آداب الصحبة وفن التعامل مع الناس .. من حكايات أبي عثمان الحيري

يحيى الكاتب

28 سبتمبر 2026

22

صورة تعبيرية لأبي عثمان الحيري وابن الحسن الوراق.

يُحكى أن ابن الحسن الوراق كان قد سأل أبا عثمان الحيري (من أعلام التصوف) عن الصحبة، قال: "هي مع الله بالأدب، ومع الرسول عليه السلام بملازمة العلم واتباع السنة، ومع الأولياء بالاحترام والخدمة، ومع الإخوان بالبشر والانبساط وترك وجوه الإنكار عليهم، ما لم يكن خرق شريعة أو هتك حرمة، قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: 199]، والصحبة مع الجهال بالنظر إليهم بعين الرحمة، ورؤية نعمة الله عليك إذ لم يجعلك مثلهم، والدعاء لله أن يعافيك من بلاء الجهل". (آداب العشرة وذكر الصحبة والأخوة).

بيان وفوائد

ليست الصحبة والصداقة مجرد لقاء يجمع الإنسان بغيره، بل هي فنٌّ يحتاج إلى أدب وحكمة، ومعرفة بحقوق الآخرين ومراعاة اختلاف طبائعهم. وهذا ما توضحه الحكاية التي جمعت ابن الحسن الوراق بأبي عثمان الحيري، حين سأله عن الصحبة، فأجابه بكلمات موجزة ترسم منهجًا في التعامل مع الله تعالى ورسوله ﷺ والناس.

 يبدأ هذا المنهج بالأدب مع الله، فهو أساس العلاقة التي تنعكس آثارها على سلوك الإنسان وأخلاقه. ثم تأتي الصحبة مع الرسول ﷺ بملازمة العلم واتباع السنة، فالمحبة الصادقة لا تقتصر على الأقوال، وإنما تظهر في الاقتداء والهدي والعمل. أما صحبة الأولياء، فتقوم على الاحترام والخدمة، تقديرًا لما يتحلون به من علم وصلاح، واستفادةً من صحبتهم وتوجيههم.

وفي التعامل مع الإخوان، يدعونا أبو عثمان إلى البشاشة والانبساط، والابتعاد عن كثرة اللوم والإنكار؛ فالعلاقات الإنسانية لا تستقيم بالتشدد في كل صغيرة، وإنما تحتاج إلى سعة صدر وتغافل عن الهفوات التي لا تمس أصول الدين أو تنتهك الحرمات. وقد استشهد بقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: 199]، في إشارة إلى أهمية الرفق في المعاملة، مع بقاء الأمر بالمعروف والمحافظة على حدود الشرع.

وتبلغ الحكمة ذروتها حين يتحدث عن الصحبة مع الجهال، فيوصي بالنظر إليهم بعين الرحمة، لا بعين الاحتقار أو الاستعلاء. فالإنسان قد يُرزق علمًا أو فهمًا حُرم منه غيره، وهذه نعمة تستوجب الشكر والتواضع، لا التفاخر والتعالي. ومن هنا تأتي وصيته بالدعاء أن يعافينا الله من بلاء الجهل، ففي ذلك تذكير بأن العلم فضل من الله، وأن المرء مهما بلغ من المعرفة يظل محتاجًا إلى الهداية والتوفيق.

وتكشف هذه الحكاية عن حقيقة مهمة، وهي أن حسن الخلق لا يعني معاملة الجميع بالطريقة نفسها، بل أن يعرف الإنسان ما يليق بكل علاقة؛ فيلتزم الأدب مع الله، ويتبع هدي رسوله، ويحترم أهل الصلاح، ويلاطف إخوانه، ويرحم من قلّ علمه. فالحكمة ليست في كثرة الكلام عن الأخلاق، وإنما في تحويلها إلى سلوك يومي يظهر في طريقة حديثنا، واختلافنا، ونصحنا، وتعاملنا مع من حولنا.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة