حل لجنة الطوارئ في غزة.. ما وراء الخطوة؟ وماذا ينتظر القطاع؟
أقدمت حركة «حماس»
على إعلان حلّ لجنة الطوارئ الحكومية واستقالة رئيسها بالإنابة محمد الفرا،
تمهيداً لتسليم اللجنة الوطنية لإدارة القطاع مهامها، مع تأكيد رئيس اللجنة
جهوزيتها الكاملة للقيام بمسؤولياتها الوطنية، فور توفر الإمكانيات والممكنات
اللازمة لعملها.
وجاء الإعلان
خلال مؤتمر صحفي عقده مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة،
بحضور الناطق باسم الحركة حازم قاسم، حيث أكد أن جميع الترتيبات الإدارية
والقانونية اللازمة لعملية التسليم والاستلام قد أُنجزت، وأنها عُرضت بصورة رسمية
على ممثلي الفصائل الفلسطينية والعشائر ومؤسسات المجتمع المدني، وبحضور ممثل مراقب
عن الأمم المتحدة؛ بما يعكس رغبة الحركة في إظهار أن عملية الانتقال تتم وفق
إجراءات منظمة وتحظى بإسناد وطني.
موقف قديم وليس تراجعًا جديدًا
رغم أن الخطوة
فسرت على نطاق واسع باعتبارها تنازلًا فرضته الظروف الميدانية والسياسية، فإن
مراجعة مواقف «حماس» خلال السنوات الماضية تشير إلى أنها لا تمثل تحولًا جذريًا في
موقف الحركة؛ فمنذ سنوات، كانت «حماس» تعلن استعدادها للتخلي عن إدارة قطاع غزة في
إطار توافق وطني شامل، وهو ما ظهر خلال تشكيل حكومة الوفاق الفلسطينية عام 2014م،
كما تكرر خلال جهود المصالحة التي رعتها مصر عام 2017م، عندما أعلن رئيس الحركة في
غزة آنذاك، يحيى السنوار، استعداد الحركة لتسليم الوزارات وإدارة القطاع للحكومة
الفلسطينية، وبقي هذا الموقف قائمًا حتى معركة «طوفان الأقصى».
وبذلك، فإن ما
يجري اليوم لا يمثل تراجعًا عن موقف سابق، بقدر ما يمثل تفعيلاً لخيار كانت الحركة
قد أعلنته مرارًا، مع تمسكها في المقابل بعدم ربط هذا التنازل بقضية سلاح المقاومة.
ما وراء الخطوة
كانت هذه الخطوة
متوقعة منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، إذ كان مستقبل إدارة قطاع غزة أحد
أهم الملفات المطروحة خلال المفاوضات، ووفق التفاهمات التي جرت فقد وافقت «حماس»
منذ ذلك الوقت على التخلي عن إدارة القطاع، على أمل التوصل إلى تفاهم مع السلطة
الفلسطينية لتشكيل لجنة وطنية تتولى إدارة المرحلة الانتقالية.
غير أن تعثر
التفاهم مع السلطة الفلسطينية، نتيجة تعنت السلطة دفع الحركة إلى البحث عن صيغة
بديلة تقوم على تشكيل لجنة وطنية تحظى بغطاء فلسطيني أوسع، بما يمنع الفراغ
الإداري ويحول دون فرض ترتيبات سياسية مباشرة من قبل «إسرائيل».
كما جاءت الخطوة
بالتزامن مع تحركات الوسطاء لاستكمال المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي
تتناول ملفات إدارة القطاع وإعادة الإعمار، وبينما أصرت الحكومة «الإسرائيلية» على
ربط أي تقدم بنزع سلاح «حماس»، برزت مؤشرات إلى وجود مقاربة أمريكية أكثر مرونة،
تقوم على فصل ملف إدارة القطاع عن ملف السلاح، وتأجيل بحث الأخير إلى مرحلة لاحقة،
بما يمنع تعطيل الاتفاق.
ومن الملاحظ أن
التوجهات الأمريكية الجديدة تميل إلى الدبلوماسية واستبعاد خيار التصعيد العسكري
قدر الإمكان وهو ما ظهر في إدارة الصراع مع إيران ولبنان، فيما أن «إسرائيل» أرادت
استغلال الفجوة الناجمة عن تعارض المواقف في ملف السلاح للعودة للحرب وتفعيل
الإبادة الواسعة مرة أخرى.
ومن هذه
الزاوية، يمكن فهم قرار «حماس» باعتباره محاولة لسحب إحدى أهم الذرائع التي
استخدمتها حكومة بنيامين نتنياهو لتعطيل المفاوضات وتبرير استئناف العمليات
العسكرية، وبالمقابل فتح أفق الإغاثة الإنسانية للغزيين، مع التأكيد على مبدأ
مركزي والمتعلق بأن تكون خطوة إقالة الكيان الإداري هذا، وتشكيل الكيان الإداري
الجديد فلسطينياً بحت من حيث البنية والقرار.
من جانب آخر،
تعكس الخطوة رؤية سياسية لـ«حماس» قوامها أن الحركة ليست متمسكة بالسلطة التنفيذية
بقدر تمسكها بخيار المقاومة، فالحركة تدرك أن الجمع بين إدارة شؤون مليوني فلسطيني
تحت الحصار، وخوض مواجهة عسكرية وسياسية مع «إسرائيل»، يفرض عليها أعباء كبيرة
ويجعلها تتحمل مسؤولية أزمات تتجاوز قدرتها على المعالجة.
ومن هنا، فإن
التخلي عن إدارة القطاع لا يعني، من وجهة نظر الحركة، التخلي عن دورها السياسي أو
العسكري، بل يمثل محاولة للفصل بين مسؤولية الحكم ومشروع المقاومة، مع الإبقاء على
السلاح باعتباره ملفًا تفاوضيًا مستقلاً، وقد ظهر خلال كافة المحكات السياسية
والعسكرية أن الحركة لم تقدم تنازلاً في ملف السلاح والمقاومة أو الثوابت الوطنية،
فيما تنازلت عن الحكم بشكل سلس.
ماذا بعد؟
إذا جرى تنفيذ
هذه الخطوة فعليًا، فإنها ستنهي سيطرة «حماس» المباشرة على الإدارة الحكومية في
قطاع غزة، لكنها لن تنهي وجود الحركة على الأرض أو تأثيرها السياسي والمقاوم.
ومن المرجح أن
تحاول «إسرائيل» إضعاف هذا المسار من خلال مواصلة العمليات العسكرية والاغتيالات
أو افتعال أزمات ميدانية تعرقل انتقال السلطة الإدارية، خصوصًا إذا رأت أن الاتفاق
يمنح «حماس» فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها.
وفي المقابل،
يفترض أن تسهم الخطوة في تعزيز فرص استمرار المفاوضات، وتسريع دخول المساعدات
الإنسانية، والانطلاق في مشاريع إعادة الإعمار، وهي ملفات باتت تمثل أولوية لسكان
القطاع بعد أشهر طويلة من الحرب.
مع ذلك، فإن
مستقبل غزة سيظل محاطًا بكثير من الغموض، فنجاح اللجنة الوطنية لن يعتمد فقط على
تسلمها المؤسسات الحكومية، وإنما على وجود مرجعية سياسية واضحة، وقدرتها على العمل
في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني، وغياب توافق شامل بين القوى الفلسطينية.
كما أن ملفات
عديدة ستبقى عالقة، وفي مقدمتها مستقبل عشرات آلاف الموظفين الذين عملوا ضمن
مؤسسات حكومة «حماس»، وهي قضية أكدت الحركة أنها لا تعتبرها جزءًا من قرار
الاستقالة، إضافة إلى طبيعة المنظومة الأمنية والإدارية الجديدة، ومدى ارتباطها
بالترتيبات الدولية و«الإسرائيلية» الخاصة بإدارة القطاع بعد الحرب، ومن المهم
الإشارة إلى أن الولايات المتحدة تتجه في الفترة المقبلة إلى تجريب مشروع نقل
السكان الفلسطينيين إلى المناطق التي يسيطر عليها الجيش «الإسرائيلي» حالياً، على
أن يبدأ الجيش بالانسحاب التدريجي خلال الأسابيع المقبلة، لكن وصول الفلسطينيين
إلى هذه المناطق سيكون ضمن التصورات والأفكار الأمريكية، حيث سيتم إنشاء مدن
المساكن المؤقتة (كرفانات) في رفح، ضمن حكم أعلى لمجلس السلام وأدنى للجنة
الوطنية.
من الجدير ذكره،
أن تلك الهياكل الجديدة المقترحة لإدارة قطاع غزة تتبنى معايير السلامة الأمنية
التي تضعها الأجهزة الأمنية «الإسرائيلية»، وهو ما قد يمنح «إسرائيل» أداة إضافية
لفصل وإزاحة آلاف الفلسطينيين من القطاع، بذريعة عدم استيفائهم لمتطلبات تلك
المعايير الأمنية.
لا يبدو أن قرار
«حماس» يمثل تخليًا عن دورها السياسي، بقدر ما يعكس محاولة لمنح فرصة للإغاثة ومنع
تجدد الحرب مع احتفاظ الحركة بخيار المقاومة وببقائها وبقاء الشعب الفلسطيني في
غزة، لكن من المهم التذكير بأن الإدارة الأمريكية وإن تباينت مع نتنياهو في مسألة
العودة للحرب لكنها تتطابق معه في مسألة إبقاء القطاع محاصراً وتصفية المقاومة،
ورغم أن الخطط الأمريكية تشير بوضح إلى تحسن ملموس في حياة الناس ولكنها على المدى
البعيد تحمل تحديات سياسية واجتماعية وأمنية بالغة الخطورة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً