مجرد سكن أو مكان، وإنما امتداد وجودي، تضم فلسطين أكثر من 12 مليون شجرة زيتون، بعضها يعود عمره إلى ألفي عام، ومنذ عام 1967م، صادرت «إسرائيل» أكثر من 2.3 مليون دونم من الأراضي في الضفة الغربية، وهدمت أكثر من 55 ألف منزل فلسطيني وفق منظمات حقوقية دولية.

5- لا بديل عن المقاومة:

المقاومة هي الفعل الذي يمنع السردية من التحول إلى بكائية، فمنذ ثورة 1936م إلى الانتفاضتين (1987 و2000م)، ومن المقاومة الشعبية إلى الثقافية، حافظ الفلسطيني على معادلة «نحن نُظلم لكننا نقاوم».

وقد وثّقت الأمم المتحدة أكثر من 7000 شهيد فلسطيني منذ عام 2000 حتى 2023م في الضفة وغزة، مقابل آلاف الجرحى والمعتقلين، وعن شهداء غزة من الأطفال والنساء والرجال حدث ولا حرج، فقد ارتقى 72 ألف شهيد منذ السابع من أكتوبر 2023م، وما زال الشهداء من الأطفال والنساء والرجال يرتقون على أيد عصابات القتل الصهيونية المجرمة.

يقول نيلسون مانديلا: حريتنا لن تكتمل من دون حرية الفلسطينيين، وهو ما يجعل المقاومة جزءًا من الطاقة الأخلاقية للسردية.

6- جذور ممتدة لم تنقطع يوماً واحداً:

في مواجهة الرواية الصهيونية المتهافتة، أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، بنت السردية الفلسطينية خط دفاعها على إثبات التجذر، والتطريز الفلاحي الذي يحمل خرائط القرى، واللهجات المحكية، وأسماء القرى والمدن التي حافظت على جذورها؛ نابلس وغزة والقدس، والآثار الكنعانية في أريحا التي تعود إلى أكثر من 10 آلاف سنة، والتاريخ العربي والإسلامي؛ كلها تُستدعى كشهود على أن الوجود هنا لم ينقطع، أن تكون فلسطينيًا يعني أن تكون وريثاً لطبقات حضارية متراكمة على هذه الأرض، لا عابر سبيل.

يقول المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي: الشعب الفلسطيني ليس طارئًا على التاريخ، بل استمرار لسلسلة حضارية طويلة وممتدة.

7- الشتات امتداد لا بديل:

أبدعت السردية الفلسطينية في تحويل المخيم من مكان مؤقت إلى حامل للذاكرة الوطنية، اللاجئ في بيروت أو اليرموك أو البقعة لا يعرّف نفسه بالمكان الذي وُلد فيه، بل بالقرية التي هُجر منها جدّه، هذا جعل الشتات جزءًا عضويًا من الوطن، لا هامشًا له، السردية ترفض الذوبان الكامل، وتُبقي الحنين وسيلة بقاء، لهذا السبب تفشل كل محاولات التوطين حين تُقدَّم كبديل عن الحق، لا كحل إنساني مؤقت.

أبدعت السردية الفلسطينية في تحويل المخيم من مكان مؤقت إلى حامل للذاكرة الوطنية، ورغم أن أكثر من 50% من الفلسطينيين يعيشون اليوم خارج فلسطين التاريخية، فإن اللاجئ في أي بقعة لا يعرّف نفسه بالمكان الذي وُلد فيه، بل بالقرية التي هُجر منها جدّه.

هذه السمات السبع ليست منفصلة، بل تعمل كجسد واحد، فقد تختلف الأدوات، وتتغير التحالفات، وتتبدل لهجات الخطاب السياسي، لكن هذه الأعمدة السبعة ظلت صامدة، قوتها أنها لم تُفرض من أعلى، بل وُلدت من التجربة المأساوية لملايين الفلسطينيين.

وهكذا فالسردية الفلسطينية بهذا المعنى ليست مجرد رواية للماضي، وإنما برنامج للبقاء، هي الطريقة التي يقول بها شعب للعالم: نحن هنا، كنا هنا، وسنبقى هنا، وأي حل سياسي يتجاهل هذه الطبقات السبع محكوم عليه أن يبقى حبرًا على ورق، لأن الشعوب لا تعيش بالخرائط وحدها، بل بالسرديات التي تصدقها عن نفسها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة