«معسكر داود».. خطوة أخرى على طريق الخيانة

تأتي اجتماعات «معسكر داود»، كخطوة أخرى في طريق الخيانة مهما اختلفت بشأنها التحليلات والمقولات ومهما كانت نتائجها، فمن هذه الحقيقة تبرز أبعاد المؤامرة الأمريكية اليهودية وتتضح خيانة الطرف العربي.

فبعد انتهاء أعمال مؤتمر «ليدز» صعَّد الاستسلاميون العرب من حملاتهم «اللفظية» المتصلبة تجاه العدو اليهودي معلنين رفضهم تحريك المفاوضات المباشرة ما لم يتقدم "الإسرائيليون" بمعطيات جديدة وما لم يغيروا من مواقفهم، وصاحب ذلك تحركات عربية داعية إلى (التضامن العربي) وإلي تفهم موقف الاستسلاميين الحرج وإعطائهم فرصة أخرى لاختبار نتائج اجتهاداتهم.

وجاءت رسالة، «جيمي كارتر»، ورحب بها الاستسلاميون العرب وبدور، «واشنطن النشط»، وكعادتهم صوروا التراجع في تحركاتهم بمثابة الانتصار.. ووافقوا بتلهف على العودة إلى المفاوضات المباشرة.. فقد رأت «واشنطن»، ذلك.. فمن يعترض؟

إن العودة إلى المفاوضات مع العدو اليهودي تؤكد إحدى خصائص الاستسلاميين العرب.

الكذب والتضليل

لطالما قام الاستسلاميون العرب عن قصد وسوء نية بتضليل الأمة حيث أوهموها بتأييدهم  لحقوق الشعب الفلسطيني، بينما هم يتحينون الفرصة لتضييع حقوقه والقضاء على ثورته.

ولطالما حدَّثوا الأمة عن أن "إسرائيل" أوجدت في كنف العدوان والاغتصاب والشر وإن أرضها من النيل إلى الفرات.

ولطالما خدعوا الأمة بدعوتهم إلى تحرير الأرض وتطهيرها من اليهود، فأين أفعالهم اليوم من أقاويل الأمس؟

ويقودنا بحث هذه الناحية إلى مفهومين دأب الاستسلاميون العرب على تحريفهما وقلبهما:

1- مفهوم الصراع مع العدو اليهودي:

لقد كان هدف العدو اليهودي وجميع القوى المتواطئة معه تمكين الوجود اليهودي في المنطقة عن طريق القبول به سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا.

فعندما يتحقق هذا القبول تكتمل جوانب إخضاع الأمة للسيطرة اليهودية، ولكن جماهير هذه الأمة وانطلاقًا من عقيدتها وشريعتها الإسلامية ترفض الوجود اليهودي برمته.

وقد وجد العدو ضالته في الاستسلاميين العرب الذين:

  • وضعوا مصير الأمة بين يدي الحليف المباشر للعدو اليهودي.
  • وعملوا على محاربة جميع القوى الشعبية الوطنية المخلصة.
  • وعمدوا إلى محاربة الإسلام واضطهاد الإسلاميين وطرحوا الشعارات الإسلامية لإلهاء الشعوب واحتواء التيار الإسلامي.
  • وأعلنوا إنهاء حالة الحرب مع العدو.
  • وأكدوا على قبول العدو.. حضاريًا، وإنسانيًا، وسياسيًا، واقتصاديًا.

2- مفهوم التضامن العربي:

لم تكن المبادرات الإسلامية سبب فرقة وتشتيت الصف العربي، ولكنها جاءت لتزيد من هذه الفرقة والتشتت ولتفضح الكثير من الانحرافات في مسيرة الأنظمة العربية.

وإمعانًا في سياسة التضليل والكذب التي ينتهجها الإسلاميون العرب -واقتداء- بالمسلك اليهودي فقد عمد هؤلاء إلى التأكيد على التضامن العربي وضرورته، وهدفهم قلب هذا المفهوم ليتماشى مع تيار الاستسلام ومع التوجيهات الأمريكية.

ألم يستغلوا الدعوة إلى -التضامن العربي- في تعجيل الدعوة الأمريكية إلى عقد مفاوضات جديدة في معسكر داود؟

ما الجديد في معسكر داود؟

يرى الإسلاميون العرب بأن المشاركة الأمريكية النشطة من أهم معالم نجاح مفاوضات -معسكر داود- بل ويحاولوا أن يخادعوا الفهم حين يزعمون بأن سياستهم هي التي قادت إلى مثل هذه المشاركة.

فما حقيقة الدور الأمريكي؟

1- لقد صرح "سايروس فانس" وزير خارجية الولايات المتحدة في الأسبوع الماضي بأن الإدارة الأمريكية أبلغت "إسرائيل" بأن المساعدات الاقتصادية والعسكرية لـ"إسرائيل" لن تكون مشروطة بنجاح -كامب ديفيد- وأفادت صحيفة -واشنطن بوست- بأن هذا التصريح جاء لتهدئة خواطر الذين أعربوا عن مخاوفهم من إمكانية ممارسة الإدارة الأمريكية ضغوطًا على "إسرائيل".

تؤكد الجهات الأمريكية الرسمية على أن المشاركة الأمريكية في معسكر داود ستكون بمثابة -الوسيط- النشط فحسب.. وليس -الشريك- كما تردده أوساط الاستسلام العربي -فالدور الأمريكي في- معسكر داود- سيبقى في خدمة المخططات اليهودية ولمواصلة تمرير القبول اليهودي في المنطقة مع كل ما يتطلبه ذلك من عناصر وخاصة تلك المتعلقة بالمزيد من التنازلات العربية والتي بدورها لا تجني إلا عن طريق استمرار المفاوضات.

فبالإمكان القول إن الهدف الأمريكي الرئيسي لهذه المرحلة هو استمرار المفاوضات خاصة في ضوء ما يلي:

إن فشل المبادرة الاستسلامية يعني سقوط نظام الاستسلام والذي يمثل مركزًا أساسيًا من مراكز النفوذ الأمريكي في المنطقة.

  • إن هذا الفشل يعني عودة -التضامن العربي- الأصيل المبني على التصادم المسلح مع العدو.
  • إن استمرار المفاوضات يضمن تدفق النفط العربي بالأسعار المناسبة لأمريكا ولحلفائها في أوروبا وآسيا.
  • إن المساهمة المالية العربية في تنشيط الاقتصاد الأمريكي ستستمر وتتزايد طالما هناك مساع لحل سلمي.
  • وإن الاستمرار في المبادرات الاستسلامية استنزافًا للقوى الشعبية وتمكينًا لتفريق صفوفها ولإلهائها عن واجباتها الأساسية.
  • وإن هذا الاستمرار تمكينًا للاتكال العربي على أمريكا وبالأخص مع التهديد بالخطر الشيوعي.

هذه هي حقيقة الدور الأمريكي في -معسكر داود- فأين الإنجاز العظيم الذي يدعيه الاستسلاميون؟

وكذلك يطرح الاستسلاميون رؤية خاطئة أخرى لتضليل الأمة وخداعها، وهي أن مرونة قد طرأت على الموقف "الإسرائيلي" مما يشجع على مواصلة المفاوضات والقبول بالذهاب إلى مؤتمر "معسكر داود".

ولم يمهلهم "موشى ديان" طويلًا فقد صرح يوم السبت الماضي بأنه لا يعرف أي مشروع لحل وسط إقليمي يكون في صالح "إسرائيل" وتقبل به الدول العربية في آن واحد..

بالطبع فالمطلوب تحقيق المصالح اليهودية وما على العرب إلا الرضوخ والاستسلام والتنازل.

ويقول وزير العدو: يجب التوصل في مؤتمر "كامب ديفيد" إلى بنود أساسية لا بد من ذكرها وهي حق الاستيطان في كل مكان من يهودا والسامرة وقطاع غزة وحق ابتياع الأراضي في هذه المناطق وحرية التنقل لـ"لإسرائيليين" ولسكان هذه المناطق وبالإضافة إلى هذه المبادئ الهامة يجب الاهتمام بأمن "إسرائيل" ويتمثل في حق جيش الدفاع "الإسرائيلي" بالتواجد في كل مكان من يهودا والسامرة وقطاع غزة بناء على الاحتياجات الأمنية لـ"إسرائيل"، وإن مشروع الحكم الذاتي في هذه المنطقة والذي قدمته الحكومة ينص على إبقاء موضوع السيادة مفتوحًا بحيث يمكن البحث فيه بعد فترة خمس سنوات..

فأين المرونة في الموقف "الإسرائيلي"؟

أليس هذا بصورة أخرى لمشروع "بيغن" للسلام والذي سبق طرحه في مؤتمر "ليدز"؟

هذه كانت حقيقة الدور الأمريكي والموقف اليهودي.

فهل يستمر الاستسلاميون العرب في طريق الخيانة(1)؟


للمزيد: 

1- وانقلب السحر على الساحر الصهيوني!

2- ماذا بعد الحرب؟! 

3- «هولوكوست» اليهود و«محرقة»غزة.. هناك فرق!

4- رسائل للتبصير والتقدير

5- تدمير مساجد غزة.. جريمة لا تُغتفر 

6- إعمار.. أم استعمار! 

7- المشرَّدون ما زالوا في العراء

 8- فلسطين.. بين شروط الاستسلام اليهودية وضغوط الأنظمة العربية




____________________

(1) نُشر بالعدد(409)، 19 رمضان 1398هـ/ 22 أغسطس 1978م، ص4.  

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة