حين طلب القراء صوتاً علمياً في أزمة سياسية
معبد الجهني.. صناعة القرار ليست امتداداً للمكانة العلمية
يروي الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن معبد الجهني(1)، وعن عبدالملك
بن عمير، أن القراء اجتمعوا على معبد الجهني، وكان أحد من شهد الحكمين(2)،
وقالوا له: قد طال أمر هذين؛ عليّ، ومعاوية، فلو كلمتهما.
قال: لا تعرضوني
لأمر أنا له كاره، والله ما رأيت كقريش، كأن قلوبهم أقفلت بأقفال الحديد، وأنا
صائر إلى ما سألتم.
فقال معبد:
فلقيت أبا موسى فقلت: انظر ما أنت صانع.
قال: يا معبد
غدًا ندعو الناس إلى رجل لا يختلف فيه اثنان.
فقلت لنفسي: أما
هذا، فقد عزل صاحبه.
ثم لقيت عمرًا
وقلت: قد وليت أمر الأمة، فانظر ما أنت صانع.
فنزع عنانه من
يدي(3) ثم قال: إيها تيس جهينة(4)، ما أنت وهذا؟! لست من
أهل السر ولا العلانية، والله ما ينفعك الحق ولا يضرك الباطل(5).
تفتح هذه
الرواية بابًا مهمًا لفهم العلاقة بين العلماء، وأهل الرأي، وأصحاب السلطة في
المجتمع الإسلامي الأول، فمعبد الجهني شخصية مركبة؛ فهو من جهة رجل علم ورواية،
أخذ عن عدد من الصحابة، وكان حاضرًا في المجال العلمي، لكنه من جهة أخرى كان صاحب
رأي مبتدع في باب القدر، ثم وجد نفسه في لحظة سياسية كبرى تتعلق بمصير الأمة بعد
صفين.
وهنا يظهر
السؤال المركزي: هل كل من امتلك العلم أو المكانة الدينية يصبح مؤهلًا للدخول في
دوائر صناعة القرار السياسي؟ أم أن هناك فرقًا بين أهل العلم وأهل القرار؟
الفرق بين التمكن العلمي وإدارة القرار السياسي
لم يكن المجتمع
الإسلامي الأول يغلق باب المشاركة العلمية أمام أحد بسبب نسبه أو طبقته؛ فمعبد
الجهني نفسه مثال على أن أبواب العلم كانت لمن طلبها، لكن هذا الانفتاح العلمي لا
يعني أن كل عالم يصبح تلقائيًا من أصحاب القرار السياسي أو مدبر النزاعات الكبرى؛
فالعلَم يمنح صاحبه قدرة على الفهم والنصح والتعليم، لكنه لا يجعل منه بالضرورة صاحب
خبرة في إدارة السياسة والعهود وحروب الدولة.
وهنا يظهر الفرق
الواضح بين منزلتين: منزلة العالم الذي يُبين الحق ويُعظ ويُنقل العلم؛ كالتورع
العلمي الكبير الذي تميز به أئمة التابعين كـالقاسم بن محمد بن أبي بكر(6)
الصديق رحمه الله الذي كان مرجعاً في العلم ومجلساً للفتيا، لكنه كان يستنكف عن
التدخل في أسرار الخلافة والشؤون التنفيذية للدولة، ومنزلة صاحب القرار الذي يتحمل
تبعات السياسة والحرب والتدبير، وهو المعنى الذي تجسد بوضوح في وعي أئمة الأمة؛
فحين أراد الخليفة أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس على كتاب «الموطأ» ويجعله
قانوناً إجبارياً للدولة، رفض الإمام مالك بن أنس(7)ذلك
بحكمة بالغة، مفصلاً بين مقام التعليم والنصيحة العلمية وبين سلطان القرار
والسياسة، ومقرراً أن لكل أربابه.
فالعالم يُستشار
في دينه وشرعه، والوالي يُطاع في تدبيره وسياسته، وباحتفاظ كل مقام بحدوده تستقيم
الأمة ويعتدل ميزانها.
أسباب اختيار القراء لمعبد بالوساطة السياسية
تكشف الرواية أن
القراء رأوا في معبد شخصية يمكن أن تؤدي دور الوسيط، والسبب مفهوم؛ فالأزمات
الكبرى لا يبحث الناس فيها فقط عن أصحاب القوة والقرار، بل عن أصحاب المكانة
الأخلاقية والرمزية المعنوية الذين يمكن أن يصل صوتهم إلى الأطراف المتنازعة
وتطمئن إليه النفوس.
فالقراء في ذلك
العصر كانوا يمثلون قوة معنوية كبيرة؛ لأنهم حملة القرآن وأهل العبادة والوجاهة
الدينية، وهو ما تجلى مراراً في تاريخ الأمة حين كان الناس يلجؤون وقت الفتن
والأزمات إلى أرباب الفضل والتقوى؛ كما كان يقع في البصرة والكوفة بالرجوع إلى
أئمة الهدى كـالحسن البصري(8)، والأحنف بن قيس(9) رحمهما
الله للاستجابة والوساطة وتسكين الدهماء لحقن الدماء.
لكن وجود هذه
القوة الأخلاقية الهائلة لا يعني بالضرورة امتلاك أدوات القرار السياسي أو الخبرة
العسكرية الميدانية، وهنا تبدأ المشكلة التي تكشفها الرواية؛ فالرغبة الصادقة في
الإصلاح وحقن الدماء لا تكفي وحدها إذا لم تكن مصحوبة بوعي دقيق بمآلات الأمور
ومعرفة تامة بحدود الدور، حتى لا تتداخل هيبة الدين مع حسابات السياسة بحال تؤدي
إلى عكس المراد.
لماذا كره معبد التدخل بين الحكَمين؟
كان رد معبد
الأول واجداً ومتحفظاً: «لا تعرضوني لأمر أنا له كاره»، وهذه العبارة تكشف أنه لم
يكن مندفعًا نحو لعب دور سياسي عبثي، بل كان مدركًا بعمق لتعقيد المشهد وخطورته، ثم
أضاف بصيرته حين قال: «والله ما رأيت كقريش، كأن قلوبهم أقفلت بأقفال الحديد»، وهذه
العبارة تحمل قراءة واعية ومبكرة لطبيعة الصراع؛ فقد رأى بعينه أن القضية تجاوزت
حدود الخلاف الفكري أو النصيحة العادية، لتصبح مرتبطة بمراكز قوة وشرعيات سياسية
متنافسة.
وهي فراسة ناضجة
تشبه ما أدركه أكابر الصحابة والتابعين عند نزول الفتن الكبرى؛ كموقف الصحابي الجليل
سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين أدرك تعقيد المشهد وامتنع عن الخوض فيه ناصحاً
بالاعتزال قائلاً: «إن الله يحبُّ العبدَ التقيَّ الغنيَّ الخفيَّ»(10)،
وكقراءة التابعي البصير مطرف بن عبدالله بن الشخير رحمه الله لطبيعة الصراعات حين
قال محذراً من الاغترار: «إن الفتنة إذا أقبلت شَبَّهت، وإذا أدبرت أسفرت»(11)،
وكبصيرة عبدالله بن عمر رضي الله عنهما في إدراكه لعمق الفتن واعتزاله للدماء حين
تتشابك خيوط السياسة.
ومع هذه الفراسة
الواعية والإدراك المبكر لخطورة الموقف، استجاب معبد لضغط القراء، فدخل مكاناً ليس
مكانه، وتخطى حدود دوره الأصلي ليصطدم بواقع صراع لا طاقة له بتدبيره.
لماذا طرد عمرو بن العاص معبد الجهني؟
تكشف مقابلة
معبد لأبي موسى، وعمرو بن العاص، عن نموذجين قياديين مختلفين في قراءة المشهد
والتعامل مع الوسطاء؛ فأما أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فقد غلب عليه المنزع
الأخلاقي المنفتح والنزوع إلى السلامة وحقن الدماء؛ حين قال لمعبد: «غدًا ندعو
الناس إلى رجل لا يختلف فيه اثنان»، فاطمأن معبد إلى أنه يميل إلى حل يخرج من إطار
التنافس الدموي، راجياً أن يكون في ذلك مخرج للأمة.
وفي المقابل،
كان موقف عمرو بن العاص رضي الله عنه معبراً عن الحزم السياسي والدهاء الإداري في
حماية دائرة القرار؛ فلما دخل عليه معبد وتكلم قال له بحسم: «ما أنت وهذا؟! لست من
أهل السر ولا العلانية»، وبغض النظر عن صرامة العبارة، فإنها تكشف تصورًا سياسيًا
واقعيًا عميقًا يرى أن المفاوضات المصيرية والتدبير الإستراتيجي تتطلب أهل دراية
بأسرار الحكم وتوازنات القوى وتكلفة القرار، وليس مجرد النوايا الطيبة والفضل
الديني أو الرغبة المجردة في الإصلاح، فلكل ميدان رجاله، وللسياسة أربابها كما أن
للرواية والعلم أربابه.
هل أُقصي معبد لاعتقاده أم لانعدام خبرته؟
هذه نقطة دقيقة
ومنهجية بالغة الأهمية، قد يقرأ البعض رد عمرو بن العاص باعتباره إقصاءً لمعبد
بسبب انتمائه أو مخالفته في الرأي، لكن الرواية نفسها تشير إلى معنى أعمق وأدق؛ وهو
الفصل بين المجالات وصيانة التخصصات، فقد يكون الرجل مقبولًا ومثنياً عليه في باب
الرواية والعلم، لكنه ليس من أهل إدارة القرار السياسي أو تدبير المفاوضات
المصيرية.
وهذه قاعدة
راسخة أرساها الهدي النبوي والمنهج الراشدي منذ صدر الإسلام؛ فحين طلب أبو ذر الغفاري رضي الله عنه -وهو من أصدق الأمة لهجة وأعظمهم زهدًا وورعًا- أن يولى
الإمارة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم مشفقاً وموجهاً: «يا أبا ذرٍّ إنِّي
أراكَ ضعيفًا، وإنِّي أحبُّ لَكَ ما أحبُّ لنَفسي فلا تأَمَّرنَّ على اثنينِ ولا
تَولَّينَّ مالَ يتيمٍ»(12)، فلم يكن هذا المنع طعناً في دينه أو
إقسامه، بل هو تفريق حاسم بين منزلة التقوى والفضل، والأهلية الإدارية والسياسية، وهو
المعيار الذي سار عليه الخلفاء الراشدون في وضع كل رجل في موضعه بحسب كفاءته
الميدانية وخبرته، كما كان يصنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في استبقاء العباد
والعلماء للمسجد والفتيا، وتوجيه ذوي الدراية والسياسة لإدارة الثغور والقرار.
فالتميز في مجال
لا يقتضي بالضرورة الأهلية في كل المجالات؛ قد يكون الإنسان عالمًا جليلاً في
الفقه أو الحديث، لكنه ليس قائدًا عسكريًا، وقد يكون واعظًا مؤثرًا، لكنه ليس
مفاوضًا سياسياً محنكاً، وحين تتداخل هذه الحدود تضطرب الأمور، وحين تنضبط بصيانة
المواقع يستقيم بناء الدولة ويحفظ العلم وقاره.
لماذا فرّق العلماء بين الرواية والبدعة؟
تكشف شخصية معبد
عن دقة المنهج العلمي الفريد الذي أرصده السلف وأهل النقد في التعامل مع الرواة، فلم
يمنع اختلافه في القدر أو دخوله في بعض الشبهات العقدية من أن ينظر أئمة الحديث؛ كسفيان
الثوري(13)، ومسعر بن كدام(14)، ومحمد بن سيرين(15)،
بعين الإنصاف إلى صدقه وضبطه وأمانته في نقل الأثر، وفي الوقت نفسه، لم يجعلوا
كونه راوياً ثقةً في أصل الرواية مبرراً لقبول مقالته الباطلة أو بدعته في
الاعتقاد، بل كان التحذير من فكره صارماً جلياً.
وهذا هو الميزان
الدقيق الذي يحكم القضية برمتها؛ فالإنصاف العلمي يقتضي ألا يُهدر حق الثقة الصدوق
بسبب خطأ أو بدعة غير مكفرة (ما لم يكن داعية)، كما أن المنهج الشرعي يقضي بألا
يُجعل هذا القبول في الرواية تذكرة دخول إلى دوائر القرار أو تمكيناً في التوجيه
الفكري والعقدي للأمة، وجوده في مجلس العلم لنقل الأثر شيء، ودخوله في أسرار
القيادة وتدبير السياسة شيء آخر تماماً.
أهمية مراعاة التخصص والملاءمة بإدارة المؤسسات
تكشف الرواية عن
قاعدة حضارية ومنهجية كبرى؛ أنه ليس كل صاحب مكانة في العلم أو التقوى يصلح لكل
موقع أو إدارة، فالإنصاف لا يعني أن نعطي كل شخص كل الأدوار، بل تمام العدل أن نضع
الإنسان في المجال الذي يملك أدواته.
فمعبد كان له
موقعه المعتبر في العلم والرواية والضبط، لكن دائرة القرار السياسي وإدارة
النزاعات الكبرى تحتاج إلى معايير أخرى لا تقف على مجرد النوايا أو فضل العبادة،
بل تتطلب:
- خبرة عميقة
بالمصالح والمفاسد.
- معرفة دقيقة
بتوازنات القوى.
- قدرة فائقة
على إدارة المفاوضات.
- تحملاً شاملاً
لتبعات القرار الميداني.
وحين تمايزت هذه
المراتب في ميزان السلف، وحُفظ لكل ذي فضل قدره دون أن يُمنح ما لا تحمله طاقته،
استقامت الحياة العامة، وبقيت حياض الشريعة مصونة من اضطراب السياسة واختلاط
الأدوار.
حدود الفصل بين السلطة والعلم
تكشف قصة معبد
الجهني في سياق الأزمات الكبرى عن نضج مبكر وفريد في فهم الفرق الجوهري بين سلطة
العلم وسلطة القرار، فالعلماء وأهل الفضل لهم الدور الأعظم في النصح والتوجيه
وبيان الحق، لكن إدارة الدولة وتدبير الأزمات الكبرى تقتضي شروطاً وأدوات أخرى لا
تقوم على مجرد فضل العبادة، وكما جسد ذلك التابعي الجليل الإمام أبو حازم سلمة بن
دينار(16) حين دخل على الخليفة سليمان بن عبدالملك فوعظه وذكره بالله
وبيّن له حدود أمانة العلماء في أداء التبيان والنصح دون أن يتحول إلى ممارس
تنفيذي أو شريك في جهاز السلطة.
وكشف هذا المنهج
الراسخ أن الشريعة لم تقم على إقصاء الأشخاص بالجملة لمجرد خطأ أو زلة، ولا على
إدخالهم في كل المجالات بلا ضابط؛ فمعبد بقي له قدره واحترامه في الرواية والعلم،
لكنه لم يكن من أهل السر السياسي أو إدارة المفاوضات المصيرية.
وهذا من أدق معاني العدل وأعمقها؛ أن يُعطى الإنسان منزلته كاملة غير منقوصة، دون أن يُرفع إلى مقام لا يملكه، أو يُسقط من مقام يستحقه، ليستقيم بناء الأمة على قواعد الحكمة والإنصاف.
الهوامش
- 1 معبد بن عبدالله الجهني، من التابعين وثقات المحدثين بالمدينة المنورة، أخذ وروى عن أعيان الصحابة كمعاوية بن أبي سفيان، وعمران بن حصين، وأبي هريرة، وحدث عنه جمع من الأئمة منهم قتادة بن دعامة وزيد بن أسلم، اشتهر بالعبادة وإتقان الحديث، وسكن المدينة المنورة وتوفي بها، اختُلِف في سنة وطريقة وفاته؛ فقيل قُتل وصُلِب بدمشق بأمر عبدالملك بن مروان سنة 80هـ، وقيل: قتله الحجاج بن يوسف بعد فتنة ابن الأشعث (نحو سنة 84هـ)، وقيل: توفي سنة 89هـ.
- 2 البداية والنهاية لابن كثير (10/ 555).
- 3 أفلت الأمر من يده فلا يقدر أن يجاريه في الحوار.
- 4 تدل على التقليل من شأنه.
- 5 سير أعلام النبلاء (4/ 186).
- 6 المرجع السابق (5/ 54).
- 7 جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (1/ 533/ 870).
- 8 سير أعلام النبلاء (4/ 564).
- 9 المرجع السابق (4/ 87).
- 10 أخرجه أحمد (1441)، وأبو يعلى (737)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (6050) واللفظ لهم.
- 11 لم نقف عليه إلا عند أبي نعيم في «الحلية» (6/ 101).
- 12 أخرجه مسلم (1826)، وأبو داود (2868) واللفظ له، والنسائي (3667)، وأحمد (21563).
- 13 سير أعلام النبلاء (7/ 230).
- 14 المرجع السابق (7/ 164).
- 15 المرجع السابق (4/ 606).
- 16 المرجع السابق (6/ 97).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً