«الأقصى» في مواجهة التهويد الطقوسي

مستوطنون يؤدون طقوساً تلمودية في المسجد الأقصى

لم يعد أخطر ما يجري في المسجد الأقصى المبارك مجرد تزايد أعداد المقتحمين، ولا تكرار اقتحامات باتت تتوارد أخبارُها حتى كادت كثرتها تُضعف وقعها في النفوس؛ فالتحول الأشد خطورة يجري في مستوى أعمق من العدد والحضور ويتمثل في التهويد الطقوسي محاولة تغيير الوظيفة الدينية للمكان نفسه، ونقل الاقتحام بالتدرج من مجرد دخول تحرسه شرطة الاحتلال إلى حضور ديني يهودي منظم، له صلواته وطقوسه وأدواته ورموزه وأزمنته، بما يؤسس مع الأيام لادعاء «حق» ديني ثابت داخل المسجد، وهذه النقلة هي التي ينبغي أن تستوقف الأمة؛ لأن الأماكن المقدسة قد تتعرض لتغيير هويتها دون أن يُهدم جدار واحد منها، حين تُنتزع وظائفها بالتدرج، وتُزرع فيها وظائف جديدة، ثم يحتمي الواقع المستحدث بطول المدة وكثرة التكرار.

التهويد الطقوسي ما وراء الاقتحام

وفي هذا السياق ينبغي أن تُقرأ الأنباء التي نشرها نشطاء من جماعات الهيكل عما جرى صباح الأحد 13 سبتمبر 2026؛ إذ تحدثوا عن «صلاة جماعية تاريخية» في الساحة الشرقية للمسجد الأقصى، مقابل قبة الصخرة، قالوا إن 220 مستوطنًا شاركوا فيها دفعة واحدة، وإن أبواقًا مصنوعة من العظم وأخرى معدنية نُفخ فيها خلال الصلاة، بالتزامن مع نفخ بوق آخر من جهة مقبرة باب الرحمة، ونشروا صورة لما قالوا إنها الأبواق التي استُخدمت.

ولا يزال واجب الدقة يقتضي التأكيد أن هذه التفاصيل مصدرها نشطاء جماعات الهيكل أنفسهم، ولم يتوافر حتى الآن توثيق فلسطيني أو عربي أو إسلامي مستقل يؤكدها، في ظل الحصار المتصاعد على التصوير والتوثيق داخل المسجد؛ غير أن أصل الاقتحامات وأداء الصلوات والطقوس في المنطقة الشرقية ثابت في التقارير الفلسطينية، كما أن الدعوة إلى توسيع الممارسات الدينية اليهودية في الأقصى أصبحت علنية ومتزايدة.

وهنا ينبغي ألا يحجب صوت البوق عنا دلالة البوق؛ فالمسألة ليست آلة صغيرة يُنفخ فيها لثوان ثم ينتهي الأمر، وإنما ما تمثله من انتقال الطقس من المحاولة الفردية الخاطفة إلى الممارسة الجماعية المنظمة، ومن الاستثناء المستنكر إلى السابقة المتكررة، ومن السابقة إلى الاعتياد، ومن الاعتياد إلى المطالبة بتثبيته باعتباره «حقًا».

«الأقصى» من الاقتحام إلى تغيير الوظيفة

وهذا هو المنطق الذي يعمل به تغيير الواقع في الأقصى منذ سنوات: لا تُطرح الغاية الكبرى دائمًا دفعة واحدة؛ لأن الصدمة الكبيرة تستنفر المقاومة، وإنما تُجزَّأ الغاية إلى وقائع صغيرة، ويُختبر رد الفعل تجاه كل واحدة منها، فإذا مرَّت أضيف إليها غيرها، حتى يجد الناس أنفسهم بعد سنوات أمام واقع كان يبدو مستحيلًا لو طُرح عليهم كاملًا في بدايته، ومن هنا تكتسب تصريحات إيتمار بن غفير خلال اقتحامه للأقصى في 31 أغسطس دلالتها؛ فقد ربط صراحة بين جملة من المطالب الطقسية وبين مسار متدرج لتغيير الواقع القائم.

إننا، إذن، أمام ما يمكن تسميته "التهويد الطقوسي" للمسجد الأقصى؛ وهو أخطر من مجرد الاقتحام؛ لأن الاقتحام يتعلق بالحضور في المكان، أما التهويد الطقوسي فيتعلق بتعريف المكان نفسه ووظيفته وهويته. فحين يدخل المقتحم ثم يخرج، يبقى فعله ـ على خطورته ـ متعلقًا بحركة أشخاص؛ أما حين يحمل معه صلاته وكتابه وبوقه ورموزه، ويطالب بزمن مخصص لشعائره، ويسعى إلى تثبيت ذلك بالتكرار والحماية الرسمية، فإن المسألة تنتقل من «من يدخل؟» إلى «ماذا يفعل الداخل؟»، ثم إلى سؤال أخطر: «لمن تكون الوظيفة الدينية للمكان؟». وإذا لم يُدرَك هذا التحول في بدايته، فقد يأتي وقت تُصبح فيه مقاومةُ الوظيفة المستحدثة أصعب من منعها يوم كانت مجرد محاولة.

حرمة الأقصى تشمل هويته ووظيفته

ومن المنظور الشرعي والمقاصدي، فإن حرمة المساجد لا تقتصر على حجارتها وأبنيتها، وإنما تشمل هويتها ووظيفتها وشعائرها وحق أهلها فيها، قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: 114]. والخراب أوسع من أن يكون إسقاطًا للجدران أو هدمًا للقباب؛ فقد يبقى البناء قائمًا بينما تُقضم وظيفته، ويُضيَّق على أهله، وتُزاحم شعائره بشعائر يراد فرضها عليه، ويُعاد تعريف هويته بالتدرج؛ ولهذا فإن حفظ الأقصى مقصدٌ يتصل بحفظ الدين وشعائره، وبحفظ هوية الأمة وذاكرتها وحقوقها، ولا يتحقق بمجرد صيانة الأبنية، بل بصيانة المعنى الذي من أجله كان هذا المكان مسجدًا.

ولعل أخطر ما تراهن عليه سياسة التدرج ليس نجاح الطقس الجديد في ذاته، بل نجاحها في تطبيع وجوده داخل وعينا؛ فالحدث في المرة الأولى يصدم، وفي الثانية يغضب، وفي الثالثة يثير القلق، ثم تتوالى الأخبار حتى يصبح ما كان يُعد انقلابًا على الوضع القائم بندًا معتادًا في نشرة الأخبا،. وهنا يتحقق للاحتلال انتصار لا يقل خطرًا عن انتصاره الميداني: أن تفقد الأمة حساسيتها تجاه التغيير؛ فالتطبيع يبدأ في الوعي قبل أن يستقر في المكان، وما تألفه النفوس يسهل على السياسة تثبيته؛ ولذلك لا ينبغي قياس الخطر بعدد الثواني التي يستغرقها نفخ البوق، ولا بعدد الأشخاص الذين أدوا طقسًا ما، وإنما بالمسافة التي تحرك بها الواقع خطوة أخرى في الاتجاه نفسه.

ومن هنا كذلك لا يصح أن نفصل بين الصلاة الجماعية، ونفخ البوق، وإدخال كتب الطقوس، ومحاولات تمديد أوقات الاقتحام، والمطالبة بفتح أيام جديدة، وتكثيف المظاهر الدينية عند المنطقة الشرقية وباب الرحمة؛ فحتى مع ضرورة التحقق من تفاصيل كل واقعة على حدة، تكشف هذه المطالب مجتمعة عن اتجاه واضح نحو تكوين حضور ديني يهودي متنامٍ داخل الأقصى وحوله، والخطر في مثل هذه المشروعات لا يكمن في كل حلقة منفردة، وإنما في انتظام الحلقات داخل مسار واحد؛ فالنقطة لا تصنع خطًا، ولكن تتابع النقاط في اتجاه واحد يصنعه، ومن الخطأ أن نناقش كل نقطة وكأنها ولدت في يومها ولا صلة لها بما قبلها وما بعدها.

أين التراكم المقابل في حماية الأقصى؟

وهنا يبرز سؤال لا يجوز أن نهرب منه: إذا كان مشروع تغيير الأقصى يعمل بالتراكم والنَّفَس الطويل، فأين التراكم المقابل في عمل الأمة؟ أين المؤسسة التي لا تكتفي بإحصاء المقتحمين، بل ترصد التحولات النوعية في طبيعة الاقتحام وتقارن كل جديد بما سبقه؟ أين المرصد القانوني الذي يحول كل سابقة إلى ملف موثق، ويمنع تراكم السوابق من أن يتحول إلى واقع قانوني وسياسي؟ أين الشبكة الإعلامية الإسلامية التي تجعل من المستحيل أن يمر يوم في الأقصى لا نعرف ما وقع فيه إلا بعد أن ينشر المقتحمون صور ما فعلوه؟ وأين المشروع الدائم لدعم أوقاف القدس وأهلها وحراس المسجد ومؤسساته، بحيث تصبح حماية هويته سياسة أمة، لا موجة غضب ترتفع مع الحدث ثم تخبو بعده؟

وتزداد مرارة هذه الأسئلة لأننا نواجه اليوم مفارقة لا تليق بأمة الأقصى: بعض التفاصيل التي نتحدث عنها لا نستطيع تأكيدها إلا إذا نشرها الذين يقولون إنهم قاموا بها! لقد أصبح حصار الشاهد الفلسطيني جزءًا من خطورة المشهد؛ فليس المطلوب فقط تغيير الواقع، بل أن يجري تغييره بعيدًا عن عين تستطيع توثيقه من داخله.

وعندما تصبح صورة الاعتداء وروايته وتوقيته بيد الطرف الذي يمارسه، فإننا لا نخسر مجرد سبق إعلامي، وإنما نخسر جزءًا من القدرة على الشهادة والإثبات وصناعة الرواية وحفظ الذاكرة. ومن هنا فإن كسر الحصار الإعلامي عن الأقصى ليس شأنًا صحفيًا هامشيًا، بل جزء من حراسته؛ فالصورة وثيقة، والوثيقة حجة، والحجة تحفظ الحق من أن يبتلعه التدرج والصمت والنسيان.

حماية الأقصى تحتاج إلى استراتيجية دائمة

إن مواجهة هذا المسار تحتاج إلى استراتيجية حماية لا موسمًا للغضب؛ فالدول العربية والإسلامية مطالبة بأن تجعل أي تغيير في الوضع التاريخي والقانوني والديني للمسجد قضية سياسية ودبلوماسية دائمة، وأن تنتقل من بيانات الإدانة بعد وقوع الحوادث إلى أدوات الردع والضغط قبل تثبيت السوابق، والمؤسسات العلمية والشرعية مطالبة ببناء وعي فقهي ومقاصدي بحقيقة ما يجري، والإعلام مطالب بكسر الحصار عن الصورة والرواية، والمؤسسات الحقوقية مطالبة بتحويل الوقائع الموثقة إلى ملفات قانونية متراكمة، والشعوب مطالبة بإبقاء الأقصى حيًّا في التربية والثقافة والدعم والإعلام.

ولا يجوز، بعد كل ذلك، أن نترك المقدسيين وحدهم في مواجهة مشروع تتحرك من أجله جماعات منظمة ووزراء وأجهزة ومؤسسات دولة؛ فالأقصى ليس شأن أهل القدس وحدهم، ولا شأن الفلسطينيين وحدهم، ولا ملك حركة أو جماعة أو فصيل، بل هو أمانة الأمة كلها، ونصرته أرفع من خلافاتها السياسية والحزبية والإقليمية.

السؤال الأخطر.. أي أقصى بعد سنوات؟

وقد يكون البوق الذي نراه في الصورة صغيرًا، وقد لا يتجاوز صوتُه ثواني معدودة، لكن التاريخ لا يقيس الأشياء دائمًا بأحجامها؛ فقد تكون الأداة صغيرة والدلالة التي تحملها هائلة؛ ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط: هل نُفخ البوق في الأقصى يوم الأحد، وكم مرة نُفخ، ومن الذي نفخه؟ بل السؤال الأبعد والأخطر: أيُّ أقصى يراد أن نستيقظ عليه بعد سنوات إذا تركنا هذه الخطوات الصغيرة تتراكم بلا استراتيجية تقابلها؟ فالمعركة لم تعد فقط على مَن يدخل المسجد، بل على ما يفعله فيه، وما يُسمح له بتثبيته داخله، وما إذا كان الاستثناء اليوم سيصبح سابقة غدًا، ثم يتحول بعد غد إلى جزء من تعريف المكان.

إن الخطر الحقيقي، إذن، ليس في صوت بوق يرتفع ثم يخفت، وإنما في واقع يتغير بينما نحن نعتاد أصوات تغييره، والأقصى الذي بارك الله حوله، وربطه بمعجزة الإسراء، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم أحد المساجد الثلاثة التي تُشد إليها الرحال، لا يكفي أن نحرس حجارته ونغفل عن وظيفته، ولا أن نحفظ اسمه بينما تتعرض هويته للقضم المتدرج .. إن حفظ الأقصى اليوم يعني أن نحفظ حجارته وشعائره ووظيفته وهويته وذاكرته وشهوده معًا، وأن ندرك قبل فوات الأوان أن أخطر التحولات هي تلك التي تبدأ صغيرة حتى لا نراها، ثم تكبر لأننا لم نرها.

فالأقصى مسجدٌ بكامل ساحاته ومصلياته، وحماية هويته الإسلامية ليست حراسةً لتاريخ مضى فحسب، وإنما هي أمانة الحاضر وحق الأجيال القادمة؛ وما يُنتزع منه اليوم تحت ستار «خطوة صغيرة» قد يحتاج استرداده غدًا إلى أثمان لا يعلم مداها إلا الله، وهو المستعان!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة