بناء العالم الرباني.. إصلاح القلوب قبل توريث العلم
أبو العالية الرياحي.. صنع الرجال قبل أن يصنع المجالس
يذكر الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة أبي العالية رفيع بن مهران-أبو العالية الرياحي- (1)، قال معمر: عن عاصم، عن أبي العالية، قال: «أنتم أكثر صلاة وصيامًا ممن كان قبلكم؛ ولكن الكذب قد جرى على ألسنتكم»(2).
تكشف هذه الكلمة
عن جوهر مهمة العالم الرباني كما فهمها أبو العالية الرياحي؛ فالعالم عنده لا
تنتهي مسؤوليته عند تعليم الأحكام، ولا عند تكثير الحفظة والرواة، بل تبدأ
مسؤوليته الحقيقية حين يشرع في بناء الجيل الذي سيحمل عنه الرسالة.
فقد كان أبو العالية الرياحي ينظر إلى طلابه لا باعتبارهم مستمعين لمجلس علم، بل باعتبارهم ورثة لميراث
النبوة، ولذلك كان أخوف ما يخافه ليس ضعف الحفظ، ولا قلة العبادة الظاهرة، وإنما
أن يحمل العلمَ قلبٌ لم يُزكَّ بعد، أو لسانٌ لم يُطهَّر من الآفات التي تفسد
أمانة النقل.
ولهذا لم يكن
خطابه لهم تعظيمًا لأعمالهم، مع أنهم كانوا أكثر صلاة وصيامًا، بل كان نقلاً لهم
من مرحلة الانشغال بصورة العبادة إلى حقيقة العبادة: الخوف من الله، ومراقبة
القلب، وصيانة اللسان.
لماذا سبقت التزكيةُ العلمَ في التربية النبوية؟
كان أبو العالية
الرياحي من جيل تلقى العلم قريباً من منابعه الأولى، وأخذ عن أكابر الصحابة، وعاش
مرحلة كان فيها العلم مرتبطاً بالعمل والتزكية؛ ولهذا لم يرَ العلم مجرد ألفاظ
تُنقل أو آثار تُحفظ، وإنما حالة إيمانية تنتقل من جيل إلى جيل، فالعالم الذي يحمل
القرآن والسُّنة لا ينقل نصوصاً مجردة، بل ينقل طريقة نظر إلى الحياة، وميزاناً في
التعامل مع الله والناس؛ امتثالاً لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا
مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ) (الجمعة: 2)، وقدم الله جل وعلا التزكية على التعليم؛ لأن
العلم إذا لم يجد قلباً صالحاً يحمله تحول إلى أداة بلا روح؛ ومن هنا لم يرد أبو
العالية من طلابه أن يعرفوا أكثر فحسب، بل أن يصبحوا أكثر صدقاً وخشية وسريرة.
ويرسخ الإمام
سفيان الثوري غاية العلم الحقيقية بقوله: «إنَّما فُضِّلَ العِلْمُ لأنَّهُ
يُتَّقَى بِهِ اللهُ، ولَوْلا ذَلِكَ كانَ العِلْمُ كَغَيْرِهِ»(3).
ويحدد التابعي
الجليل مسروق بن الأجدع ميزان العلم وميزان الجهل بكلمته الحاسمة: «بَحَسْبِ
المَرْءِ مِنَ العِلْمِ أنْ يَخْشَى اللَّهَ عز وجل، وبَحَسْبِ المَرْءِ مِنَ
الجَهْلِ أنْ يَعْجَبَ بعِلْمِهِ»(4).
وينبه أبو
العالية الرياحي تلاميذه إلى خطورة الاكتفاء بظاهر العبادة دون استقامة الحال
والتزكية، بقوله المأثور: «أنْتُمْ أكْثَرُ صَلاةً وصِياماً مِمَّنْ كانَ
قَبْلَكُمْ، ولَكِنَّ الكَذِبَ قَدْ جَرَى على أَلْسِنَتِكُمْ»؛ لتظل التزكية
القلبية وصدق الباطن هما الأصل الذي يتلقاه الطلاب عن العلماء الربانيين.
لماذا لا تكفي كثرة العبادة لحماية الراوي؟
بدأ أبو العالية
الرياحي كلامه بإنصافٍ واعتراف؛ إذ قال: «أنْتُمْ أكْثَرُ صَلاةً وصِياماً مِمَّنْ
كانَ قَبْلَكُمْ»، وفي هذا دقةٌ تربويةٌ جليلة؛ فلم يهدم ما عندهم من خير، ولم
ينكر اجتهادهم الظاهر، لكنه أراد أن يكشف لهم أن كثرة العمل لا تعني بالضرورة
اكتمال البناء، ثم واجههم بالخلل الجوهري قائلاً: «ولَكِنَّ الكَذِبَ قَدْ جَرَى
على أَلْسِنَتِكُمْ»، واختار الكذب لأنه من أعظم ما يهدد حامل الشريعة؛ فالرسالة
تقوم على الصدق، ونقل الدين يرتكز على الأمانة، وإذا فسد اللسان لم يعد صاحبه
مأموناً على ما يحمل، فكانت المشكلة عنده ليست في حساب الركعات بل في طهارة القلب
الذي يقف خلفها، ولا في طول الصيام بل في الاستقامة التي تلزم صاحبها بعد الفطر.
ويؤصل النبي صلى
الله عليه وسلم هذه الحقيقة العظمى في بيان عاقبة الصدق والكذب بقوله: «عليكم
بالصِّدقِ فإنَّ الصِّدقَ يَهدي إلى البرِّ وإنَّ البرَّ يَهدي إلى الجنَّةِ وما
يزالُ الرَّجلُ يصدقُ، ويتحرَّى الصِّدقَ حتَّى يُكتبَ عندَ اللهِ صدِّيقًا
وإيَّاكم والكذبَ فإنَّ الكذبَ يَهدي إلى الفجورِ، وإنَّ الفجورَ يَهدي إلى
النَّارِ، وما يزالُ العبدُ يَكذبُ ويتحرَّى الكذبَ حتَّى يُكتبَ عندَ اللهِ
كذَّابًا»(5).
ويؤكد الإمام
محمد بن سيرين تقديم خطورة اللسان وأمانة الدين على محض الصورة الظاهرة للعبادة
بقوله: «إنَّ هَذا العِلْمَ دينٌ، فانْظُروا عَمَّنْ تَأْخُذونَ دينَكُمْ»(6).
وكذلك يشدد
الإمام مالك على شرط الصدق وأمانة النقل في حمل الشريعة بقوله: «إن هذا العلم دين،
فانظروا عمن تأخذونه، لقد أدركت في المسجد سبعين ممن يقول: قال فلان، قال رسول
الله، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال، لكان به أميناً، فما أخذت منهم شيئاً؛
لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، ويقدم علينا الزهري وهو شاب فنزدحم على بابه»(7)؛
ليبقى صدق اللسان ونزاهة السريرة هما الميزان الحقيقي لصحة التدين وحمل العلم.
الفارق بين التلقين المجرد وزرع المراقبة الذاتية
كان أبو العالية
الرياحي يريد أن ينقل إلى طلابه شيئاً عاشه هو في داخله؛ الخوف من أن يفسد القلب
ولو كثرت الأعمال؛ فالعالم الرباني لا يكتفي بأن يخبر الناس بما يجب أن يفعلوه، بل
ينقل إليهم حالة المراقبة التي تجعله هو نفسه خائفاً من التقصير، وهذا هو الفارق
الجوهري بين التعليم المجرد والتربية؛ فالمعلم قد يعطيك معلومة عن الصدق، أما
المربي فيجعلك تخاف من الكذب؛ وقد يخبرك عن الإخلاص، أما العالم الرباني فينقل
إليك حساسية القلب تجاه الرياء؛ وقد يعلمك فضل العبادة، أما المربي فيجعلك تخشى أن
تتحول العبادة إلى إعجاب بالنفس، ولهذا كان خطاب أبي العالية صدمة تربوية؛ لأنه
أراد أن ينزع عنهم شعور الاكتفاء، ويزرع فيهم شعور المراقبة والوجل؛ امتثالاً
لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ
يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ
رَاجِعُونَ) (المؤمنون: 60).
وتُفسر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هذه الآية الموحيَة بما سمعته من رسول الله صلى الله
عليه وسلم حين سألته عن أهل هذه الصفة، قالت عائِشةُ: أهم الذين يَشرَبونَ الخَمرَ
ويَسرِقونَ؟ قال: «لا يا بِنتَ الصِّديقِ، ولكِنَّهم الذين يصومون ويُصَلُّونَ
ويتصَدَّقون وهم يخافون ألَّا تُقبَلَ منهم، أولئك الذين يسارِعونَ في الخيراتِ
وهم لها سابِقونَ»(8).
وينقل الإمام
الحسن البصري هذه الحساسية القلبية إلى تلاميذه بمجلسه في قوله: «إن أقواما بكت
أعينهم ولم تبك قلوبهم، فمن بكت عيناه فليبك قلبه»(9).
ويجسد الإمام
سفيان الثوري تعهده الدائم لقلبه وخوفه من فتنة النية بقوله الذي ورثه لطلابه: «ما
عالَجْتُ شَيْئاً أشَدَّ عَلَيَّ مِنْ نِيَّتِي؛ لأنَّها تَتَقَلَّبُ عَلَيَّ»(10)؛
ليبقى نقل الخوف القلبي والوجل من عدم القبول هو المهمة الأولى لكل معلم ومربٍّ
رباني.
لماذا اهتم التابعون بسلامة الجذور قبل التحديث؟
كان أبو العالية
الرياحي يعيش مسؤولية الجيل الذي سيأتي بعد الصحابة؛ ولذلك لم يكن ينظر إلى طلابه
كأفراد متعلمين فحسب، بل كغرسٍ مبارك سيحمل أمانة الدين بعده، والزارع اللبيب لا
يفرح بسرعة نمو النبات إلا بعد أن يطمئن إلى سلامة جذوره وصحة تربته؛ وكذلك العالم
الرباني، لا يفرحه أن يرى طالباً كثير الرواية إذا كان قلبه لم يُصلَح؛ لأن الخلل
في الحامل قد يفسد المحمول، ولهذا كان أبو العالية حريصاً على تنقية الصفات
الباطنة والظاهرة: أن يكون اللسان صادقاً، والقلب خائفاً، والعبادة سبب تواضع لا
سبب إعجاب، والعلم أمانة لا وسيلة للظهور؛ فلم يكن يبني طلاباً يحملون اسمه، بل
رجالاً يحملون رسالة النبي صلى الله عليه وسلم.
ويؤكد أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الأولوية التربوية في تنقية المضمون
الأخلاقي قبل المظاهر بقوله: «لا تَنْظُروا إلى صَلاةِ أحَدِكُمْ ولا إلى
صِيامِهِ، ولَكِنِ انْظُروا إلى صِدْقِ حَديثِهِ إذا حَدَّثَ، وأمانَتِهِ إذا اُؤْتُمِنَ،
ووَرَعِهِ إذا أشفَى»(11).
ويرسخ الإمام
إبراهيم النخعي معيار اختيار حملة العلم واشتراط استقامة الغرس والسلوك فيهم
بقوله: «كانوا إذا أتَوُا الرَّجُلَ لِيَأْخُذوا عَنْهُ نَظَروا إلى سَمْتِهِ وإلى
صَلاتِهِ وإلى حالِهِ، ثُمَّ أخَذوا عَنْهُ»(12).
ويوصي الإمام
مالك بن أنس تلميذه الشافعي بضرورة تعاهد القلب ونور التزكية قبل الاستكثار من
مسائل الفتيا والعلم: «إنِّي أَرَى اللَّهَ قَدْ أَلْقَى عَلَى قَلْبِكَ نُوراً،
فَلا تُطْفِئْهُ بِظُلْمَةِ المَعْصِيَةِ»(13)؛ لتظل تزكية العقول
ونقاء السرائر هما الأمانة الحقيقية لإصلاح الغرس قبل تسليم راية الرسالة.
لماذا يختلف ذنب الكذب عند العلماء والمحدثين؟
في التربية
العامة، قد يُنظر إلى الكذب باعتباره معصيةً ذاتيةً من المعاصي، لكن أبا العالية
الرياحي نظر إليه من زاويةٍ أوسع وأشدَّ خطرًا؛ فالكذب عند حامل العلم ليس مجرد
خللٍ أخلاقيٍّ شخصي، بل هو تهديدٌ مباشر للميراث النبوي كله؛ لأن العالم أو الراوي
يحمل كلامًا تتأسس عليه الديانة، وأي تساهلٍ في الصدق يهدد الثقة التي يقوم عليها
هذا البناء، ولهذا كان أبو العالية شديدًا في تنقية هذه الصفة؛ لأنه يريد أن يسلم
الرسالة إلى جيلٍ أمينٍ كما تلقاها من الجيل الأول.
ويتجلى هذا
الحذر الصارم في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً
فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»(14)، وفي قوله صلى الله
عليه وسلم: «مَن حَدَّثَ بحديثٍ، وهو يَرى أنَّه كَذِبٌ؛ فهو أحَدُ الكاذِبَيْنِ»،
وقال عبدُالرَّحمنِ: فهو أحَدُ الكَذَّابينَ(15)؛ إذ لم يقتصر التغليظ
على واضع الكذب، بل شمل كل من تساهل في نقله وحمله.
لماذا رأى أبو العالية الرياحي ان صناعة رجال الصدق أولى من حشد الأتباع؟
قد يفرح بعض
المنتسبين للعلم بكثرة من حولهم، لكن أبا العالية الرياحي كان ينظر إلى ما هو
أعمق: من الذي سيحمل الرسالة بعدي؟ فالعدد وحده لا يكفي، وكثرة الحضور لا تكفي،
وكثرة العبادة الظاهرة لا تكفي؛ بل السؤال الحقيقي: هل خرج من هذا المجلس رجال
صدقٍ يحملون العلم بأمانة؟ ولهذا كانت عنايته بسلامة القلوب والألسن جزءاً لا
يتجزأ من عنايته برواية العلم ونقله.
ويجسد عبدالله
بن مسعود رضي الله عنه هذا المعيار حين خرج يوماً فاتبعه ناس كثير، فالتفت إليهم
متفقداً جودة الأثر لا كثرة الجمع، وقال: «ألَكُمْ حاجَةٌ؟»، قالوا: لا، ولكن
أردنا أن نمشي معك، فقال: «ارْجِعوا؛ فإنَّهُ ذُلٌّ لِلتَّابِعِ، وفِتْنَةٌ
لِلْمَتْبُوعِ»(16).
ويؤكد الإمام
أيوب السختياني حرصه على الجودة ونوعية الورثة وفراره من المباهاة بالأتباع؛ إذ
كان إذا مشى فاتبعه اثنان أو ثلاثة من الناس قام فتركهم أو انحرف عن الطريق(17)؛
رعايةً لسلامة النية وصيانةً لمن يحمل العلم عن فتنة الجمع.
لماذا يفشل التوريث العلمي بغياب البناء الأخلاقي؟
تقدم شخصية أبي
العالية قاعدة عظيمة في بناء الأجيال: لا يكفي أن تُعلم الناس، بل عليك أن تبنيهم،
ولا يكفي أن تنقل المعلومات، بل عليك أن تنقل ميزانها الأخلاقي، ولا يكفي أن تترك
كتباً ومرويات، بل عليك أن تترك رجالاً يحملونها بأمانة؛ فالإشكالية ليست فقط في
ضياع العلم، بل في وصوله إلى أيدٍ لا تحفظ قيمته ولا ترعى حقه.
ويتجلى هذا
الدرس القيادي في فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما استعمل ابن
أبزى على أهل الوادي، وهو مولى من الموالي، فلما سُئل عن ذلك قال: أما إنَّ
نَبيَّكُمْ صلى الله عليه وسلم قَدْ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بهَذا الكِتابِ
أقْواماً ويَضَعُ بهِ آخَرينَ»(18)؛ آثراً أهليته وصلاحه لحمل الأمانة.
ويرسخ التابعي
الجليل عطاء بن أبي رباح هذه الحقيقة؛ فقد كان مولى أعرج، لكنه أخذ العلم بالورع
والتقوى حتى صار إمام مكة، وكان الخليفة ينادي في الموسم: «لا يُفْتِيَنَّ في
المَناسِكِ إلا عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ»(19)؛ لأنه كان أهلاً لحمل أمانة
الدين وتسليمها للناس.
كيف تجسدت الرؤية التربوية المستقبليّة لأبي العالية؟
تكشف هذه الكلمة
القصيرة عن عالمٍ رباني كان يرى أبعد من لحظته؛ فلم يكن ينظر إلى طلاب يصلي ويصوم
أحدهم فقط، بل إلى جيل سيحمل الدين بعده، ولهذا لم يجاملهم بكثرة أعمالهم، بل
خوّفهم من آفةٍ تهدم أثر هذا العمل، كان يريد أن يسلم الرسالة كما أخذها: علماً
يزكي، وعبادةً تصلح، ولساناً يصدق؛ فالعالم الرباني لا يُقاس فقط بما يتركه من علم
مكتوب، بل بما يتركه من قلوب صلحت لحمل هذا العلم.
وينطق العابد
مطرف بن عبد الله بن الشخير بلسان الوجل نفسه على المستقبل، مناجياً ربه خوفاً من
فساد السريرة: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ مِمَّا أرَدْتُ بهِ وَجْهَكَ
فَخَالَطَ قَلْبِي فيهِ ما قَدْ عَلِمْتَ»(20)؛ لتظل حراسة القلوب من
الآفات الباطنة هي الضمانة الوحيدة لاستمرار نور الرسالة في الأجيال القادمة.
تتكامل هذه المعالم التزكوية لتؤكد أن معيار النجاح عند العالم الرباني لا يُقاس يوماً بضخامة الجماهير ولا بكثرة الأتباع، وإنما بجودة الغرس ونزاهة حَمَلَتِهِ، لقد أدرك أبو العالية الرياحي أن العلم أمانةٌ ثقيلة لا تستقر إلا في الأوعية الطاهرة؛ ولهذا جعل تعاهد القلوب، وتزكية السرائر، وحراسة الألسنة من الآفات مقدمةً على الاستكثار من المسائل والروايات، وإن حماية المستقبل الإيماني للأمة تبدأ من تمحيص الحامل قبل المحمول؛ فالعلم بلا قلبٍ سليم قد يتحول إلى فتنة، والعبادة بلا صدقٍ قد تصبح صورة بلا روح، ومن هنا يبقى الدرس الخالد لكل مربٍّ وقائد؛ أن التأسيس المكين لا يكون بحشد الأجساد، بل بتخريج رجالِ صدقٍ صَلُحَت قلوبهم لحمل الرسالة، وتبليغها إلى الأجيال نقيةً كما تلقوها من منابعها الأولى.
الهوامش
- 1 أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي: مولى لامرأة من بني رياح، ولد في الجاهلية وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، كبار التابعين، ومن أئمة القراء والمفسرين والمحدثين بالبصرة، اشتهر بالطلب والعلم، والعناية بالقرآن تفسيراً وإقراءً، ووفور الحديث والفقه، سكن البصرة وتوفي بها سنة 90هـ (وقيل: 93هـ).
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 208).
- 3 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (6/ 362).
- 4 أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (734)، والدارامي (322)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (6/ 80) واللفظ لهم جميعاً.
- 5 أخرجه الترمذي (1971) واللفظ له، وأخرجه البخاري (6094)، ومسلم (2607) باختلاف يسير
- 6 أخرجه مسلم في «مقدمة الصحيح» (1/ 16)، والدارمي (424) عن محمد بن سيرين
- 7 سير أعلام النبلاء (5/ 342).
- 8 أخرجه الترمذي (3175) واللفظ له، وابن ماجه (4198).
- 9 مصنف بن أبي شيبة (8/ 258).
- 10 الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (1/ 317).
- 11 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 24).
- 12 أخرجه الدارمي في «مسنده» (1/ 397) (435)، (1/ 398) (436).
- 13 الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (1/ 78).
- 14 أخرجه ابن أبي شيبة (26779)، وأبو نعيم في «المسند المستخرج على صحيح مسلم» (22)، وأخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (381) بلفظ: «فليتبوأ بيتاً».
- 15 أخرجه مسلم في «المقدمة» (1/ 9)، والترمذي (2662)، وابن ماجه (41)، وأحمد (18240) واللفظ له.
- 16 مصنف ابن أبي شيبة (6/ 213) (3632) (153)- 2.
- 17 سير أعلام النبلاء (6/ 16).
- 18 أخرجه مسلم (817)، وابن ماجه (218)، وأحمد (232) جميعهم مطولاً.
- 19 كتاب صفة الصفوة (1/ 415).
- 20 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 208).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً