العمرة في رمضان.. 6 فضائل وأحكام

د. رمضان أبو علي

16 فبراير 2026

342

أولاً: فضل العمرة في رمضان:

روى البخاري، ومسلم، عَنْ ‌عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ ‌ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يُخْبِرُنَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ فَنَسِيتُ اسْمَهَا: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّينَ مَعَنَا؟»، قَالَتْ: كَانَ لَنَا نَاضِحٌ فَرَكِبَهُ أَبُو فُلَانٍ، وَابْنُهُ لِزَوْجِهَا وَابْنِهَا، وَتَرَكَ نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ، قَالَ: «فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ اعْتَمِرِي فِيهِ، فَإِنَّ ‌عُمْرَةً ‌فِي ‌رَمَضَانَ ‌حَجَّةٌ».

وفي رواية، قَالَ ابن عباس: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّتِهِ، قَالَ لِأُمِّ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيَّةِ رضي الله عنها: «مَا مَنَعَكِ مِنَ الْحَجِّ؟»، قَالَتْ: أَبُو فُلَانٍ، تَعْنِي زَوْجَهَا، كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالْآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا، قَالَ: «فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي ‌حَجَّةً ‌مَعِي».

ففي الحديث تأكيد أمره صلى الله عليه وسلم بالعمرة، وأن العمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ففي سنن أبي داود بسند صححه الألباني أن أم معقل رضي الله عنها قالت: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ قَدْ كَبِرْتُ وَسَقِمْتُ، ‌فَهَلْ ‌مِنْ ‌عَمَلٍ ‌يُجْزِئُ عَنِّي مِنْ حَجَّتِي قَالَ: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تُجْزِئُ حَجَّةً».

ثانياً: حكم العمرة في رمضان:

أوضحت الموسوعة الفقهية الكويتية أن العمرة في شهر رمضان مندوبة ومستحبة(1)؛ وذلك لفضلها وثوابها، فهي تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأولى بالمسلمين أن يعنوا بالاعتمار في رمضان لما فيه من الفضل العظيم والثواب الجزيل(2).

ثالثاً: مسارعة السلف الصالح إلى العمرة في رمضان:

مما يدل على فضل العمرة في رمضان أن الصحابة والتابعين وتابعيهم كانوا يحرصون على أدائها فيه، والمسارعة إلى ذلك، بعد إشارته صلى الله عليه وسلم إلى مزيد فضلها في رمضان.

ففي مصنف ابن أبي شيبة عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، أن سَعِيد بْن جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِداً كَانَا يَعْتَمِرَانِ فِي شَهْرِ ‌رَمَضَانَ ‌مِنَ ‌الْجِعْرَانَةِ، وفيه أيضاً عَنْ عَبْدِالْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: ‌خَرَجْتُ ‌أَنَا ‌وَعَطَاءٌ ‌فِي ‌رَمَضَانَ فَأَحْرَمْنَا مِنَ الْجِعْرَانَةِ(3)، وكَانَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ ‌لَا ‌يَعْتَمِرُ ‌إِلَّا ‌فِي ‌الْعَشْرِ ‌الْأَوَاخِرِ ‌مِنْ ‌رَمَضَانَ(4).

رابعاً: هل تغني العمرة في رمضان عن فريضة الحج؟

قال ابن حجر: أجمعت الأمة على أن ‌العمرة ‌لا ‌تجزئ عن حجة الفريضة(5)، وفي عون المعبود أن العمرة في رمضان تعدل الحجة في الثواب، لكنها لا تقوم مقامها في إسقاط الفرض للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن حج الفرض(6).

خامساً: من أسرار مضاعفة أجر العمرة في رمضان:

شهر رمضان ليس كغيره من الشهور، ففيه الصيام والقيام وليلة القدر والاعتكاف واستجابة الدعوات، هذا لكل الأماكن وجميع المسلمين، أما مكة المكرمة والبيت الحرام، فإن شرف المكان يجتمع هنا مع شرف الزمان؛ ما يزيد في ثواب الأعمال.

قال العلامة ملا عليّ القاري في مسألة مضاعفة ثواب العمرة لتبلغ ثواب حجة: هذه مبالغة في إلحاق الناقص بالكامل ترغيباً، وفيه دلالة على أن ‌فضيلة ‌العبادة ‌تزيد ‌بفضيلة ‌الوقت فيشمل يومه وليله(7).

وعن إسحاق بن راهويه أن معنى الحديث نظير ما جاء أن «قل هو الله أحد» تعدل ثلث القرآن، وقال ابن العربي في حديث العمرة هذا صحيح وهو فضل من الله ونعمة فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها(8)، وقال ابن الملقن: ثواب الأعمال ‌يزيد ‌بزيادة ‌شرف الوقت، أو خلوص القصد وحضور القلب، فببركة رمضان حصل هذا الفضل(9)، وقال الزهري: تسبيحةٌ في رمضان خير من سبعين في غيره(10).

سادساً: لماذا لم يعتمر النبي في رمضان؟

قال ابن حجر: لم يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم إلا في أشهر الحج، وقد ثبت فضل العمرة في رمضان، فأيهما أفضل؟

الذي يظهر أن العمرة في رمضان لغير النبي صلى الله عليه وسلم أفضل، وأما في حقه صلى الله عليه وسلم فما صنعه هو أفضل، لأن فعله لبيان جواز ما ‌كان ‌أهل ‌الجاهلية ‌يمنعونه، فأراد الرد عليهم بالقول والفعل، وهو لو كان مكروهاً لغيره لكان في حقه أفضل والله أعلم.

ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يشتغل في رمضان من العبادة بما هو أهم من العمرة، وخشي من المشقة على أمته إذ لو اعتمر في رمضان لبادروا إلى ذلك مع ما هم عليه من المشقة في الجمع بين العمرة والصوم، وقد كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته وخوفاً من المشقة عليهم(11).


اقرأ أيضا

أحكام العمرة

فضل العمرة

الهوامش
  • 1 الدر المختار: ابن عابدين (2 / 207)، وانظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (30/ 324).
  • 2 الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق (9/ 225).
  • 3 مصنف ابن أبي شيبة (3/ 158).
  • 4 تاريخ أبي زرعة الدمشقي، ص 314.
  • 5 فتح الباري لابن حجر (3/ 604).
  • 6 عون المعبود في شرح سنن أبي داود (5/ 323).
  • 7 مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 1742).
  • 8 الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (14/ 182).
  • 9 التوضيح لشرح الجامع الصحيح (12/ 231):
  • 10 رواه الترمذي (3472).
  • 11 فتح الباري: ابن حجر (3/ 605).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة