فقه الخبرة وتكامل الأجيال..

ما الذي يصنع قيمة العمر؟ موقف أبي بردة بن أبي موسى

د. نصر حسن

03 أكتوبر 2026

89

صورة معاصرة لحوار بين شخص كبير السن وشاب أمام كتاب أو ملاحظات، دون تقديمها بوصفها تجسيدًا تاريخيًا لأبي بردة.

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن ابن عيينة، قال: «سأل عمر بن عبدالعزيز أبا بردة بن أبي موسى: كم أتى عليك؟ قال: أشُدَّانِ، يعني: أربعين وأربعين»(1).

يقدم هذا الموقف القصير صورة بليغة من صور التفاعل بين القيادة والعلم والخبرة في المجتمع الإسلامي الأول؛ فالسؤال عن العمر لم يكن مجرد استفسار عن عدد السنين، بل كشف عن نظرة جيل إلى قيمة الإنسان بما يحمله من علم وتجربة وبصيرة، ويقف أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، أحد رجال التابعين، أمام الخليفة عمر بن عبد العزيز في لحظة تختصر معنى التعامل مع الزمن؛ فلم يكن العمر في هذه الإجابة مجرد مقدار من السنين، وإنما خبرة تراكمت عبرها المعرفة والتجربة.

أثر المعايشة الطويلة في بناء العقل الفقهي

ينتمي أبو بردة بن أبي موسى الأشعري إلى بيت علم وفضل؛ فهو ابن الصحابي الجليل أبي موسى الأشعريعبد الله بن قيس رضي الله عنه، وقد ورث عن أبيه صلة بالعلم والقضاء والفقه، ويؤكد مكانته في هذا المجال وصف الذهبي له بقوله: «أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، عبد الله بن قيس، الإمام، الفقيه، الثبت.. قاضي الكوفة، وكان من أئمة الاجتهاد، كان ثقة، كثير الحديث، تابعي»(2)، ولم تكن صلته بأبيه مجرد انتساب إلى بيت العلم، بل كانت صلة تلقٍّ ومعايشة؛ فقد قال أبو بردة بن أبي موسى الأشعري: «كتبت عن أبي كتبًا كثيرة، فمحاها وقال: خذ عنا كما أخذنا»(3)، وهكذا اجتمع في تكوينه أثر العلم الذي تلقاه في بيته، والخبرة التي اكتسبها بالمجالسة والمعايشة، فكان نموذجًا للعالم الذي لم تتكون مكانته من كثرة الكلام، وإنما من طول الاحتكاك بأحداث الأمة.

ومن هنا تتضح قيمة الصحبة والمعايشة في تكوين الخبرة؛ فالأمم لا تبنى بالحماس وحده، كما لا تستقيم بالحفظ المجرد، وإنما تحتاج إلى اجتماع الحيوية مع الحكمة، وهذه الخبرة لا تتكون من طول الزمن وحده، وإنما تنمو كذلك بطول الصحبة والمعايشة والتلقي عن أهل العلم، ويظهر ذلك في نشأة القاسم بن محمد؛ فقد كان ملازمًا لعائشة رضي الله عنها، يقول: «كانت ‌عائشة ‌قد ‌استقَلّت ‌بالفتوَى ‌في ‌خلافة ‌أبى ‌بكر ‌وعمر وعثمان وهَلُمّ جَرًّا إلى أن ماتت يرحمها الله، وكنتُ ملازمًا لها مع بِرّها بي»(4)، وقد أتاحت له هذه الملازمة أن يتلقى العلم عن عائشة ويعايش تجربتها في الفتوى، فكان لذلك أثر في تكوينه العلمي، حتى صار من أئمة العلم والفقه بالمدينة.

وفي واقع المؤسسات اليوم يظهر هذا المعنى بوضوح؛ فخبرة الإنسان المتراكمة ليست عبئًا ينبغي التخلص منه، بل معرفة مؤسسية تحفظ للأجيال اللاحقة دروس النجاح والإخفاق.

حين يتحول حساب العمر من الأرقام للمعاني

تكمن دقة الإجابة في اختيار اللفظ؛ فلم يقل أبو بردة بن أبي موسى الأشعري: بلغت ثمانين سنة، وهو جواب صحيح من جهة العدد، وإنما قال: «أشُدَّانِ»، وفسرها الراوي بقوله: «يعني: أربعين وأربعين»، فاختار أن يعبّر عن عمره بمرحلتين، لا برقم واحد يستوعبهما.

وهذا اللفظ يحيل إلى قوله تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) (الأحقاف: 15)، فالأربعون في هذا السياق القرآني مرتبطة ببلوغ مرحلة من النضج واكتمال الرشد، وما يصاحبها من وعيبالمسؤولية، ويزيد هذا المعنى وضوحًا تفسير ابن كثير لقوله تعالى: «وبلغ أربعين سنة»، بأنها السن التي «تناهى (فيها) عقله وكمل فهمه وحلمه»(5)، فيتضح أن الإشارة إلى الأربعين تتجاوز مجرد تحديد العمر إلى استحضار ما تمثله هذه المرحلة من نضج واكتمال.

وإذا كان هذا المعنى قد ظهر في الآية وتفسيرها من جهة النضج واكتمال العقل، فإن السيرة النبوية تقدم شاهدًا بارزًا على مكانة هذه المرحلة في مسار النبوة؛ فقد نزلت عليه صلى الله عليه وسلم النبوة وهو ابن أربعين سنة(6)، وليس المقصود بذلك جعل الأربعين حدًّا لازمًا لكل تجربة، وإنما إبراز أن هذه السن ارتبطت في السيرة بانتقال عظيم في المسؤولية والرسالة، ومن هنا تتضح دلالة اختيار أبي بردة؛ فقد أعاد صياغة عمره بلغة المعنى لا بلغة الحساب، فعبّر عن الثمانين بمرحلتين من النضج والتجربة، لا بمجرد رقم يدل على مقدار السنين.

ومن هنا يظهر أن قيمة العمر لا تقاس بمجرد امتداده، وإنما بما يتركه في العقل والقلب والعمل.

أثر تقدم العمر في بناء الوازع الداخلي

في النفس الإنسانية ميل إلى ربط الكبر بالضعف، وقد يكون ذلك صحيحًا من جهة الجسد، لكن التجربة الإنسانية أوسع من الجسد وحده، فهناك نوع من القوة لا يأتي إلا بعد مرور السنين: قوة الفهم، وحسن التقدير، والقدرة على رؤية العواقب.

لم يكن أبو بردة بن أبي موسى الأشعري ينكر أثر العمر، بل كان يعيد تعريفه، فالسنوات التي مرت لم تكن مجرد أيام مضت، وإنما كانت مدرسة طويلة في العلم والقضاء ومخالطة الناس.

ولعل دريد بن الصمة يقدم صورة واضحة لهذا التحول؛ فقد كان شيخًا كبيرًا قد عمي، ومع ذلك بقيت فيه قوة الرأي والمعرفة والتجربة، فقيل عنه: «دُرَيْدُ بْنُ الصّمّةِ، شَيْخٌ كَبِيرٌ ‌لَيْسَ ‌فِيهِ ‌شَيْءٌ ‌إلّا ‌التّيَمّنُ بِهِ وَمَعْرِفَتُهُ بِالْحَرْبِ، وَكَانَ شَيْخًا مُجَرّبًا»(7)، فلم تُلغِ السنون قيمته، وإنما نقلت قوته من قوة الجسد إلى قوة الخبرة؛ ولذلك كان رأيه قائمًا على معرفة ما تؤول إليه الأمور، لا على مجرد القدرة على مباشرتها.

غير أن أثر السنين لا يقف عند الخبرة وحسن التقدير في شؤون الحياة، بل يمتد إلى أعماق النفس، فيصنع بصيرةً ووازعًا داخليًا يزداد رسوخًا مع التجربة؛ ويظهر ذلك في قول سعيد بن المسيب وهو ابن أربع وثمانين سنة، وقد ذهبت إحدى عينيه وكان يعشو بالأخرى: «ما من شيء أخوف عندي من النساء»(8)، فمع ضعف الجسد بقي وازعه الداخلي حاضرًا، وظل خوفه من الفتنة شاهدًا على أن بعض القوى في الإنسان لا يطفئها تقدم العمر، بل قد يزيدها وعيًا وتجربة.

وهذا المعنى يحتاجه الإنسان المعاصر؛ فكثير من الناس يربطون قيمتهم بمرحلة عمرية معينة أو منصب معين، فإذا انتهت تلك المرحلة شعروا بانتهاء دورهم، لكن مرور الزمن لا يعني بالضرورة تراجع قيمة الإنسان؛ فقد يكون هو نفسه الطريق الذي تتكوّن فيه قوته الداخلية، حين تتحول السنين إلى فهم، والتجربة إلى بصيرة، والعمر إلى قدرة أعمق على التقدير والعطاء.

كيف يوظف القائد الناجح عقول أهل الخبرة؟

يكشف سؤال عمر بن عبد العزيز عن نموذج قيادي مهم؛ فالقائد الناجح لا يحيط نفسه بمن يشبهونه فقط، بل يستمع إلى أصحاب التجارب المختلفة، ويبحث عن العقول التي تضيف إلى رؤيته ما لا يملكه وحده، ويتصل بهذا المعنى أصل قرآني في الرجوع إلى أهل العلم عند عدم العلم، قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل: 43)؛ فطلب المعرفة من أهلها ليس ترفًا، وإنما وسيلة إلى الرشد حين تتجاوز المسألة قدرة الفرد على الإحاطة بها.

ومن هذا المعنى يتضح تقدير عمر بن الخطاب لقيمة الرجال الأكفاء، حين قال: «لكني أتمنى أن يكون ملء هذا البيت رجالًا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، فأستعملهم في طاعة الله»(9)، فالمسألة هنا لا تتعلق بكثرة الرجال، وإنما بنوعية العقول التي يمكن أن تحمل المسؤولية وتضيف إلى القرار خبرتها وأمانتها.

وتتحول قيمة الخبرة من مجرد البحث عنها إلى الانتفاع بها حين يُقبل رأي المتخصص، كما وقع في بدر عندما أشار الحباب بن المنذر رضي الله عنه برأي يتعلق بموقع النزول، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد أشرت بالرأي»(10)، فالقائد لا يطلب المشورة لمجرد سماعها، وإنما يتيح لأهل الخبرة أن يقدموا ما لديهم، ثم ينظر في الرأي الذي يحقق المصلحة.

وهكذا كان القرار الرشيد في التجربة الإسلامية ثمرة تفاعل بين القيادة والعقول من حولها؛ فلم يكن عمر بن عبد العزيز يبحث عن رجال يوافقونه فحسب، وإنما عن أصحاب معرفة وتجربة يمكن أن تحمل معه أعباء المرحلة، ومن حيث المبدأ، يلتقي هذا المعنى مع ما تعرفه الإدارة الحديثة من الاستفادة من خبرات الأفراد وحفظها وتوظيفها، وهو ما يعبَّر عنه أحيانًا بإدارة المعرفة؛ أي حفظ خبرات الأفراد وتحويلها إلى مورد تستفيد منه المؤسسة، وقد سبقت التجربة الإسلامية كثيرًا من هذه المعاني حين جعلت مجالس العلماء وأهل الخبرة جزءًا من صناعة القرار.

كيف تصنع العبارة الموجزة أثرًا يتجاوز كلماتها؟

تتميز إجابة أبي بردة بن أبي موسى الأشعري بالإيجاز البليغ؛ فكلمة واحدة « أشُدَّانِ» حملت تاريخًا طويلًا من المعاني، وهذا من خصائص البيان العربي: أن تكون العبارة قليلة المبنى واسعة الدلالة.

فهو لم يقدم خطابًا عن فضائل العمر، ولم يدافع عن نفسه أمام سؤال بسيط، بل اختار لفظًا يكشف عن رؤية كاملة للحياة، فالبلاغة ليست في كثرة الكلمات، وإنما في قدرة الكلمة على فتح أبواب المعاني، وهذا الاتساع في دلالة اللفظ الموجز له نظير في جواب أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سُئل عن النبي صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة، فقال: « هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ»، فجاء لفظ «السبيل» جامعًا بين ما يفهمه السامع من ظاهر العبارة وما قصده المتكلم من معنى أوسع؛ «‌فَيَحْسِبُ ‌الْحَاسِبُ ‌أَنَّهُ ‌إِنَّمَا ‌يَعْنِي ‌الطَّرِيقَ، ‌وَإِنَّمَا ‌يَعْنِي ‌سَبِيلَ ‌الْخَيْرِ»(11)، فكلا الموقفين يكشفان كيف يمكن لعبارة موجزة أن تتجاوز ظاهر اللفظ إلى معنى أوسع وأعمق.

وهذا درس في التواصل أيضًا؛ فالرسائل المؤثرة ليست دائمًا الأطول، بل قد تكون أعمقها تلك التي تختصر فكرة كبيرة في عبارة واضحة، وتترك وراءها مجالًا للتأمل يتجاوز عدد كلماتها.

كيف ينظر الإسلام إلى عطاء كبار السن؟

لم يجعل الإسلام طول العمر فضيلة مستقلة عن العمل، وإنما ربط القيمة بما يصاحب العمر من صلاح، فقد سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ»(12)، فالعمر الطويل في هذا التصور ليس غاية في ذاته، وإنما تزداد قيمته بما يثمره من خير وعمل صالح.

وتتجسد هذه القاعدة في مواقف عملية لم يكن فيها كبر السن سببًا للانسحاب من ميادين العطاء؛ فقد كان الشيخان الكبيران من الأنصار، حُسيل بن جابر وثابت بن وقش، يوم أُحد، وقد قيل عنهما: «وهما شيخان كبيران»، فقالا: «فوالله ما بقي لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار.. أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله»(13)، فأخذا أسيافهما وخرجا، فقُتل ثابت بن وقش، وهكذا لم يتحول الشيب في حالهما إلى حدٍّ يوقف العطاء، بل ظل العمر مجالًا لما يمكن أن يبذله الإنسان حتى آخر مراحله، فكان الشيب عندهما وصفًا للعمر، لا سببًا لتعطيل القدرة على العمل والعطاء.

ومن هذا المعنى تتسع دلالة القصة من موقف فردي إلى نظرة أوسع إلى كبار السن؛ فالتقدم في السن لا يعني بالضرورة الخروج من دائرة التأثير، بل يمكن أن يفتح مجالًا للاستفادة من الخبرة المتراكمة في التوجيه والإرشاد، ولذلك لا ينبغي أن يتحول العمر إلى حكم مسبق على دور الإنسان، ما دامت لديه قدرة على الإفادة وصلة بالعلم والعمل.

كيف يستفيد المجتمع من تكامل طاقات أجياله؟

تحتاج المجتمعات إلى معادلة متوازنة؛ فالشباب يحملون الطاقة والرغبة في التجديد، وأصحاب الخبرة يحملون القدرة على قراءة النتائج واستحضار الدروس، وهذه المعادلة في جوهرها هي ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «خَيْرُ ‌شَبَابِكُمْ ‌مَنْ ‌تَشَبَّهَ ‌بِكُهُولِكُمْ، ‌وَشَرُّ ‌كُهُولِكُمْ ‌مَنْ ‌تَشَبَّهَ ‌بِشَبَابِكُمْ»(14)، فالمقصود ليس الفصل بين الأجيال، وإنما أن يستفيد الشباب من خصال النضج والحكمة التي راكمها الكبار.

ولا تبقى هذه الفكرة في إطار التوجيه، بل تظهر في طريقة بناء القرار والاستفادة من اختلاف الخبرات؛ فقد استشار النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما في حادثة الإفك، وبيّن الشارح سبب تخصيص أسامة بقوله: «وخصه دون أبيه وأمه لكونه كان شابا كعلي، وذلك أن للشاب من صفاء الذهن ما ليس لغيره، ولأنه أكثر جرأة على الجواب بما يظهر له من المسن لأن المسن غالبًا يحسن العاقبة فربما أخفى ما يظهر له رعاية للقائل تارة والمسؤول عنه أخرى»(15)، وهكذا اجتمعت في المشورة خصائص الشباب مع ما يميز التقدم في السن من النظر في العواقب، بما يوسع دائرة النظر ولا يحصرها في تجربة عمرية واحدة.

وإذا كان المجتمع ينتفع بخبرات الأجيال المختلفة في حاضر قراره، فإنه يحتاج كذلك إلى أن يحول تعلم الشباب اليوم إلى خبرة يعتمد عليها غدًا؛ ولذلك قال عروة بن الزبير لبنيه: «يا بني تعلموا، فإنكم إن تكونوا صغراء قوم عسى أن تكونوا كبراءهم، واسوأتاه، ماذا أقبح من شيخ جاهل؟!»(16)، فالشاب الذي يتعلم اليوم هو صاحب الخبرة الذي يمكن أن يرجع إليه المجتمع غدًا.

ويتجلى هذا المعنى في مجالات الحياة المختلفة؛ ففي الأسرة يظهر هذا المعنى في احترام خبرة الوالدين، وفي التعليم يظهر في الجمع بين حيوية المتعلم وتجربة المعلم، وفي المؤسسات يظهر في عدم إهدار المعرفة المتراكمة عند انتقال الأشخاص أو تغير الأجيال، وهكذا يصبح العمر رحلة تكامل، لا سلسلة من الخسارات؛ إذ تتغير أدوار الإنسان مع تغير مراحله، من طاقة تُنجز، إلى خبرة تُوجّه، ثم إلى حكمة تترك أثرًا يتجاوز صاحبها.

كيف يتحول العمر إلى رصيد معرفي وعملي؟

تكشف كلمة أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن رؤية عميقة للإنسان؛ فالأيام ليست مجرد ما يأخذه الزمن منا، بل ما يمنحنا إياه من فهم وتجربة ونضج، والإنسان الحكيم لا يسأل فقط: كم بقي من العمر؟ بل يسأل: ماذا صنعت السنوات التي مضت؟

فمن عاش عمره في التعلم والإصلاح وخدمة الناس لا يحمل ثمانين سنة فقط، بل يحمل ثمانين سنة من الدروس والمواقف والخبرات التي يمكن أن تنير طريق غيره، وقد تجسد هذا المعنى في حياة عبد الله بن إدريس، حين طمأن ابنته عند موته قائلًا: «لا تبكي يا بنية، فقد ختمت القرآن في هذا البيت أربعة آلاف ختمة»(17)، فالعمر هنا يتحول إلى رصيد يتراكم مع الأيام، وتظهر قيمته فيما يتركه الإنسان في نفسه من عبادة وعمل.

غير أن قيمة هذا الرصيد لا تتوقف على طول المدة التي استغرقها تكوينه؛ فقد يتحول العمر القصير كذلك إلى حصيلة واسعة من العلم والعمل، وهذا ما يتجلى في سيرة الإمام النووي، الذي قيل في ترجمته: «فكان ذلك الإنتاج العظيم في عمره القصير الذي لم يتجاوز 45 عامًا، ولكنه كان مليئًا بالخير والبركة»(18)، فالمعيار إذن ليس عدد السنوات وحده، وإنما ما استطاع الإنسان أن يبنيه فيها من رصيد نافع.

وإذا تحول العمر إلى علم وعمل، فإن تمام قيمته يظهر حين لا يبقى هذا الرصيد حبيس صاحبه، بل ينتقل نفعه إلى من بعده؛ فقد قال عروة بن الزبير، حين اجتمع قوم في الحِجر يتمنون، «أنا أتمنى أن يؤخذ عني العلم»(19)، وهنا يتحول ما جمعه الإنسان خلال عمره من معرفة وتجربة إلى أثر ممتد، يستمر نفعه بعد انتهاء حياته.

ولهذا بقيت كلمة أبي بردة بن أبي موسى الأشعري حية بعد قرون؛ لأنها لم تكن جوابًا عن رقم، بل إعلانًا عن فلسفة حياة: أن الإنسان قد يكبر سنًا، لكنه يزداد قيمة إذا أحسن استثمار ما منحه الله من وقت وتجربة، وحوّل سنواته إلى عملٍ ينفعه وأثرٍ يبقى بعده.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 346). شرح الأثر: في هذا الحوار الموجز، يستفسر عمر بن عبد العزيز عن عمر أبي بردة، فيجيبه بعبارة موجزة: أشُدَّان؛ أي مرحلتان من اكتمال القوة والنضج، وقد بلغ مجموعهما ثمانين عامًا. وفي قوله: «يعني: أربعين وأربعين» بيانٌ لمعنى الأشُدَّين، فيكون قد أمضى أربعين عامًا ثم أتبعها بأربعين أخرى. وتوحي العبارة بإيجازها بعمرٍ امتد طويلًا حتى اكتملت فيه التجربة ونضجت معه السنون.
  • 2 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 343 - 344).
  • 3 تاريخ دمشق لابن عساكر (26/ 55).
  • 4 الطبقات الكبرى: ابن سعد (2/ 286).
  • 5 تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (7/ 258).
  • 6 متفق عليه، أخرجه البخاري (5900)، ومسلم (2347).
  • 7 المغازي: الواقدي (3/ 886).
  • 8 شعب الإيمان: البيهقي (4/ 374).
  • 9 التاريخ الأوسط: البخاري (1/ 54).
  • 10 الروض الأنف في شرح السيرة النبوية: السهيلي (5/ 98).
  • 11 أخرجه البخاري (3911).
  • 12 أخرجه الترمذي في سننه (2330)، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ».
  • 13 حياة الصحابة: الكاندهلوي (2/ 130).
  • 14 أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (10/ 270)، وقال: رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ مَنْ لَمْ أَعْرِفْهُمْ.
  • 15 فتح الباري بشرح صحيح البخاري: ابن حجر العسقلاني (8/ 469).
  • 16 حسن التنبه لما ورد في التشبه: نجم الدين الغزي (10/ 210).
  • 17 تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: الذهبي (13/ 131).
  • 18 شذرات الذهب في أخبار من ذهب: ابن العماد الحنبلي (1/ 56).
  • 19 صفة الصفوة: ابن الجوزي (1/ 349).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة