موسوعة بناء المفاهيم الإسلامية مشروع لإعادة بناء الوعي
بين يدي موسوعة بناء المفاهيم الإسلامية:
إن المفاهيم
ليست ألفاظًا محايدة تسكن المعاجم، ولا قوالبَ لغويةً تنتهي مهمتُها عند بيان
الحدود والتعريفات؛ وإنما هي أوعيةٌ للرؤية، ومفاتيحُ للفهم، وموازينُ للحكم،
ومنها تتشكّل صورةُ الإنسان عن نفسه وعن ربه وكونه ومجتمعه والعالم من حوله، وحين
تستقيم المفاهيمُ يستقيم جانبٌ كبير من النظر، وحين تضطرب يختل ميزانُ الإدراك قبل
أن يختل ميزان السلوك؛ لأن الإنسان لا يتعامل مع الأشياء والوقائع مجردة، وإنما
يتعامل معها من خلال ما استقر في وعيه من تصورات ومفاهيمَ تحددُ معانيها، وتُعيّن
موقعها، وترسم الموقفَ منها.
ولهذا كانت
معاركُ المفاهيم من أخطر معارك الفكر والحضارة؛ إذ قد تبقى الكلمة هي الكلمة،
بينما يُنزَع منها مضمونُها، أو تُحمَّل بما ليس منها، أو يُختزل معناها، أو تُفصل
عن مرجعيتها، أو يُساء تنزيلها حتى تتحول من أداة للهداية والبناء إلى مصدر
للالتباس والاضطراب، وقد يقع الخلل من خارج المجال الحضاري للأمة حين تُستورد
المفاهيم محملةً بسياقاتها ومرجعياتها من غير تمحيص، كما قد ينشأ من داخله حين
يُساء فهمُ مفاهيم الدين نفسه، أو تجتزأ من منظومتها، أو يغلو فيها قوم ويفرط فيها
آخرون.
من هنا تكتسب
موسوعة بناء المفاهيم الإسلامية: تأصيلًا وتنزيلًا"(1) أهميتها؛ فهي لا
تنطلق من الرغبة في زيادة عدد الموسوعات الإسلامية، وإنما من إدراك أن إصلاح الوعي
يمر، في جانب جوهري منه، عبر إصلاح الجهاز المفاهيمي الذي يفكر به الإنسان، ويفهم
به الدين والواقع، ويبني به مواقفه واختياراته، والمشروع بهذا المعنى لا يسأل فقط:
ماذا تعني هذه المفاهيم؟ وإنما يذهب إلى سؤال أعمق: كيف نبنيها بناء صحيحًا،
ونحررها من الاختلال، ونصل حاضرَها بأصولها، ثم نجعلها قادرة على الإسهام في إصلاح
الإنسان والمجتمع والحضارة؟
أولًا: موسوعة في زمن اختلال المفاهيم:
صدرت هذه
الموسوعة في وقت تبدو فيه الحاجةُ إلى تحرير المفاهيم أشد من أوقات كثيرة مضت؛ فقد
أصبح عالمنا المعاصر ساحةً مفتوحة لتدافع المعاني، ولم يعد الخلاف محصورًا في
المواقف من القضايا، بل امتد إلى المفاهيم التي نصوغ بها تلك المواقف ابتداء،
فكلماتٌ مثل الحرية والعدالة والدولة والمواطنة والحداثة والهوية والسلطة
والديمقراطية وحقوق الإنسان، فضلًا عن مفاهيم دينية كالجهاد والشورى والحاكمية
والوسطية والمقاصد، لم تعد ألفاظًا ذات دلالات مستقرة يتفق المتحاورون على مضمونها
ثم يختلفون في تنزيلها؛ بل أصبح المفهوم نفسه محل نزاع: في تعريفه ومرجعيته وحدوده
ووظيفته ومآلات استعماله.
وقد التقطت
مقدماتُ الموسوعة هذه الأزمة بوضوح؛ فهي تتحدث عن الالتباس والغموض والفوضى في
تداول المفاهيم، وعن استلابها وتلبيسها وإفراغها من مضامينها، وعن إعادة شحن
الكلمات بمعانٍ تنقلها من سياق إلى سياق، كما تلفت إلى أن الخلل لا يأتي دائمًا من
الخارج؛ فقد تمارس البيئة الإسلامية نفسُها صورًا من التشويه حين تتعامل مع
المفاهيم بالاجتزاء أو الغلو أو التوظيف المنحرف، ومن ثم تصبح معركةُ المفاهيم
معركة مزدوجة: استعادةً للمفهوم من التشويه الخارجي، وتحريرًا له من الاختلال
الداخلي في الوقت نفسه.
وهذه رؤية بالغة
الأهمية؛ لأن كثيرًا من أزمات الفكر تبدأ قبل أن تظهر في صورة مواقف وسياسات؛ تبدأ
حين يختل معنى الإنسان، أو الحرية، أو الدولة، أو الدين، أو العقل، أو المصلحة، ثم
تنمو التطبيقاتُ فوق ذلك الاختلال الأول، فالمفهوم ليس آخر حلقات التفكير، بل هو من
بداياتها؛ ومن هنا كانت العناية به عناية بالبنية العميقة التي تصنعُ التصوراتِ
والاختيارات والمواقفَ.
في هذا السياق
جاءت موسوعة "بناء المفاهيم الإسلامية: تأصيلًا وتنزيلًا"، وهي عمل
مرجعي كبير صدر في خمسة عشر مجلدًا، بإشراف وتعاون مؤسسات علمية وخيرية، في
مقدمتها مركز الفكر الإسلامي والدراسات المعاصرة، والهيئة الخيرية الإسلامية
العالمية، وجمعية الصداقة اليمنية التركية، وتولت دارُ الأصالة بإسطنبول نشره،
وتكشف صفحاتها التعريفية عن بنية إشراف وتحرير ومراجعة وتدقيق، بما يؤكد أن العمل
أريد له منذ البداية أن يكون مشروعًا مؤسسيًّا جماعيًّا، لا كتابًا فرديًّا ولا
مجموعة أوراق متفرقة.
غير أن دلالة
الحجم، على أهميته، ليست في عدد المجلدات وحده، وإنما في طبيعة السؤال الذي تحاول
الموسوعة الإجابةَ عنه؛ فهي لا تتعامل مع المفهوم باعتباره لفظًا ينبغي العثور على
تعريف مناسب له، وإنما بوصفه حاملًا لرؤية وذاكرة وسياق، ومؤثرًا في الإدراك
والسلوك، ومن هنا كان عنوانها دالًا بعناية: بناء المفاهيم، لا مجرد تعريفها أو
شرحها، وتأصيلًا وتنزيلًا، لا تأصيلًا يكتفي باستعادة النصوص والتراث ثم يقف عند
حدود الماضي.
ولهذا تتسع
خريطة الموسوعة اتساعًا ملحوظًا؛ فهي تبدأ بمفاهيم تأسيسية كالتوحيد والأمة
والإنسان والاستخلاف، ثم تمضي إلى الحرية والجهاد ورؤية العالم والعمران والفطرة
والقيم والعبادة والعدل والمساواة والمسؤولية والمعرفة ومقاصد الشريعة، وتتقدم بعد
ذلك إلى قضايا النهوض والتجديد والحضارة والمجتمع والسياسة والدولة والحقوق
والمؤسسات، ثم تعالج مفاهيم الغلو والانحراف والثنائيات الفكرية والمفاهيم الوافدة،
حتى تبلغ في أجزائها الأخيرة مفاهيمَ الدبلوماسية والسياسة الخارجية والشرعية
الدولية والقانون الدولي والمنظمات الدولية.
وهكذا يمتد قوسُ
الموسوعة، في صورة لافتة، من التوحيد إلى العالم؛ من المفاهيم التي تؤسس رؤية
المسلم للوجود والإنسان إلى المفاهيم التي تنظم حضوره في المجتمع والدولة والحضارة
والنظام الدولي، وهذا الامتداد يكشف أن المشروع لا يريد تصحيحَ مجموعة من
المصطلحات فحسب، وإنما يطمح إلى الإسهام في إعادة ترتيب خريطة الوعي الإسلامي
ذاتها، وإقامة الصلات بين مرجعيته الكبرى وأسئلته المعاصرة.
ثانيًا: من الفكرة إلى المشروع الموسوعي:
ولعل من أهم ما
تكشفه مقدمات الموسوعة أن هذا العمل لم يبدأ بقائمة طويلة من المفاهيم وزعت على
الباحثين ليكتب كل منهم ما يراه، ثم جمعت البحوث بين دفتي موسوعة، ولقد سبقت
الكتابة مرحلة من التفكير في كيفية بناء المفهوم نفسه، وفي النموذج المنهجي الذي
ينبغي أن يحكم الدراسات، وفي الخريطة الكلية التي تنتظم فيها المفاهيم وعلاقاتها
وأولوياتها، وهذه المسافة بين «جمع البحوث» و«بناء المشروع» هي التي تمنح الموسوعة
جانبًا مهمًا من شخصيتها العلمية.
وقد التقت في
نشأة المشروع دوافع متعددة؛ فمن جهة، ثمة إدراك مؤسسي بأن العمل الإصلاحي لا يقوم
على سد الحاجات المادية وحدها، وأن تمكين الإنسان يحتاج كذلك إلى بناء الوعي
وترشيد التفكير والسلوك، ولذلك ربطت الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بين
رسالتها التنموية وبين الحاجة إلى نشر الثقافة الإسلامية الوسطية وتصحيح البوصلة
المفاهيمية؛ فاضطراب المفاهيم يمكن أن يكون مدخلًا إلى اضطراب الإنسان نفسه، كما
أن إصلاحها يمكن أن يصبح بابًا من أبواب الإصلاح والتنمية.
ومن جهة ثانية،
ينطلق المشروع من تشخيص حضاري أوسع يرى أن أزمة الأمة لا تختزل في ضعف الموارد
والمؤسسات، وإنما تمتد إلى عالم الأفكار والتصورات التي تقف خلفها، وقد شددت مقدمة
أستاذنا الدكتور عصام البشير على مركزية المفاهيم في بناء الحضارة، وعلى أن
الاهتمام بها لا ينبغي أن يقف عند ظاهر الألفاظ، بل يتجاوزها إلى جذورها
ومرجعياتها ومضامينها ووظائفها. فالمفاهيم بهذا الاعتبار تختزن ذاكرة الأمة، وتحدد
وجهتها، وتؤثر في الطريقة التي ترى بها نفسها والآخر والعالم.
أما مقدمة
أستاذنا د. سيف الدين عبد الفتاح فتدفع الفكرة خطوة أخرى إلى الأمام، حين تجعل
المفاهيم جزءًا من المجال الإدراكي الذي تتولد منه التصورات والخيارات والأفعال،
ومن ثم لا تكون العناية بها ترفًا فكريًا، وإنما ضرورة منهجية وحضارية؛ لأن فساد
المفهوم قد ينتقل من الذهن إلى الواقع، كما أن إحكامه يمكن أن يعيد وصل الفكر
بالفعل والمرجعية بالحركة، ولهذا أكدت الرؤية المنهجية للمشروع مرجعية القرآن
والسنة، والاستفادة من التراث العلمي الإسلامي ومن جهود المتقدمين والمتأخرين
والمعاصرين، ومراعاة مقاصد الشريعة، والانفتاح على الفكر الإنساني والتراث العالمي
دون فقدان الخصوصية والهوية.
وإذا كانت مقدمة
الأستاذ الدكتور عصام البشير تحدثت عن فلسفة المشروع وحاجته الحضارية، ومقدمة
الأستاذ الدكتور سيف الدين عبد الفتاح قد وضعت الإطار المنهجي العام للموسوعة، فإن
مقدمة الدكتور فارس العزاوي والأستاذ عبده إبراهيم تكشف الوجه التنفيذي لهذا
الإطار، وتبين كيف انتقلت الفكرة من مستوى التصور إلى مستوى الصناعة الموسوعية،
ففيها يتضح أن المشروع لم يبدأ بالاستكتاب مباشرة، بل سبقته ورش عمل، وبناء نموذج
منهاجي للمفاهيم، ورسم خريطة كلية، ثم انتقلت الموسوعة إلى مراحل الاستكتاب
والتحكيم والمراجعة اللغوية والتحرير ومراجعة التحرير، كما حددت المقدمة أربعة
أركان كبرى لبناء المفهوم: تأصيله في سياق سيرته وتطوره وتحولاته، وتشخيص إشكالاته
المفاهيمية والمنهجية والتنزيلية، وتقديم الاستجابات المناسبة لها، ثم إعادة بنائه
وفق المنظور الحضاري الإسلامي، وبهذا تبدو مقدمة فارس العزاوي وعبده إبراهيم
بمثابة جسر بين فلسفة المشروع وهندسته التنفيذية؛ فهي لا تشرح لماذا نحتاج إلى
الموسوعة فحسب، بل كيف صُنعت هذه الموسوعة بالفعل.
ومن هذه الأرضية
انتقلت الفكرة إلى البناء التنفيذي، وتفيد المقدمات بأن المشروع مر بمراحل من ورش
العمل والتفكير الجماعي، وأن القائمين عليه عملوا أولًا على إعداد نموذج منهاجي
للمفاهيم، ثم بناء الخريطة الكلية للموسوعة، قبل أن تبدأ عملية الاستكتاب الواسعة،
وهذه نقطة تستحق الوقوف عندها؛ لأن النموذج سبق المادة، والخريطة سبقت المقالات،
وهو ما يدل على محاولة واعية لأن يكون الكل سابقًا على أجزائه وموجهًا لها، بدل أن
يتشكل الكلُّ عرَضًا بعد اكتمال الأجزاء.
وبُنيت هذه
الخريطة على حُزم ومسارات كبرى، تبدأ بمفاهيم الرؤية الكلية والتأسيس، وتمر
بمفاهيم النهوض والمجتمع وقضاياه، ثم الغلو والتطرف، والثنائيات والعلاقات
المفاهيمية، والمفاهيم الوافدة وإشكالاتها، وتنتهي بمفاهيم العلاقات الدولية، وكان
الاختيار قائمًا على الأولوية والحضور في الفكر والواقع، وعلى طبيعة الإشكالات
التي يواجهها الإنسان والمجتمع المسلم المعاصر، لا على مجرد الرغبة في استيعاب
أكبر عدد ممكن من الكلمات والمصطلحات.
ثم جاء
الاستكتابُ ليضع هذه الخريطة بين أيدي الباحثين، غير أن الكتابة نفسَها لم تترك
بلا إطار؛ فقد حدد المشروع لبناء المفهوم أربعة أركان كبرى: تأصيله في سياق سيرته
وتطوره وتحولاته، وتشخيص الإشكالات المحيطة به مفاهيميًّا ومنهجيًّا وتنزيليًّا،
وتقديم الاستجابات المناسبة لهذه الإشكالات، ثم إعادة بناء المفهوم وفق المنظور
الحضاري الإسلامي، وهذا هو، في الحقيقة، المفتاح المنهجي الأهم لفهم الموسوعة؛
لأنه ينقل البحث من سؤال «ما المفهوم؟» إلى أسئلة أكثر تركيبًا: من أين جاء؟ وكيف
تشكل؟ وماذا جرى له؟ وأين اختل؟ وكيف يمكن استعادته وإعادة بنائه؟ وكيف يصبح
صالحًا للعمل في الحاضر؟
ولم يكن هذا
النموذج مجرد إعلان في المقدمة؛ فالفهرس العام يكشف أثره في بنية عشرات المداخل،
تتكرر فيه عناوين التأصيل والبنية والدلالة، وسيرة المفهوم ونماذجه التاريخية، ثم
الإشكالات والتحديات والاستجابات، وإعادة البناء والتنزيل والتشغيل والاستشراف،
ومع ذلك لم يتحول النموذج إلى قالب آلي جامد؛ فقد احتفظت الدراسات بقدر من المرونة
يسمح لكل مفهوم بأن يستدعي ما يناسب طبيعته وتاريخه ومجاله، وهذا الجمع بين وحدة
المنهج ومرونة التطبيق من الملامح التي تستحق أن تسجل للمشروع في صورته العامة.
وبعد الكتابة لم
تنتقل المواد مباشرة إلى الطباعة، بل مرت – كما تفيد المقدمات – بمراحل الاستكتاب
والتحكيم والمراجعة اللغوية والتحرير ثم مراجعة التحرير، ومن ثم فنحن أمام سلسلة
طويلة تبدأ بصناعة الفكرة قبل صناعة النص، وتنتهي بمحاولة توحيد النصوص وضبطها بعد
أن كتبها باحثون متعددون.
ولعل هذا كله هو
ما يفسر ضخامة المشروع من غير أن تكون الضخامة غايته، فخمسة عشر مجلدًا يمكن أن
تكون مجرد تراكم للصفحات، كما يمكن أن تكون بناء تتساند أجزاؤه حول رؤية جامعة؛
والفارق بين الصورتين تصنعه هندسة المشروع قبل الكتابة، وما تكشفه المقدمات
والفهرس حتى الآن أن القائمين على الموسوعة كانوا واعين بهذه المسألة؛ ولذلك لم
يبدأوا من سؤال: من يكتب لنا؟ بل من سؤال أسبق وأهم: ما المفهوم الذي نريد بناءه،
وبأي منهج، وفي أي موضع من الخريطة الكلية للوعي الإسلامي؟
ومن هنا تبدأ
القيمة الحقيقية للموسوعة؛ فبعد أن عُرفت الحاجة التي أنشأتها، وتبين الطريق الذي
سلكته من الفكرة إلى المشروع، يبقى السؤال الأهم: كيف بنت المفهوم نفسه؟ وكيف
تحولت عبارة «تأصيلًا وتنزيلًا» إلى منهج معرفي يتجاوز التعريفَ إلى إعادة البناء؟
وهذا ما يكشفه النظرُ في فلسفة الموسوعة الداخلية وخريطتها الممتدة من المفهوم
المفرد إلى شبكة المفاهيم، وهو ما ننتقل إليه في القسم التالي.
ثالثًا: فلسفة بناء المفهوم.. من التعريف إلى إعادة البناء:
إذا كان العنوان
الكبير للموسوعة هو "بناء المفاهيم الإسلامية"، فإن كلمة «البناء» هنا
ليست اختيارًا لغويًّا مجردًا، بل تكاد تكون المفتاح الأهم لفهم المشروع كله؛
فالموسوعة لا تتعامل مع المفهوم باعتباره حدًّا منطقيًّا يكفي ضبطه بالتعريف، ولا
بوصفه لفظًا يُرجع في معناه إلى اللغة ثم ينتهي الأمر، وإنما تنظر إليه باعتباره
بنية مركبة تتصل بالمرجعية، والتاريخ، والسياق، والاستعمال، والتحول، والوظيفة،
والمآل، ومن ثم فدراسة المفهوم عندها لا تبدأ من السؤال: ما معناه؟ إلا لكي تنتقل
منه إلى أسئلة أعمق: كيف تشكل؟ وكيف تطور؟ وما الذي طرأ عليه من اختلال؟ وما
الإشكالات التي تحيط به؟ وكيف يمكن إعادة بنائه ليؤدي وظيفته في واقع جديد؟ ومن
هنا لا تكفي العودة إلى المعجم ولا حتى إلى النص المؤسس وحده؛ بل لا بد من دراسة
سيرة المفهوم، ومراحل انتقاله، وما لحق به من تمدد أو انكماش أو انحراف أو إعادة
توظيف.
ولعل من أميز ما
تكشفه المقدمات هنا استعمالها لفكرة "الحال المفاهيمية"؛ أي النظر إلى
المفهوم في وضعه المتداول، لا في صورته النظرية فقط: كيف يُفهم؟ وكيف يُستعمل؟ وما
القوى التي تؤثر في تشكيله؟ وما الإشكالات التي تحيط به في الفكر والواقع؟ ولهذا
قررت المنهجية ألا تقتصر على التعريفات اللغوية أو المنطقية أو الاصطلاحية، بل أن
تتجه إلى دراسة السياقات الفكرية والواقعية والمحلية والعالمية التي يتحرك فيها
المفهوم.
وبهذا المعنى
تنتقل الموسوعة من دراسة دلالة المفهوم إلى دراسة فاعليته؛ فالمفهوم لا يكتسب
أهميته من صحة تعريفه فقط، وإنما من أثره في تشكيل الوعي والسلوك والمؤسسات، ولهذا
ربطت المقدمات بين المفاهيم وبين التصورات والاختيارات والمواقف، ورأت أن بناءها
جزء من بناء العقل الذي يرى بها الإنسان العالم ويحدد بها علاقته بنفسه ومجتمعه
وواقعه.
ومن هنا أيضًا
يتضح معنى الشق الثاني من عنوان الموسوعة: "تنزيلًا"؛ فالتأصيل ليس غاية
مستقلة، وإنما هو أساس للانتقال إلى الواقع، والمقصود ليس مجرد إيراد تطبيقات بعد
الفراغ من التأصيل، بل إعادة صياغة المفهوم في صورة تسمح له بأن يعمل داخل مشكلات
الحاضر وأسئلته ومؤسساته؛ ولهذا تتكرر في فهارس المداخل عناوين مثل: الإشكالات،
والتحديات، والاستجابات، وإعادة بناء المفهوم، والتشغيل، والتنزيل، والاستشراف؛
وهو ما يدل على أن المشروع حاول أن يجعل المسافة بين النظر والعمل جزءًا من هندسة
البحث نفسها.
واللافت أن هذه
المنهجية لا تُطبَّق بصورة آلية جامدة؛ فهناك نواة مشتركة تحكم عددًا كبيرًا من
المداخل، لكن كل مفهوم يتحرك ضمن ما يناسب طبيعته؛ فالمفهوم العقدي ليس كالمفهوم
السياسي، والمفهوم الحضاري ليس كالمفهوم الوافد، والثنائية الفكرية لا تُدرس
بالطريقة نفسها التي يُدرس بها مفهوم مفرد، وهذا يمنح المشروع قدرًا من المرونة،
ويمنعه – من حيث التصميم على الأقل – من الوقوع في أسر قالب واحد يُفرض على مواد
شديدة التنوع.
وإذا أردنا
تلخيص فلسفة البناء التي تكشفها الموسوعة، أمكن القول إنها تتحرك في مسار متدرج:
مرجعية تؤسس المعنى، وسيرة تكشف التحولات، وتشخيص يحدد مواضع الخلل، واستجابة
تعالج الإشكال، وإعادة بناء تعيد المفهوم إلى شبكة الرؤية الإسلامية، ثم تنزيل
يختبر قدرته على الفعل في الواقع.
وهذه الحركة هي
التي تمنح المشروع شخصيته الخاصة؛ لأنها تجعل المفهوم نقطة وصل بين النص والتاريخ،
وبين الفكر والواقع، وبين الهوية والتجديد، فلا هو أسير للماضي، ولا هو مستسلم
للحاضر، وإنما يُعاد بناؤه في منطقة التفاعل بينهما.
ومن هنا يمكن
القول: إن الموسوعة تقترح، من خلال مجموعها، ما هو أوسع من مجموعة تعريفات
موسوعية؛ إنها تحاول أن تؤسس منهجًا إسلاميًّا في بناء المفهوم، يحفظ له جذوره
المرجعية، ويستوعب سيرته التاريخية، ويقرأ أزمته المعاصرة، ثم يُعيد إدخاله في
دورة الفعل الحضاري، وهذه – في نظري – هي القيمة الفكرية الأعمق في المشروع كله.
رابعًا: خريطة موسوعية من التوحيد إلى العالم:
وإذا كانت فلسفة
الموسوعة تظهر في منهج بناء المفهوم، فإن الخريطة العامة للمفاهيم تكشف عن فلسفة
ثانية لا تقل أهمية: فلسفة ترتيب العالم داخل الوعي الإسلامي، فالفهرس العام لا
يقدم قائمة هجائية، ولا يسير على طريقة المعاجم التي تجمع المفردات وفق حروفها
الأولى، وإنما يبني مسارًا متدرجًا يبدأ بالمفاهيم التي تؤسس الرؤية، ثم ينتقل إلى
القيم والمقاصد والعمران والحضارة، ومنها إلى المجتمع والسياسة، ثم إلى مفاهيم
الانحراف والثنائيات والمفاهيم الوافدة، قبل أن ينتهي إلى العلاقات الدولية
والنظام العالمي.
تبدأ الموسوعة
من التوحيد، ولا تبدو هذه البداية عشوائية؛ لأن التوحيد في الرؤية الإسلامية ليس
مفهومًا عقديًّا جزئيًّا فحسب، بل هو المبدأ الذي تنتظم حوله صورة الوجود والإنسان
والقيمة والغاية، ثم تتجاور معه مفاهيم الأمة، والاستخلاف، والإنسان، والتنزيل،
بما يكشف عن محاولة لبناء الأساس المرجعي والأنثروبولوجي والحضاري قبل الانتقال
إلى ما يترتب عليه من مفاهيم أخرى.
ومن هذه الأرضية
تنتقل الموسوعة إلى منظومة من المفاهيم التي تصوغ حركة الإنسان في العالم: الحرية،
والجهاد، والدعوة، ورؤية العالم، والزمن والمستقبل، والتسامح، والشرعية، ثم الشورى
والحاكمية والعمران والفطرة والقيم والعبادة والعدل والمساواة والمسؤولية والمعرفة
ومقاصد الشريعة، وهنا تتكون طبقة ثانية من الخريطة: طبقة القيم والمعايير والمقاصد
التي تحكم الفعل، وتضبط علاقة الإنسان بذاته وبغيره وبالمجتمع.
ثم تتسع الدائرة
لتدخل الموسوعة في قضايا النهوض والتجديد والأزمة الحضارية والاستراتيجية والتدبير
والاستمداد الحضاري والاستغراب والأمن الإنساني والتاريخ الإسلامي والتعايش
الحضاري والحوار بين الحضارات والخطاب الإسلامي والدراسات المستقبلية والشهود
الحضاري والفقه الحضاري والفكر الإسلامي والواقع، وهنا نغادر المفاهيم الفردية
المباشرة إلى مفاهيم الحركة التاريخية والحضارية، حيث يصبح السؤال: كيف تنهض
الأمة؟ وكيف تفهم تاريخها؟ وكيف تدير علاقتها بالواقع والمستقبل وبالحضارات
الأخرى؟
وبعد ذلك تنتقل
الخريطة إلى مجال الاجتماع والسياسة والمؤسسات، فتبرز مفاهيم الاجتماع، وإدارة
الاختلاف والتنوع، والإصلاح، والاجتماع السياسي، والأخلاق والسياسة، والأمن
القومي، وأهل الحل والعقد، والتراث السياسي الإسلامي، والتحديث والتجديد السياسي،
وحقوق الإنسان، والحكم الراشد، والدولة، والشأن العام، والرقابة والمساءلة، والعدل
الاقتصادي والاجتماعي، والمشاركة السياسية، والقانون، والمسألة الدستورية،
والمواطنة، ومؤسسة الإفتاء.
وهذه الكتلة
تكشف أن الموسوعة لا تريد أن يبقى المفهوم في دائرة الفرد أو الوعي المجرد، بل
تدفعه إلى المجال المؤسسي: الدولة، والقانون، والسلطة، والرقابة، والمشاركة،
والحقوق، وهنا يظهر التنزيل في أحد أوضح صوره؛ إذ يصبح السؤال عن الكيفية التي
تتحول بها القيم والمفاهيم إلى تنظيم اجتماعي ومؤسسي.
ثم تأخذ الخريطة
منحى نقديًّا، فتدخل في مفاهيم الغلو والانحراف والصراع المفاهيمي، من قبيل تحريف
النص والتكفير والجاهلية والعنف والغلو والفتنة والمداهنة، وهذه المنطقة لا تعالج
المفاهيم بوصفها أدوات بناء فقط، بل بوصفها أيضًا ساحاتٍ يمكن أن يقعَ فيها
الانحرافُ وسوءُ الفهم وسوء التوظيف؛ ومن ثم تصبحُ مهمةُ الموسوعة هنا استردادَ
المعنى من الغلو أو التشويه.
ومن أكثر أقسام
الموسوعة دلالةً قسمُ الثنائيات والعلاقات المفاهيمية؛ حيث نجد موضوعات من قبيل
الابتداع والإبداع، والائتلاف والاختلاف، والأصل والعصر، والأنا والآخر، والدين
والعلم والمعرفة، والديني والسياسي، والوحي والعقل، والداخل والخارج، وتنبع أهمية
هذا القسم من أنه ينقل الموسوعة من دراسة المفهوم المفرد إلى دراسة العلاقة بين
المفاهيم؛ فالفكر لا يتشكل من مفردات مستقلة فقط، بل من طريقة ترتيب الصلات بينها،
ومن طبيعة التوتر أو التكامل الذي يجمعها.
ثم تنفتح
الموسوعة على عدد واسع من المفاهيم المعاصرة الوافدة أو المتداولة في المجال
العالمي، مثل الاستشراق، والأسرة والسكان، والقوة والسلطة، والحداثة، وحق تقرير
المصير، والديمقراطية، والعلمانية، والعولمة، والعدالة الانتقالية، والمجتمع
المدني، والمعاصرة، ونهاية التاريخ وصدام الحضارات، وهنا يتضح أن المشروع لا يراد
له أن يعمل داخل المجال التراثي فقط، وإنما أن يدخل في اشتباك مباشر مع المفاهيم
التي تشكل لغة العصر السياسية والفكرية والاجتماعية.
وأخيرًا تصل
الخريطة إلى مفاهيم العلاقات الدولية: الاتصال الدولي، وتصنيف الدول،
والدبلوماسية، والسياسة الخارجية، والشرعية الدولية، والقانون الدولي العام،
والمعاهدات، والمنظمات الدولية، وهكذا تكتمل الحركة التي بدأت من التوحيد والرؤية،
وانتهت إلى حضور الأمة في العالم .. وهذا الترتيب يسمح بقراءة الموسوعة كلها في
مسار بالغ الدلالة على النحو الآتي:
توحيد يؤسس
الرؤية، وإنسان يحمل التكليف، وقيم تضبط الحركة، ومقاصد توجه الفعل، وعمران يصنع
الحضارة، ومجتمع ودولة ينظمان الحياة، ونقد يحرس المفاهيم من الانحراف، ثم وعي
بالآخر والعالم والنظام الدولي.
ومن هنا يمكن أن
نلخص خريطة المشروع في عبارة واحدة: تبدأ الموسوعة بالتوحيد وتنتهي بالنظام
الدولي؛ وبين البداية والنهاية تتحرك عبر الإنسان والمجتمع والدولة والحضارة، وهذه
ليست مجرد براعة في الترتيب، بل تعبر عن تصور يرى أن الحضور الإسلامي في العالم لا
يبدأ من السياسة الخارجية، وإنما يبدأ من صورة صحيحة للوجود والإنسان والقيمة، وأن
البناء الحضاري لا يمكن أن يقفز إلى آخر حلقاته قبل أن يحكم أصوله ومقدماته.
ومع ذلك، فإن
هذا الاتساع نفسه يطرح سؤالًا مهمًّا: هل تكفي كثرة المفاهيم وتنوعها لصناعة
منظومة متكاملة، أم أن المنظومة تحتاج كذلك إلى شبكة واضحة من العلاقات والإحالات
المتبادلة بين المفاهيم؟ فالقيمة القصوى للمشروع لا تتحقق بمجرد وضع التوحيد
والعدل والشورى والدولة والمواطنة والدبلوماسية في موسوعة واحدة، وإنما حين تصبح
هذه المفاهيم أجزاء من معمار معرفي واحد يفسر بعضها بعضًا، ويحد بعضها بعضًا،
ويكشف عن مستويات العلاقة بينها.
ولهذا، فإن
خريطة الموسوعة تكشف عن طموح كبير: الانتقال من المفهوم المفرد إلى الحقل
المفاهيمي، ومن الحقل المفاهيمي إلى الرؤية الحضارية المتكاملة، وإذا نجحت
المجلدات في تحقيق هذا الترابط على مستوى المضمون كما نجحت الخريطة في إظهاره على
مستوى التصميم، فإن الموسوعة تكون قد قطعت خطوة تتجاوز الصناعة المعجمية إلى صناعة
منظومة للوعي؛ وهو ما يفتح الطريق للسؤال التالي: ما القيمة التي يمكن أن يضيفها
هذا المشروع إلى الفكر الإسلامي المعاصر، وما أبرز ما يحسب له وما ينبغي أن يبقى
موضع نقاش وتقويم؟
خامسًا: ما الذي تضيفه الموسوعة إلى الفكر الإسلامي المعاصر؟
لا تُقاس قيمة
الأعمال الموسوعية الكبرى بعدد مجلداتها وحده، ولا بكثرة المفاهيم التي تجمعها –
شارك فيها تسعة وخمسون باحثًا من أهل العلم والاختصاص، توزعت جهودهم على مئة
وعشرين مفهومًا في خمسة عشر مجلدًا وسبع حزم مفاهيمية كبرى؛ وهو تنوع يمنح
الموسوعة ثراءً في الخبرات والمقاربات، مع سعيها إلى الانتظام في رؤية منهجية
جامعة - وإنما بما تضيفه إلى طرائق التفكير، وبما تفتحه من مسارات جديدة في البحث،
وبقدرتها على الانتقال من حفظ المعرفة إلى إعادة تنظيمها وإنتاجها، ومن هذه
الزاوية تبدو القيمة الأبرز لموسوعة "بناء المفاهيم الإسلامية: تأصيلًا
وتنزيلًا" في أنها لا تقدم للقارئ مادة مرجعية ضخمة فحسب، وإنما تقترح طريقة
في النظر إلى المفهوم الإسلامي نفسه، وفي كيفية استعادته من مصادره، وملاحقة
تحولاته، وفحص حاله المعاصر، ثم إعادة بنائه وتشغيله في الحياة.
وأولى إضافات
الموسوعة أنها تعيد الاعتبار إلى المفهوم بوصفه وحدة أساسية في البناء الفكري
والحضاري؛ فقد اعتادت مساحاتٌ واسعة من الكتابة الإسلامية أن تنصرف إلى الأحكام أو
القضايا أو المواقف أو المشكلات، من غير أن تتوقف طويلًا عند الجهاز المفاهيمي
الذي تُصاغ من خلاله تلك القضايا والمواقف، والموسوعة تُعيد ترتيبَ المسألة من
أصلها؛ لأن خللَ الحُكم قد يكون سابقًا عليه خللٌ في التصور، وفساد الموقف قد يكون
ثمرة فساد في المفهوم الذي أنتجه، ومن هنا يصبح تحرير مفاهيم الإنسان والحرية
والعدل والسلطة والشورى والمصلحة والمقاصد والدولة والآخر والحضارة وغيرها جزءًا
من بناء القدرة على التفكير السليم، لا تمرينًا لغويًّا سابقًا عليه.
وتضيف الموسوعةُ
إلى ذلك قيمةً مرجعية ظاهرة؛ إذ تجمع في مكان واحد طيفًا واسعًا من المفاهيم التي
تتوزع عادة بين علوم وتخصصات ومراجع متباعدة؛ فالباحث الذي يريد دراسة التوحيد أو
الإنسان أو المقاصد قد يجد مادته في حقل، ومن يبحث في الدولة والمواطنة والسلطة
والديمقراطية في حقل آخر، ومن يعالج العولمة والاستشراق والدبلوماسية والنظام
الدولي في حقل ثالث، أما هذه الموسوعة فتحاول أن تضع تلك العوالم المختلفة داخل
فضاء مرجعي واحد، بما يسمح للقارئ بأن يرى الصلات التي قد تضيع حين تُقرأ المفاهيم
منفصلة بعضها عن بعض، ويكشف الفهرسُ العام بالفعل هذا الامتداد من المفاهيم
العقدية والتأسيسية، إلى القيم والمقاصد والحضارة والاجتماع والسياسة، ثم المفاهيم
الوافدة والعلاقات الدولية.
وتبرز هنا قيمةٌ
أخرى هي الطابع الجماعي للمشروع؛ فالعمل المفاهيمي الواسع الذي يمتد من التوحيد
إلى القانون الدولي لا يستطيع تخصص واحد أن يستوعبه بحق، ولا عقل فرد مهما اتسعت
ثقافته، ومن ثم كان منطق الموسوعة متجهًا إلى الاستفادة من باحثين وتخصصات متعددة،
مع وجود مستويات للإشراف والتحرير والمراجعة والتدقيق، وهذه الجماعية تمنح المشروع
ثراءً في الزوايا والمقاربات، وتتيحُ للعلوم الشرعية والفكرية والحضارية والسياسية
والاجتماعية أن تجتمع حول سؤال واحد هو سؤال المفهوم، وتُظهر بياناتُ الموسوعة
نفسها وجود بنية مستقلة للإشراف والتحرير والمراجعة اللغوية والعلمية، بما يؤكد أن
العمل صُمم بوصفه جهدًا مؤسسيًّا لا مجرد تجميع لمقالات متجاورة.
ولعل من أهم ما
يحسب للموسوعة كذلك أنها لا تجعل التراث والواقع طرفين متخاصمين؛ فهي ترجع
بالمفهوم إلى اللغة والقرآن والسنة والتراث العلمي ومسارات تشكّله التاريخية،
لكنها لا تقف هناك، بل تسأل عما أصابه في الحاضر وما ينبغي أن يستجيب له في
المستقبل، وقد أكدت مقدماتها الإفادة من علوم الإسلام ومناهجه ومدارسه، مع
الانفتاح في الوقت نفسه على الفكر الإنساني والتراث العالمي، في إطار يحفظ
المرجعية والهوية، وهذه المعادلة – إذا أحسن تحقيقها – تحرر الفكر من خيارين
قاصرين: إما استدعاء المفاهيم التراثية كما لو أن التاريخ لم يتحرك، وإما استيراد
المفاهيم الحديثة كما لو أنها نشأت بلا مرجعيات وسياقات خاصة بها.
وتتجلى إضافة
مهمة أخرى في الانتقال من المفهوم المفرد إلى الشبكة المفاهيمية؛ فالفكر لا يبنى
من مجموعة كلمات صحيحة متناثرة؛ بل من العلاقات التي تنتظم بينها؛ ولهذا كانت
معالجة ثنائيات مثل الوحي والعقل، والديني والسياسي، والأصل والعصر، والأنا
والآخر، والائتلاف والاختلاف، ذات دلالة خاصة؛ لأنها تكشف أن المشكلة قد لا تكون
في تعريف أحد الطرفين، وإنما في طبيعة العلاقة التي يُقيمها العقل بينهما، ومن ثم
يقترب المشروع من بناء حقل مفاهيمي تتفاعل وحداته، لا مجرد قاموس كبير للمصطلحات.
ويظهر الحضور
المقاصدي في الموسوعة في موضع خاص من هذه القيمة المضافة؛ فالمقاصد تُدرس فيها
مفهومًا مستقلًّا، وقد توليتُ كتابته بحمد الله، لكنها تظهر كذلك معيارًا وموجهًا
داخل بناء مفاهيم أخرى، وقد نص المنهج العام صراحة على ملاحظة المقاصد الكبرى
للشريعة عند توليد ما تحتاج إليه الأمة في واقعها، وهذا يفتح للمشروع أفقًا أرحب
من مجرد استعادة دلالات الألفاظ؛ لأن السؤال المقاصدي ينقل البحث من «ماذا يعني
المفهوم؟» إلى «ما الغاية التي ينبغي أن يحققها؟»، ومن سلامة البنية النظرية إلى
صلاحية الأثر الذي يُنتجه في الإنسان والمجتمع.
كما أن محاولة
الانتقال من النظر إلى التشغيل تمثل إحدى إضافات الموسوعة الجديرة بالتسجيل؛ فكثرة
ورود الإشكالات والاستجابات وإعادة البناء والتنزيل والتشغيل والاستشراف في بنية
المداخل يدل على رغبة واضحة في ألا ينتهي البحث عند تحرير المفهوم، بل يمتد إلى
السؤال عن إمكاناته العملية، وهذا بالذات ما يحتاج إليه الفكر الإسلامي المعاصر؛
إذ ليست أزمته دائمًا في غياب الأصول والمعاني، بل كثيرًا ما تكون في المسافة التي
تفصل المعنى الصحيح عن المؤسسة والسياسة والقرار والسلوك.
ومع ذلك، فإن
قيمة المشروع وطموحه يفتحان – بطبيعة الحال – عددًا من الأسئلة التي لا تنقص من
شأنه، بل تدل على خصوبته وحاجته إلى مزيد من الدرس، فهل تحققت وحدةُ المنهج
بالدرجة نفسها في هذا العدد الكبير من المداخل؟ وهل انتقل «التنزيل» في جميعها من
عنوان منهجي إلى نماذج وآليات فاعلة؟ وهل نجحت شبكة المفاهيم في صنع ترابط داخلي
حقيقي بينها، أم بقي قدر من التجاور بين الدراسات؟ وهل تتوازن الخريطة الواسعة
للموسوعة بين مفاهيم السياسة والحضارة من جهة ومفاهيم الإنسان والتربية والوجدان
والاقتصاد والعلم والتقنية من جهة أخرى؟ هذه أسئلة ينبغي أن يفتحها المشروع حول
نفسه، ولا يطلب من موسوعة مهما عظمت أن تغلقها جميعًا.
والأهم أن
الموسوعة – بهذا الحجم والمنهج – تُتيح للفكر الإسلامي مادة أولية لمشروعات لاحقة،
فليس أعظم إنجاز للموسوعة أن تكون نهاية عمل طويل، وإنما أن تُصبح بداية لأعمال
أطول؛ إذ يمكن أن تتولد منها دراسات مقارنة، ونظريات في الحقول المفاهيمية،
ومشروعات في بناء المفاهيم القطاعية، ومناهج للتدريس والتكوين، وأبحاث في تاريخ
انتقال المفاهيم وتحولاتها، فضلًا عن تطوير النموذج المنهجي نفسه وإخضاعه للنقد
والمراجعة.
سادسًا: نحو وعي مفاهيمي جديد:
الرسالة الكبرى
التي يمكن أن يخرج بها قارئ هذه الموسوعة أن إصلاح الواقع لا يبدأ من الواقع وحده،
فقبل أن تتغير المؤسسات والسياسات والسلوكيات، ثمة عالم من المعاني والتصورات
يوجهها ويمنحها أسماءها ومبرراتها وغاياتها، ومن هنا فإن معركة الإصلاح هي في جانب
منها معركة على جودة المفاهيم التي نرى بها الأشياء؛ لأن العين قد ترى الواقع
واحدًا، لكن المفهوم الذي نفسره به قادر على أن يقودنا إلى موقفين متناقضين منه.
والمفهوم بهذا
الاعتبار ليس كلمة باردة؛ إنه طاقةٌ توجيهية، فمفهوم الإنسان يصنع طريقة التعامل
معه، ومفهوم الحرية يرسم حدودها ووظيفتها، ومفهوم الدولة يحدد تصور السلطة
وغايتها، ومفهوم العدالة ينعكس على القانون والاقتصاد والاجتماع، ومفهوم الأمة
يرسم دوائر الانتماء والمسؤولية، ومفهوم الآخر يؤثر في السلم والصراع، ومفهوم
العمران يحدد معنى الحضور في الأرض، وحين تنتظم هذه المفاهيم داخل رؤية متكاملة
يتحول الوعي من استقبال متناثر للأفكار إلى منظومة قادرة على الفهم والترجيح
والفعل.
ولهذا فإن الأثر
المرجو من الموسوعة ينبغي ألا يقف عند أن تستقر مجلداتها الخمسة عشر في المكتبات
الكبرى، أو تصبح مرجعًا يراجعه الباحث عند الحاجة إلى مفهوم بعينه؛ فهذا أدنى وجوه
الاستفادة من عمل بهذا الحجم، أما الثمرة الأكبر فهي أن تتحول الموسوعة إلى مشروع
معرفي حي يتداول خارج صفحاتها، وتُستثمر مادتها في التعليم والبحث والثقافة العامة
وصناعة القرار.
وأول ما يبدو
ضروريًّا في هذا السياق هو تحويل الموسوعة إلى بيئة رقمية متكاملة، لا إلى نسخة
مصورة من المجلدات فقط؛ فيمكن إنشاء موقع خاص بها، يتيح البحث باسم المفهوم،
والجذر، والقضية، والمجال، والمفاهيم المرتبطة، ويصل المداخل بعضها ببعض عبر
إحالات إلكترونية تكشف الشبكة الداخلية للموسوعة، وحين يبحث القارئ مثلًا عن
«العدل»، ينبغي أن يستطيع الانتقال منه إلى المساواة والمقاصد والحكم الراشد
والحقوق والاقتصاد والسياسة، بحيث يتحول الموقع نفسه إلى خريطة تفاعلية للمفاهيم.
ومن المفيد كذلك
بناء تطبيق رقمي للموسوعة على الهواتف والأجهزة اللوحية، تتوافر فيه خاصية البحث
المتقدم، والقراءة الموضوعية، وحفظ المقاطع، وإنشاء قوائم خاصة بالباحث، والوصول
إلى المفاهيم ذات الصلة، ويمكن – في مرحلة متقدمة – تطوير محرك بحث دلالي يسمح
بالسؤال عن قضية لا عن كلمة فقط؛ فمن يبحث عن «المفاهيم المتعلقة بإدارة التنوع»
مثلًا يستطيع الوصول إلى الاختلاف والمواطنة والمجتمع المدني والعدل والحقوق
وغيرها، بدل أن يشترط عليه معرفة عنوان المدخل ابتداء.
ومن أهم مسارات
تعظيم الفائدة أيضًا ترجمة الموسوعة أو منتخبات واسعة منها إلى اللغات العالمية.
فالاشتباك الذي تقيمه مع قضايا الإنسان والحضارة والسلطة والحرية والحداثة
والعولمة والعلاقات الدولية يجعلها مادة لا ينبغي أن تبقى حبيسة العربية، ويمكن أن
تبدأ الترجمة بالإنجليزية والتركية والفرنسية والإندونيسية والأردية والفارسية
وغيرها من اللغات ذات الحضور العلمي والثقافي الواسع، مع اختيار مجموعات مفاهيمية
متكاملة بدل انتظار ترجمة المجلدات الخمسة عشر دفعة واحدة، وبهذا ينتقل المشروع من
مخاطبة القارئ العربي إلى المشاركة في الحوار العالمي حول المفاهيم.
ويمكن كذلك
استخراج سلاسل مستقلة من الموسوعة، فالعمل الموسوعي الكبير قد يحجب أحيانًا الكنوز
الجزئية داخله، ومن أخصب ما يمكن إخراجه في كتب مستقلة: الدراسات التي تتناول
إعادة بناء المفاهيم، أو المفاهيم السياسية، أو مفاهيم النهوض الحضاري، أو
الثنائيات الفكرية، أو المفاهيم الوافدة، أو مفاهيم العلاقات الدولية، ومن شأن هذه
السلاسل أن تصل إلى قراء لا يشترون موسوعة في خمسة عشر مجلدًا، وأن تجعل المادة
أكثر تداولًا في حلقات البحث والجامعات ومراكز الدراسات.
بل يمكن استخراج
كتاب مستقل بعنوان قريب من "منهج إعادة بناء المفاهيم الإسلامية"، تجمع
فيه المواد النظرية والمنهجية التي أنتجها المشروع، وتدرس نماذج تطبيقية من
مداخله، فهذا ربما يكون من أهم الثمار العلمية الممكنة للموسوعة؛ لأن القيمة
الأعمق للمشروع ليست في نتائج كل مفهوم على حدة فحسب، بل في المنهج الذي أنتج تلك
النتائج.
كما يمكن تحويل
عدد من موادها إلى مقررات ودورات تدريبية في الجامعات والمعاهد ومراكز إعداد
الباحثين؛ فهناك فارق كبير بين قراءة المفهوم وبين تعلم كيفية بنائه، ويمكن إعداد
مقرر في «منهجية بناء المفاهيم» يبدأ بالتأصيل والتحرير والتاريخ المفاهيمي، ثم
ينتقل إلى كشف الاختلالات وتحليل السياقات، وصولًا إلى إعادة البناء والتنزيل،
وهكذا تتحول خبرةُ صناعة الموسوعة نفسها إلى معرفة قابلة للنقل إلى أجيال جديدة من
الباحثين.
ومن الآفاق
المهمة أيضًا إعداد نسخ وسيطة وميسرة لغير المتخصصين؛ فالموسوعة في صورتها العلمية
تخاطب الباحث أساسًا، لكن قضاياها تمس المثقف والمعلم والإعلامي والداعية وصانع
القرار والشاب الجامعي، ويمكن إنتاج «معجم موجز للمفاهيم الإسلامية»، أو سلسلة
كتيبات، أو مواد مرئية ومسموعة، أو منشورات مركزة، أو حلقات قصيرة تشرح كل مفهوم
ومحاوره وتحولاته، مع المحافظة على الأمانة للمتن العلمي الأصلي، وليس المقصود
تبسيط الأفكار إلى حد إفقارها، وإنما فتح أبواب متعددة للوصول إليها.
ويستحق المشروع
كذلك أن تنشأ حوله ندوات علمية منتظمة، لا للاحتفاء بالموسوعة فحسب، بل لمناقشتها
ونقدها وتطويرها. فقد تقدم مجموعة من الباحثين دراسة في مفهوم ما، ثم تأتي خبرة
علمية أخرى فتضيف إليه أو تعيد النظر في بعض جوانبه بعد سنوات، والمفهوم بطبيعته
حي يتفاعل مع الواقع؛ ولذلك فإن الموسوعة نفسها تحتاج إلى أن تبقى قابلة للمراجعة
والتحديث، ولا سيما في المفاهيم التي تتسارع تحولات سياقاتها، كالدولة والسلطة
والعولمة والهوية والذكاء الاصطناعي والإعلام والمجال الرقمي والعلاقات الدولية.
ومن هنا يمكن
التفكير مستقبلًا في طبعة رقمية متجددة لا تلغي النسخة المطبوعة، وإنما تكملها؛
تُضاف إليها الدراسات والمراجعات والمستجدات، وتُحدّث مراجعها، وتستحدث مفاهيم لم
تكن حاضرة في الخريطة الأولى، فالمشروع الذي يقوم على مفهوم «الحال المفاهيمية» لا
يناسبه أن تتوقف حياته عند لحظة النشر؛ لأن الحال نفسها تتغير، وتولد معها أسئلة
ومفاهيم وتحديات جديدة.
ويمكن أخيرًا أن
تصبح الموسوعة نواة لـمرصد عربي إسلامي للمفاهيم يتابع ظهور المصطلحات الجديدة
وتحول دلالات القديمة وتداولها في الإعلام والسياسة والجامعة والمجتمع، ويرصد كيف
تنتقل المفاهيم بين اللغات والثقافات وكيف يُعاد تشكيلها، وحينئذٍ لا يبقى المشروع
معنيًّا فقط بالمفاهيم التي استقرت في مجلداته، بل يتحول إلى قدرة مؤسسية دائمة
على متابعة حركة المفاهيم في الزمن.
وهكذا يكون
الوفاء الحقيقي لعمل موسوعي بهذا الحجم ألا نكتفي بالقول إنه صدر، ولا حتى بأن
نقرأه ونقتبس منه، بل أن نعمل على إدامة حياته العلمية، وتوسيع دوائر الإفادة منه،
فالموسوعات الكبرى لا تبلغ غايتها لحظة اكتمال طباعتها؛ بل تبدأ حياتُها الحقيقية
حين تدخل قاعات الدرس، ومشروعات البحث، ومنابر الحوار، ومنصات المعرفة، وحين يعاد
اختبار مفاهيمها في الواقع وتطويرها ونقدها وترجمتها ونقلها إلى أجيال أخرى.
إن موسوعة
"بناء المفاهيم الإسلامية: تأصيلًا وتنزيلًا" تذكرنا في النهاية بحقيقة
قد تبدو بسيطة، لكنها شديدة العمق: أن الحضارات لا تبنى بالأشياء وحدها، وإنما
تبنى أيضًا بالمعاني التي تمنح الأشياء مواقعَها ووظائفها وغاياتِها، وإذا كان
إصلاح الواقع مطلوبًا، فإن من أعمق طرق الوصول إليه إصلاح خرائط الوعي التي تقرأه
وتوجه الحركة فيه، ومن هنا تأتي قيمة هذا المشروع: أنه يدعونا إلى ألا نكتفي
بوراثة مفاهيمنا، بل أن نفقهها ونحررها ونصلها بأصولها ونختبرها في زماننا، ثم
نجعلها قادرة على صناعة الإنسان والعمران والشهود الحضاري.
وإذا نجحت هذه الموسوعة في أن تنتقل من 15 مجلدًا على الرفوف إلى مشروع مفتوح في العقول والمؤسسات، فربما تكون أهم ثمارها لم تُكتب بعد.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً