من يحمي محكمة الجنايات الدولية من العقوبات الأمريكية؟

مقر محكمة الجنائية الدولية

لم يعد الخلاف بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية مجرد نقاش حول حدود الاختصاص، ففي 9 أكتوبر 2026م، فرضت واشنطن عقوبات على المحكمة نفسها، بعدما سبق أن استهدفت قضاة ومدعين فيها، هكذا تحولت المؤسسة التي أُنشئت لمحاسبة مرتكبي أخطر الجرائم إلى هدف للضغط السياسي والاقتصادي، والسؤال لم يعد فقط ما إذا كانت العقوبات مشروعة، بل كيف ستواصل المحكمة عملها، ومن سيحميها إذا طال العزل مواردها المالية والتكنولوجية؟

تعود جذور التوتر إلى تحقيق أفغانستان، ففي 5 مارس 2020م، أجازت دائرة الاستئناف للمحكمة فتح تحقيق شمل ادعاءات بجرائم ارتكبها أفراد من القوات الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية، وفي سبتمبر من العام نفسه، فرضت إدارة ترمب عقوبات على المدعية العامة فاتو بنسودا ومسؤول في مكتب الادعاء، ألغى جو بايدن تلك العقوبات في أبريل 2021م، لكنه أعلن استمرار اعتراض واشنطن على إجراءات المحكمة في أفغانستان وفلسطين.

وفي الحالة الفلسطينية، انضمت فلسطين إلى نظام روما الأساسي في 1 أبريل 2015م، وفي 5 فبراير2021م، قررت المحكمة أن اختصاصها الإقليمي يشمل غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ثم أصدرت في 21 نوفمبر 2024م مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو، ويوآف غالانت، للاشتباه في مسؤوليتهما عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لم تكونا حكماً بالإدانة، لكنهما شكلتا إدانة معنوية على الأقل لقيادة الاحتلال وأغضبتا قادته، وفي 6 فبراير 2025م، أصدر ترمب الأمر التنفيذي رقم (14203)، لتبدأ جولة جديدة من العقوبات انتهت باستهداف المحكمة كمؤسسة في عام 2026م.

العقوبات الأمريكية على محكمة الجنايات الدولية.. خلاف قانوني أم ضغط سياسي؟

تقول واشنطن: إن إجراءاتها تستند إلى قوانين أمريكية تمنح الرئيس صلاحيات اقتصادية واسعة، لكن وجود أساس في القانون الداخلي لا يحسم وحده مشروعية الضغط على محكمة دولية مستقلة، فنظام روما يجيز للمحكمة، بشروط، النظر في الجرائم الواقعة على إقليم دولة طرف، حتى لو كان المتهم من دولة غير منضمة، كما أن الصفة الرسمية لا تمنح المسؤول حصانة تلقائية أمام المحكمة، مع بقاء مسائل الحصانة والتعاون مع الدول غير الأطراف موضع نقاش قانوني، ومن حق واشنطن أن تعترض على قرارات المحكمة، لكن الاعتراض بالحجج القانونية يختلف عن استخدام العقوبات للتأثير في عملها.

وتكمن خطورة العقوبات في أثرها العملي، فهي تستهدف أموال المحكمة ومصالحها المالية الواقعة تحت الولاية الأمريكية، وقد تدفع المصارف والشركات خارج الولايات المتحدة إلى تجنب التعامل معها خوفاً من الأخطار، وفي 9 أكتوبر، أصدرت وزارة الخزانة 4 تراخيص عامة تسمح ببعض المعاملات والخدمات، ومنها الاتصالات والبرمجيات والمعاشات وشؤون المحتجزين، لكنها لا تلغي العقوبات ولا تضمن استمرار كل الخدمات، وإذا تعطلت قنوات التمويل أو التكنولوجيا، فقد تتأخر التحقيقات ويتعقد تعاون الشهود والخبراء، كما قد تتضرر برامج مساعدة الضحايا وتعويضهم، والضحية هنا قد تدفع ثمن صراع لم تكن طرفاً فيه.

من يدعم المحكمة الجنائية الدولية في مواجهة العقوبات؟

أثارت الخطوة انتقادات من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، كما أعلنت كندا والدنمارك وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وهولندا والمملكة المتحدة دعمها لاستقلال المحكمة ومعارضتها للعقوبات، هذه المواقف مهمة، لكنها لا تعيد وحدها فتح حساب مصرفي ولا تحمي شركة من العقوبات، وقد رحب الاتحاد الأوروبي بالحوار مع واشنطن وبالتأجيل المرتبط بالتراخيص؛ غير أن الحوار يجب أن يقود إلى رفع العقوبات وحماية استقلال المحكمة، لا إلى تفاوض حول القضايا التي يحق لها النظر فيها.

ويبقى السؤال الأوسع: أين الدول الـ125 التي أنشأت المحكمة؟ تنص المادة (86) من نظام روما على تعاون الدول الأطراف مع المحكمة، لكن ذلك لا يعني أن كل دولة ملزمة بتدبير اقتصادي مضاد بعينه، مع ذلك، تقع عليها مسؤولية سياسية ومؤسسية تمنع ترك المحكمة وحدها.

وقد قررت جمعية الدول الأطراف نقل دورتها الخامسة والعشرين من نيويورك إلى لاهاي بسبب مخاوف العقوبات وقيود التأشيرات؛ خطوة عملية، لكنها لا تكفي لحماية التمويل والخدمات، كما أن صمت دول كثيرة، بينها دول أفريقية وآسيوية، يطرح سؤالاً مشروعاً عن دورها في حماية مؤسسة شاركت في إنشائها، والخطوة تعالج مكان الاجتماع، ولا تضمن حماية حسابات المحكمة أو موظفيها من آثار العقوبات؛ لذلك تحتاج الدول إلى خطة تمويل طارئة، وقنوات مصرفية بديلة، وضمانات للشركات ومزودي الخدمات المتعاونين معها، كي لا يتراجعوا خوفاً من العقوبات المحتملة.

وفي اليوم نفسه الذي فُرضت فيه العقوبات، مُنحت نافي بيلاي جائزة «نوبل» للسلام لعام 2026م تقديراً لجهودها في دعم السلام والقانون الدولي، إنها مفارقة لافتة: تكريم شخصية ارتبطت بالعدالة فيما تتعرض مؤسسة قضائية للعقوبات، لكن التكريم المعنوي لا يحمي المحكمة ما لم يتحول إلى دعم سياسي ومالي وتقني، المحكمة ليست فوق النقد، غير أن نقدها يهدف إلى إصلاحها، أما العقوبات فقد تعرقل عملها وتحرم الضحايا من العدالة، وإذا استطاعت دولة واحدة تعطيل محكمة أنشأتها 125 دولة، فماذا يبقى من استقلال القضاء الدولي ومبدأ عدم الإفلات من العقاب؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة