; تصحيح بعض المفاهيم- إحقاق الحق | مجلة المجتمع

العنوان تصحيح بعض المفاهيم- إحقاق الحق

الكاتب حيدر قفة

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1977

مشاهدات 59

نشر في العدد 345

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 12-أبريل-1977

كثيرًا ما نخطئ الطريق، ونجانب الحق عندما نظن أن فعل الخير يمكن الوصول إليه عن طريق غير الحق، وهذا ما يسمى بالمذهب «الميكافلي» «۱» 

وقوام هذا المذهب أو هذه النظرة أن «الغاية تبرر الوسيلة» فإن كانت غايتك شريفة ومقصدك نبيلًا، فسيان أن تسلك لها طريقًا سليمًا شريفًا أو آخر معوجًا لا عفة ولا مروءة فيه.

وهذا منطق أعوج وسلوك منحرف لا يرضاه الله سبحانه ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (الكهف ١٠٣-١٠٤).

 وما هو عليه الشرع وما يجب أن يكون عليه المسلم وهو التزام الوسيلة الشريفة إلى الغاية الشريفة، لا تغرهم لذة بلوغ الغاية، فتفتنهم عن سوء واقع الوسيلة، وفي الحديث «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» «٢» 

ومن هذه الأمور التي أخطأ الناس في فهمها على وجهها الصحيح «الإصلاح بين الناس» 

يقع الخصام بين اثنين أو فئتين، ولا بد أن يكون الحق في جانب أحدهما والباطل في الجانب الآخر، ولكن الشيطان بمكره ودهائه يوغر الصدور، ويصور لكل منهما أن الحق معه، وخصمه على باطل، ويظل ينفخ فيهما من سمومه حتى تغطي سورة الغضب سراج العقل فتطفئه أو تحجبه وتعطله.

والمفروض في المسلم -إن كان أحد الطرفين- أن يبادر إلى الصلح، ولا يتمادى في الخصام والهجر، لا سيما إن كان سبب الخلاف أمرًا ليس من الدين، أو فسقًا ظاهرًا، فيبادر إلى الصلح حتى ولو كان الحق إلى جانبه، وذلك حتى لا يترك المجال للشيطان فيزيد في العداوة، يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» «٣» والعجيب في الأمر، والإعجاز في هذا الحديث، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقّت بثلاثة أيام للهجر، لا يتعداها وهي لفتة كريمة تبين الحد الذي تهدأ فيه ثورة الغضب ويعود العقل إلى اتزانه، ويعاود المرء تصور موقفه، وهي لفتة نفسية عميقة الدلالة، وهي تسبر أغوار النفس البشرية وتعرف مكنوناتها، وهذا ما يؤكد لأولئك الشاكين في القرآن وفي نبوة محمد- صلى الله عليه وسلم- أنه ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (النجم:٤)، فقد سبق هذا التوجيه البحوث النفسية الحديثة بمئات السنين.

.. قلنا هي فرصة محدودة يعاود فيها المرء نفسه وموقفه، وبعدها إن ظل على هجرانه عوقب بعقاب نفسي بليغ، شديد الوقع على النفوس الحساسة والعواطف المرهفة، والقلوب المحبة لعظمة الله وجلاله، المتلهفة على رضاه ورضوانه، يعاقب بعدم قبول عمله حتى يصالح أخاه، ففي الحديث «تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا، إلا امرءًا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول اتركوا هذين حتى يصطلحا» «٤».

إلى هذا الحد يكون الأمر فرديًا خاصًا بالإنسان وحده، ولكن الجماعة الإسلامية، أي المجتمع المسلم، لا يقبل أن يظل مكتوف الأيدي وبعض أعضائه تأكلهم نار الغضب، وتعشش في صدورهم البغضاء، مما يؤدي إلى تفككه، وانتشار التحلل الانتمائي إليه، فيتدخل بعض أفراد هذا المجتمع للإصلاح بين المتخاصمين اللذين لم يحرك أحد منهما ساكنًا نحو الصلح بدافع من نفسه، وحبًا في الخير، وامتثالًا لتوجيهات الإسلام الحنيف «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار» «٥» فيتدخل بعض الأفراد للصلح عملًا بقوله -عز وجل- ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ (سورة الحجرات: ١٠)  ولكنهم عندما يتدخلون يسلكون غالبًا طرقًا غير سليمة إلى حد ما- وهنا بيت القصيد- يسمعون من هذا الطرف حجته، ومن ذاك حجته- هذا إذا كانوا منصفين وواعين لعملهما-.. ثم ينطلقون إلى هذا فيوبخونه ويظهرون له أخطاءه وعيوبه وسوء موقفه ثم يحثونه على الصلح بعد ذلك ينطلقون إلى الطرف الآخر، فيوبخونه ويسفهون رأيه ويبرزون مساوئه، ثم ينصحون له.. 

إذن فهم يخطئون كلا الطرفين، ظنًا منهم أن ذلك سيدفع كلا منهما إلى الصلح بعد أن عرف ضلال موقفه وخطأ تصرفه. فهل هذا هو التصرف الصحيح؟! في اعتقادي لا. وإلا فإننا نفعل ما يفعله «الماكيافليون» ونحذو  حذوهم.

قد يقول قائل: لقد أباح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الكذب في مثل هذه الحال، ويستشهد على ذلك بقول أم كلثوم رضى الله عنها أنها سمعت النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا» «٦» أقول له: نعم.. صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصدقت أم كلثوم رضي الله عنها، ولكن ليس كما فهمت وتدعى، فمفهوم الحديث يشير إلى أن تنقل للخصم كل رأي حسن فيه من خصمه وتخفي عنه ما تلفظ به من سوء فيه بدافع من ثورة الغضب ولو أدى بك ذلك للكذب.

إذن ما هو الموقف السليم؟ أو التصرف السديد في هذا الوضع؟ 

في اعتقادي أن الذين يصلحون بين الناس هم في الدرجة الأولى قضاة وحكام، والحكم عليه أن يفهم جوانب الخلاف المتعددة، وما لابسها من ظروف وما سبقها من خلفيات، يفهم كل ذلك فهمًا عميقًا، ثم يصدر حكمه الصحيح دون مواربة أو تملق للعواطف، فيقول للمخطئ: أنت مخطئ في كذا وكذا بدليل كذا وكذا ويقول للمصيب: أنت على صواب في حكمه، فيصور له أن تبيين الصواب للمصيب مد له في خصامه وإعانة على هجرانه.. لا.. إنما الموقف السليم أن يقول الحق ما هو فإن في قوله الخير العميم والنفع العظيم وإن لم يظهر له سريعًا فوريًا، يقول الله -عز وجل- ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (الكهف: ٢٩) وبعد أن يحكم بالحق يذكر صاحب الحق بالله تعالى، وبواجبات الأخوة الإسلامية، وأن التنازل عن بعض الحق لا يعيبه ولا يشينه، بل يشرفه ويرفع من قدره، ويذكره بقول الله -عز وجل- في مثل هذا الموقف ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ (البقرة: 237) لتظل المودة قائمة والحب متصلًا، ولا يحاول أن يقسره على ذلك -أي الصلح- قسرًا فيدفعه إلى غير ما يحب فيخرجه- من رضى الله تعالى إلى غضبه إن عصى وأصر على موقفه.

ثم بعد ذلك من واجب هذا المصلح أو- هذه الفئة المصلحة- أن تأتي للمخطئ فتوضح له خطأه، وتجلي له عيبه، وتنصحه بالصلح، وبإحقاق الحق وليقسروه على ذلك إن أبى ورفض، فالله يقول ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الحجرات: ٩).  

هذا في اعتقادي هو الموقف السليم الصحيح، والطريق السوي المستقيم، فعلى المسلم اتباع الحق، والدوران معه حيث دار، ولا يحيد عنه متعللًا بالنتائج، ومتأولًا للخير، فليس هذا هو المطلوب، المطلوب من المسلم اتباع الحق، والحق فقط، أما النتائج فبيد الله وحده أن شاء حققت، وإلا فلا سبيل إليها مهما تأول وانحرف ومال وتملق على حساب الحق. وهذا هو المطلوب، قال الله تعالى﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ (ص: 26) وقال أيضًا ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (الزخرف: 86)، وقال أيضًا ﴿قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (الأنبياء: 112)، ويقول ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة: 42) أما النتائج فلسنا مسؤولين عنها، ولا مكلفين ببلوغها وعندها يقذف الله بالحق على الباطل، ويحق الحق بكلماته ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ (الأنبياء: ۱۸). وعند ذلك تتحقق أمنية الساعين في الخير، بعد التزامهم طريق الحق، بالصلح بين الخصمين أو بإظهار الحق وبطلان موقف المعاند المصر على موقفه.

أما اتباع طريقة تخطئ كلا الطرفين، مع العلم بصحة موقف أحدهما وعدم خطئه، فهذه سيئاتها أكثر من حسناتها- هذا إذا كان لها حسنات- فعلى الرغم من كونها مخالفة لما يجب أن يكون عليه المجتمع المسلم، فإنها أيضًا تفقد الفرد المسلم «صاحب الحق في الخلاف»، الثقة في نفسه وفي تصرفه فضلًا عن فقدانه للثقة في المجتمع الذي يرى الحق باطلًا والباطل حقًا، بل ويجور على صاحب الحق حتى يضيع حقه.. وهنا تنمحي الفواصل الدقيقة للتصور الصحيح للقيم الإنسانية، والمثل الأخلاقية والأعراف الاجتماعية، مما يؤدي إلى انعدام الرؤية الصحيحة للأمور والقضايا المطروحة، وعدم الاطمئنان إلى صحة تقدير الأمور على وجهها الصحيح وهنا تشيع الفوضى وتضطرب النفوس، وينهار المجتمع بانهيار لبناته التي انهارت لديها الثقة في عدالة المجتمع والتزامه بالحق والصدق.

المصادر:

١- نسبة إلى السياسي الإيطالي نيكولا ماكيافلي.

۲- صحيح من حديث أبي هريرة «مختصر صحیح مسلم جـ ا ص ١٤٧ حديث رقم٥٤٠».

٣- متفق عليه.

٤- رواه مسلم.

٥- رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم.

٦- متفق عليه.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 59

96

الثلاثاء 11-مايو-1971

كتاب جديد "جذور البلاء"

نشر في العدد 1259

75

الثلاثاء 22-يوليو-1997

إلا تنصروه فقد نصره الله