; يقظة الروح والعقل | مجلة المجتمع

العنوان يقظة الروح والعقل

الكاتب سمية رمضان

تاريخ النشر السبت 22-يوليو-2006

مشاهدات 127

نشر في العدد 1711

نشر في الصفحة 52

السبت 22-يوليو-2006


لو كان لدينا حاسوب، وأردنا أن ندخل على العالم بأسره عن طريق النت شبكة الاتصالات وأعطينا أوامرنا للحاسوب فلم يستجب، تأكدت أن كل شيء مضبوط وأعطيناه الأمر ثانية فلم يستجب حاولنا مرة ثالثة ولا جدوى عندها ستقرر أن الحاسوب حدث به عطب ما وسنتصل بالمختص حتى يقوم بإصلاحه بالرغم من أن الحاسوب بكل أجزائه أمامنا ولكن مجرد عدم الاستجابة لأوامرنا يعني أنه لا فائدة منه إلا بإصلاحه.

والإنسان خلقه الرحمن وأعطاه كل ما يحتاجه من قلب وبصر وسمع وعقل ليحقق مراد الله من خلقه ومع ذلك، فإن كثيراً من الناس يصيرون مثل هذا الحاسوب، حواسهم كاملة ظاهراً، لكن كثيراً منها لا يعمل. ولهذا فإن هؤلاء ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾[ السجدة: 12]

 امر عجيب كيف يقولون فقط عندها الآن أبصرنا وسمعنا؟ الم يسبهم الله في حياتهم السمع والبصرة بلى كانوا يتمتعون بهما لكنهم أدركوا في هذه اللحظة أن السمع والبصر كانا وسيلة لحدوث اليقظة وليستا غاية، أدركوا أن السمع والبصر لم يبلغاهم الهدف الذي من أجله خلقهم الله، فعند يقطنهم في الآخرة يتيقنون أن الحاستين كانتا معطلتين لديهم ويطلعنا سبحانه أن الأمر في الآخرة يتغير حيث إن العبد قد بعشر أعمى البصر، بالرغم من أن بصيرته قد أبصرت: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [سورة طه: 125].

ولنبدأ القصة من البداية

أجنة في بطون أمهاتنا كما يريد الله تكون ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَبكم﴾ [سورة الانفطار: 8]

وكانت استجابة مطلقة من كل خلايا الجسم لأوامر الخالق سبحانه، فتم تصويرنا في أحسن تقويم، وخرجنا إلى الدنيا واستوى العود وبدأ التمحيص والاختبار، ولترى بنور القرآن بعض اللحظات التي مر بها من أكرمهم سبحانه بلحظة إشراق للروح والعقل. فها هو إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء، وقد تلمست نفسه وجه الحق فهتف قائلاً: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79]

 فكان الأمر وقال﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ [البقرة: 131]

 فكانت الاستجابة ويقظة العقل قَالَ ﴿ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 131).

وبيقظة إبراهيم عليه السلام. الروحية في إفراد الله بالعبادة كانت يقظته العقلية في الخضوع التام لله ومساعدة الآخرين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتربية كوادر جديدة للدعوة كلوط - عليه السلام - وإسماعيل وإسحاق عليهما السلام.

 وسترى أمة من إماء الله تعيش في القرن العشرين كيف كانت يقظتها الروحية وكيف كان رد فعلها التلقائي الإيجابي العقلي لهذه اليقظة، فقد كانت هبة الراقصة الأولى في البالية في بلدها، وقد أرادت بلدها أن تمثلها في مسابقة على مستوى أكبر، وبالطبع كان هناك اهتمام كبير بهذا الحدث العظيم من وجهة نظرهم وبالفعل فازت هبة، وكانت الأولى أيضاً، ووقفت على منصة الفوز لتحية الجماهير مزهوة بهذا الانتصار، وقد رفع علم بلدها. وبدأ السلام الجمهوري تعزف موسيقاه، وتنثر عليها الزهور من كل مكان، فأرادت تحية الجمهور فرفعت يديها، ونظرت للأعلى فحدقت عيناها في السماء، وفي هذه اللحظة لم تشعر إلا بوجود الله، وقالت في نفسها، إني قد أفرحت كل هؤلاء ولم أفرح الله، وأقسمت بالله العظيم أن تفرح ربها، وبالفعل نزلت من على المنصة، وطلبت ملابس تسترها، وعندما أرخى الليل ستره كانت خلوتها بالرحمن الرحيم نادت عليه بأسمائه الحسني وهتفت ها أنا قد رجعت إليك مستغفره تائبة وسألته بضراعة أن يتقبلها .

 وفي الصباح كانت مفاجأة للجميع، وهي تخرج عليهم بحجاب جميل قد أضاف توجهها إطاراً رائعاً زاده حسناً وجمالاً، فكان إعلاناً ليقظتها الروحية، فلا طاعة إلا لله ولا عزة إلا بالاستجابة لأوامره إنها لحظة من النور لا تخطئ الرمية، ومعها يستيقظ العقل فيشعر المهتدي نعمة الخروج من الظلمات إلى النور من الضياع إلى معرفة معالم الطريق وبدأت الخطوات العملية يقظة العقل بدون الدخول في فلسفات ولكن تلقائية الإيمان.

أليس من يقظة العقل أن نأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد كانت هدايتها سبباً في هداية أربع من زميلاتها ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (آل عمران:110)

أليس من يقظة العقل أن تجعل الإله هو الواحد الأحد وليس هوى النفس؟ ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43]

 فكانت تبحث عن أوامر الله ورسول الله r في كل صغيرة وكبيرة حتى تنفذها.

أليس من يقظة العقل التفكر في مخلوقات الله والتوقف عند آياته؟

فقد كانت دوماً تردد وكأني في عالم غير عالمي وأصبحت دنياي غير دنياي ربي أین کان ذلك الخير وتلك السعادة الحمد لله أن أزال غشاوة عيني قبل فوات الأوان.

 أليس من يقظة العقل احترام وتقدير رسول r ؟ وكذلك المهتدي يصبح الرسول أحب إليه من نفسه.

 أليس من يقظة العقل الحفاظ على الجماعة والصف وعدم التفرق؟

وكذلك المهتدون نجدهم متآلفين ومتحابين غير متفرقين. وتتعجب كثيراً على لحظة هداية سحرة فرعون، فقد أبصروا بفضل الله في وقت مناسب تماماً وهم أحياء يرزقون، وبالرغم أن طاعتهم العمياء لفرعون التي جعلتهم من المفسدين في الأرض فإن نور الهدى قد أزيل من القلوب فتحملوا التعذيب والإهانة في سبيل الله، فأضحوا عصاة وباتوا – برحمة له شهداء بنور قذف في قلوبهم فأحياها بعد موات.

 ولنكمل المسيرة مع رنا هذه الفتاة العنيدة المستبدة برأيها فقد كانت في أسرة عادية تحتفظ بكثير من العادات، وعندما خرجت فتاتنا من الجامعة، قررت أن تعمل في قناة فضائية معلوم عنها الابتذال اعترض الوالدان ولكنها أصرت وضربت رأيهما عرض الحائط، وكان من أقوالها أنها لن تتأثر بالعاملين على الإطلاق، فإن لها خصوصيتها ولكنها بكثرة المحاكاة أخذت تتنازل رويداً رويداً عن كثير من قناعاتها وحتى الصلاة تفلتت منها فرضاً تلو الفرض حتى أصبحت في قالبهم وصبغت بصبغتهم، وعاشت دنياها تخطب لرجل وتتركه لتخطب لرجل أخر، وكانت في خلاف مستمر مع الوالدين، وخاصة الأم التي كانت لا تستطيع إخفاء حسرتها على فلذة كبدها. وفي هذا المعترك وهذا الصراع.

وفجأة غيب الموت الأم من الحياة، وكان الزلزال الذي جعل الأرض تميد من تحت قدمي الفتاة، ولم يكن لها ملاذ إلا الله. وبدأت تتخبط في الأفكار ويحدث لديها اضطراب شديد في المعتقدات، فاختارت رجلاً تصورت أنه المنقذ لها، وبعد فترة من الخطبة كان يأخذها رجلها إلى شيوخ ويتعامل معهم كأنهم آلهة، بل يتصور أن لهم کرامات فاقت ما كان يفعله الرسل والأنبياء ولأن الإيمان فطري، فقد ارتابت وبدأت في السؤال عما يحدث حولها، وعلمت أن الرجل وقد خربت عقيدته، وقد أساء إلى نفسه من حيث يريد الإحسان، ولم يعد لها طريق إلا طريق واحد مضمون، وهو الذي سار في دربه النبي محمد r، وكانت أمها على الأثر تسير وبدأت في الدراسة الشرعية والعلم الشرعي من أصوله النقية، وبدأ النضج الفكري يسري في كيانها، وأمسكت بحبل الله المتين، فشعرت بثبات الأرض تحت قدميها، وأصبح الهدف واضحاً جلياً، وخطواتها محسوبة كل خطوة تقربها من هدفها بسكينة واطمئنان فغيرت عملها وأحسنت اختيار زوجها، وكأنها قد خرجت من دوامة الموت إلى رحابة الحياة، وسبحان الله فمهما كان الطريق الذي ستختاره فتلقى فيه الله ولحظة اليقظة هي لحظة إبصار القلب ورؤية الأمور على أوضاعها الطبيعية، وأن فيها استشعاراً لقول الله تعالى ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾[ الانشقاق: 6]

وعندما يكرمنا سبحانه بهذه اللحظات المباركة، يمتلئ القلب بحب جارف إلى الله واستشعار صادق بقدرته جل وعلا، والسعادة في طاعة كل أمر من أوامره وعندها تتغير نظرتنا للأمور وتشعر أن الله أكبر من كل شيء.

فيتحول الذل إلى عزة، وهزيمة النفس إلى نصر والتراجع بعضاً من مواقف ردود الأفعال مع نور البصيرة وتاج الهدى واليقظة.

 أما مؤمن آل فرعون فقد كانت يقظة الروح موجودة وهو إيمانه بالله وعندما أرادوا قتل موسى عليه السلام كانت إيجابيته في الدفاع عنه ولو كلفه ذلك عمره استجابة ليقظة عقله.

 وإسماعيل عليه السلام، كان إيمانه عميقاً ترجمه في رد فعل إيجابي فيه طاعة مطلقة واستسلام لله عندما أخبره أبوه أن الله قد أمره بذبحه فلم يتردد لحظة وقال بثقة ويقين ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]

 وهو مستسلم فعلاً للسكين بل كان اختباره فيه النجاح الباهر فكانت نجاته في الدنيا والآخرة.

 والرسول ونبي الله موسى كان البلاء عظيماً لكليهما، فلجأ إلى الله تعالى واستشعرا معيته سبحانه، فقال رسول الله r ﴿إن الله معنا (التوبة : ٤٠) وقال موسى عليه السلام ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء: 62) فكان الفرج والنصر. يوسف عليه السلام: تهيأت له كل أسباب المعصية ولكن يقظة قلبه كان فيها الحماية الكافية من ضعف النفس وكان رد فعله قولاً ﴿معاذ الله (يوسف:23).

ونجد أيضاً في عهد عمر بن الخطاب - t- بائعة اللبن المسكينة الفقيرة تنهى أمها عن غش اللبن وتحذرها بقولها: إن رب عمر يرانا .

إن يقظة العقل والروح تجعل الإنسان يتخذ قرارات صائبة في أوقات شديدة. تكون فيها النجاة وهذا فضل من الله ورحمة، فإن صاحب الجنتين هلك وهلك وماله برد فعل يفتقر إلى يقظة الروح والعقل وكذلك أصحاب الجنة عندما أقسموا ليصرمنها مصبحين ولم يكتفوا بالقول: بل شرعوا في الفعل: ﴿فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 25]

فكان ضياع كل شيء، وكذلك فرعون وقارون وغيرهم ممن غابوا تحت الثرى وكانوا لنا عبرة وعظة.

 وها هو الزمن قد دار دورته السير على سطح الأرض، وتمر على ابتلاءات الحياة فلو كانت ترجمتنا لإشراقة النفوس صحيحة. فيها طاعة لله واستجابة لأوامره كانت سعادة الدارين والنجاة والفوز لا سيما ونحن نعيش في زمن اختلط فيه الحق بالباطل، والخطأ بالصواب فضاعت البلاد وهنا على أنفسنا فهنا على الأعداء، وآن الأوان لتخرج من كبوتنا.



(([1] أكاديمية متخصصة في القضايا التربوية.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1411

71

الثلاثاء 01-أغسطس-2000

ترانيم لأمتي