«يا لحلف الفضول!».. الانتصار للقيم في زمن فوضى الأخبار
جاءت فكرة «حلف
الفضول» في مجتمع الجاهلية القيمي لأجل دفع الظلم عن رجل تم اغتصاب حقه على يد سيد
من سادات قريش، التي كانت واقعته ملهمة لـ«حلف الفضول»، الذي تم امتداده إلى
الإسلام وأعجب به النبي صلى الله عليه وسلم ليقرر جوهر قيمته: «لقد شهدت في دار
عبدالله بن جدعان حلفاً لو دعيت به في الإسلام لأجبت» (سنن البيهقي).
رمزية حلف
الفضول هو نصرة المظلوم، ومن يقع عليه الظلم من أي طرف كان، دون النظر إلى عرقه أو
نسبه أو رقعته الجغرافية؛ لأن المظلوم كان من زبيد باليمن، والظالم كان سيداً من
قريش(1).
ومع ذلك، قيمة
قريش المكانية وجاهها الاعتباري كانت وراء دفع هذا الظلم عن صاحبه دون الانتصار
إلى العرق أو القبيلة.
الانتصار للقيمة في العالم الرقمي
ولو نظرنا في
عالمنا الرقمي الآن إلى هذه القيمة، لوجدنا أن منصات التواصل الاجتماعي بكل
زواياها تكتظ بالآلاف، بل الملايين من الشخصيات الاعتبارية، التي يجب عليها أن
تدفع ثمن وجاهتها الاعتبارية على هذه المنصات، انتصاراً للقيمة وليس للعرق أو
البلد.
فعندما تتفجر
قضية على منصات التواصل الاجتماعي بسبب حادث أو واقع تتباين الآراء، وهذا أمر يقع
في كل قضايا الرأي، أما القضايا التي تخص القيم وعلى رأسها دفع الظلم، فلا شك أن
الأمر ليس في مساحة الاختلاف بقدر ما هو السرعة إلى الانتصار للقيمة.
وقد جاء في
الأثر: «إن الله تعالى يسأل العبد عن جاهه كما يسأله عن عمره، فيقول له جعلت لك
جاهاً، فهل نصرت به مظلوماً أو قمعت به ظالماً أو أغثت به مكروباً»(2).
كما قال النبي
صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة صدقة اللسان»، قيل: يا رسول الله، وما صدقة
اللسان؟ قال: «الشفاعة تفك بها الأسير وتحقن بها الدماء، وتجر بها المعروف إلى
أخيك، وتدفع عنه بها كريهة» (رواه الطبراني).
وهنا يكمن
الانتصار للقيمة، خاصة فيما يتعلق بقضايا الأمة الواحدة عندما يقع عليها ظلم، يجب
أن يتكاتف الجميع سوياً لإعلاء القيمة، وليس لانتصار رؤية حزبية أو عرقية ضيقة.
إن صاحب كل جاه
وما أكثرهم على منصات التواصل الاجتماعي، الذين لديهم متابعون بالملايين سيسألون
عن وجاهة هذه المتابعة وماذا صنعوا بها، أكانت لحشد «الترند» وجني الأرباح، أم
الانتصار للقيم ونصرة المظلوم؟
إن أغرب ما
يواجهنا في العالم الرقمي هو عدم الالتفات لمثل هذه الأمور، حينما يأتي الانتصار
للقيمة ودفع الظلم عن المظلوم في مؤخرة الاهتمامات، بينما يتسابق أصحاب المتابعات
المليونية ويركضون وراء التفاهات وركوب الترندات.
منظومة القيمة وتحقيق الإنسانية
إن الإنسان هو «ما
يفعله»، فعلى قدر ما تفعله ويصدر منك ستظهر إنسانيتك للجميع دون تجميل الأقنعة،
ولا ننسى أن أول معركة في الوجود كانت بين الإنسان والشيطان، الشيطان الذي ركب
العناد وصار مارقاً، ولم يحترم قدر الإنسان.
فقيمة وجود
الإنسان هي أعلى قيمة في هذا الكون، الذي أعده الله له ومهده لأجل استخلافه،
فالاستخفاف بهذه القيمة يهدر الإنسانية بأكملها، والسلطة التي تأتي إنسانية شعبها
في مقدمة أولوياتها هي السلطة المستنيرة، التي تستحق الإشادة بها وبجهودها.
وقد ذكّرنا
التاريخ الحديث بما قام به إمبراطور اليابان حين رأى أن ثمن الاستمرار هو فناء
شعبه، فكانت حماية الأرواح بالنسبة له أهم من كبرياء السلطة وبهرجتها الكاذبة.
فالمعضلة ليست
في موازين القوى، بل في تعريف مفهوم وقيمة النصر، فالسلطة التي لا ترى في أنقاض
وطنها هزيمة، لن تتوقف عن المقامرة بآخر قطرة دم من شعبها.
العار خير من النار
إن فتنة
الجماهير مهلكة، بل هي أشد هلكة من فتنة الخضوع للسلطة، فلذلك نرى في عالم المنصات
الرقمية طوفاناً من المزايدات، التي تبتعد بالشخص عن جوهر ومكارم الأخلاق، لأجل
إرضاء الجماهير التي تتبنى رؤية ربما كان وراء إذكائها حسابات وهمية أو مأجورة ترى
في اشتعال الحرب مصلحة لها.
إن الصحابي
الحسن بن علي رضي الله عنهما ضرب لنا مثلاً عالياً وراقياً وملهماً في عدم الخضوع
لفتنة الأتباع، أو الانسياق وراء فوضى الأخبار الكاذبة، حينما أبرم الصلح وحقن
الدماء، رغم أنه كان يمتلك كتائب كالجبال جاءت لنصرته.
وقد اختار رضي
الله عنه طريق الدبلوماسية ولعق الصبر لأجل إنجاز مهمته، وعندما وقع تحت طائلة
أصحاب المكايدة السياسية، الذين وصفوه بأنه «عار المؤمنين» فقال لهم: «العار خير
من النار»(3).
إن ما يقوم
النظام في إيران حالياً مكايدة سياسية لا تمت للأخلاق ولا منظومة القيم بشيء،
فبدلاً من توجيه ضرباته لعدوه وجهها لجاره، وبدلاً من أن يكيد خصمه كاد نفسه
بخسارته جيرانه.
ولكن الأغرب من
ذلك هو من ينتصر لمثل هذه الحماقات ويوجه رأيه تيهاً وكبراً على منصات التواصل
الاجتماعي مفتوناً بمتبوعيه، خائفاً من خسارتهم تحت مسميات ومصطلحات ملغومة ما
أنزل الله بها من سلطان، ولكن صدق الذهبي عندما قال: «إن الهدى نور يقذفه الله في
قلب من يشاء»(4).
اقرأ أيضاً:
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً